قصص وتجارب المعلمين والمعلمات من خلفيات مختلفة توضح الطرق المختلفة التي يمكننا استخدامها لخلق تغيير إيجابي عبر التعليم في سياق بالغ التعقيد والصعوبة، وذلك من خلال تعديل مساحات التعلم لتستجيب لمجموعات متنوعة من المتعلمين والمساهمة في جعل التعليم مرحلة تحول إيجابية، حيث يتخيل المعلمون والمعلمات دائمًا مساحة تشجع على التعلم والتعليم الإيجابيين.

هذا ومهما كانت المصادر المادية، فإن هؤلاء المعلمين والمعلمات يتخيلون دائمًا بيئة أفضل لطلابهم، كما ينفذون أيضًا تقنيات بسيطة لتحقيق هذه المساحة المتخيلة، وذلك من خلال العمل على تنويع خبرات الأطفال والشباب في مساحات التعلم لتعزيز قوتهم والاستجابة لتحديات التعلم، إضافة إلى إعادة اعتبار التعليم كمهنة تعزز فيهم فهم الازدهار الشامل والحياة الكريمة والأمل في مستقبل أفضل.

فدور المعلم والمعلمة يتمثل في غرس القيم الإيجابية ومعالجة الصعوبات في الفصل الدراسي من خلال رفع وعي المتعلمين بالمبادئ الأساسية مثل قبول الآخر والعمل الجماعي والإدماج والتعاون، إضافة إلى كيفية تحويل فكرة وجود حواجز وتحديات إلى تحقيق أحلام الطلبة من خلال العمل الجاد والعزيمة، وذلك حتى بتوفر موارد محدودة؛ لأنه مع فهم المبادئ الأساسية للمشاركة والمساواة وقبول الآخر، وكذلك إيمانهم بالدور الإيجابي للتعليم، فإنه من الممكن خلق مساحة لجميع الأطفال للتعلم والشعور بالأمان والاندماج، وذلك لأن إيماننا وتفعيلنا لمبدأ الاندماج في البيئة المادية، يضمن وصول الأطفال والمتعلمين من كافة الفئات (ذوي الاحتياجات الخاصة) بسهولة نسبية، ويشجع التلاميذ المتفوقين على العمل مع التلاميذ الذين يواجهون صعوبات في مادة معينة لتحقيق مبدأ التعاون مع بعضهم البعض.

هذا ويجب استخدام أداة تصميم التعلم، وهي عبارة عن إنشاء خبرة تعليمية تجعل عملية اكتساب المعرفة فعالة وجذابة، وتهدف إلى تسهيل عمل المعلمين على نهج جديد للدروس، أو تسلسل أنشطة التعلم، وأيًا كان التصميم الذي يستخدمه المعلم في التعليم، يجب عليه أن يوفر منصة آمنة ومحفزة للطلاب من أجل الإبداع والابتكار، وبيئة آمنة للاتصال والتعاون وتبادل المحتوى التعليمي وتطبيقاته الرقمية، إضافة إلى الواجبات المنزلية والدرجات والمناقشات، وذلك كله بهدف الوصول إلى الهدف الأساسي، ألا وهو تقديم درس هادف ومتكامل للطلاب.

وهنا تبرز نظرية النظم البيئية والاجتماعية، والتي تعنى بفهم الكيفية التي يمكن من خلالها أن يؤثر ما يحصل ضمن أنظمة اجتماعية مختلفة على الطفل أو الشاب، وعلى تطورهم بشكل واسع، وهذه النظرية تمكن من معرفة مختلف المتدخلين والعوامل المحيطة التي تساعد أو تمنع التلميذ من متابعة دراسته، كما وتعرفه إلى الطرق التي ينبغي اتباعها لحل مشكلة ما عند حدوثها معه.

هذا ومن المشاكل التي تستعمل فيها هذه النظرية لحلها هي انقطاع الفتيات عن الذهاب إلى الدراسة، وخوف التلاميذ في الطريق أثناء ذهابهم للمدرسة نظرًا لبعدها عنهم، أو عندما ينضم تلميذ جديد إلى الصف، حيث إن هناك تجارب مختلفة يجلبها التلاميذ معهم إلى الصف، وبشكل خاص التجارب التي تعرضوا لها أو يتعرضون لها بعيشهم في ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة، إضافة إلى عدم وجود قبول لهم في المجتمع الموجودين فيه.

المعلم يستطيع تحديد خلفية سلوك التلميذ وتحديد أسباب هذا السلوك، ومن ثم العمل على حله بالتعاون مع الأطراف المعنية، وهكذا تكمن الاستفادة من هذه النظرية بإحداث تغير إيجابي في حياة التلميذ عبر تفاعل كل من هو في محيطه من الأهل والمعلمين والمجتمع.

كما وهناك طرق كثيرة يستطيع أن يستعملها المعلم لتخفيف من وطأة هذا الوضع الدقيق الذي يعيشه التلاميذ داخل وخارج المدرسة، ومن هذه الحلول أن المعلم يستطيع تقديم الدعم النفسي عبر التواصل بشكل فعال مع التلاميذ وأهلهم لمعرفة الأسباب والظروف المعيشية لكل تلميذ، وذلك من خلال إجراء دورات تدريبية للأهل والتلاميذ بعد دوام المدرسة مثلًا، كما يمكن العمل على توفير دعم لهم عبر القيام بأنشطة نفسية وترفيهية بالاشتراك مع متخصصين، إضافة إلى فكرة مميزة وهي السماح للتلاميذ بإطلاق العنان لأفكارهم والحديث بدون أن يقاطعهم أحد، أو يملي عليهم شروطه، وإعطاؤهم الحرية المطلقة في التعبير بأي شكل يفضلونه.

وهكذا فإن هذا التعليم التحولي هو عملية تشهد تحولًا هيكليًا عميقا في الجوهر الأساسي للفكر والمشاعر والأفعال، والتعلم التحولي ينطوي على تحول في الوعي الذي يغير بشكل كبير ولا رجعة فيه مكاننا في العالم، كما أن الهدف من تعظيم الإمكانات والعلاقات البشرية هو في صميم التعليم التحولي، بحيث يجب أن يكون المعلم ميسرًا لعملية التعلم، والمتعلمون مسؤولون عن تشكيل معارفهم وليس المعلم.

هذا وفي التعليم التحولي يكون للمعلم دور مختلف تمامًا عن دور المعلم التقليدي الذي يعتبر حارس المعرفة والخبرات المشروعة، كما لا يخبر المعلم التحويلي المتعلمين بما يفكرون فيه، ولكن من الأرجح أن يتكيف مع تجارب المتعلمين خارج الفصل لتعزيز إمكاناتهم لفهم العالم بطرقهم الخاصة، ويتضمن هذا التحول فهمنا لأنفسنا ومواقعنا، وعلاقاتنا مع البشر الآخرين ومع العالم الطبيعي، وفهمنا لعلاقات القوة في الهياكل المتشابكة للطبقة الاجتماعية والعرق والجنس ووعي الجسم لدينا، ورؤيتنا للطرق البديلة للعيش، وإحساسنا بإمكانيات العدالة الاجتماعية والسلام والفرح الشخصي.

لذا فمن الضروري أن نبدأ بالتفكير في أكبر المشاكل أو التحديات التي يوجهها المعلمين، بحيث يمكننا أن نبدأ بالاحتياجات التعليمية الأساسية واستخدام التكنولوجيا لتمكين المتعلمين من العثور على أهدافهم في الحياة والشعور بالثقة بالنفس وتنمية قدراتهم على التفكير النقدي والإبداع والقدرة على التعلم من ومع أقرانهم، وذلك لأن استخدام الأدوات الرقمية يحسن من جودة التعليم والوصول إليه، ويوفر طرقًا لجعل التعلم أكثر تخصيصًا وأكثر شمولًا وأكثر مرونة، كما وأن استخدامنا للمنصات الرقمية لمشاركة الممارسات المهنية والإنتاج المشترك للموارد التعليمية وغيرها يجعلنا كمحترفين أكثر إنتاجية.

لهذا يتطلب التعليم التحولي درجة عالية من الإبداع في المناهج التربوية، كما ويجب على المعلم أن يتصرف بشكل مستقل، متجاوزًا المناهج الدراسية المقررة لاتخاذ الخيارات التربوية الخاصة به، وتحرير المتعلمين من السيطرة الوحيدة على الهياكل والأيديولوجيات التعليمية، ويتم تحقيق هذا الأمر عبر التواصل مع التلاميذ إلكترونيًا، وضرورة وجود هذه الوسائل أيضًا في المدارس لتسهيل عملية التعليم، وأيضًا بالنسبة للمعلم توفر عليه الوقت والجهد عند شرح أي درس.

الأساليب التربوية التشاركية هي أدوات فعالة لتمكين المتعلمين، لكنهم يحذرون من وجود خطر من سوء التفسير والخيار المشترك لهذه الأساليب ضمن نظام التعليم السائد، حيث ينبع التحدي من الضغوط المستمرة للاحتياجات الاقتصادية التي يواجهها المتعلمون، وخاصة اللاجئون والنازحون منهم في حياتهم اليومية. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات