ذكرنا في مقال سابق عنوانه «دور المحرك الديني في إخفاق الأنظمة العربية» أن هناك ثلاثة محركات اجتماعية، وهي المحرك الديني، والمحرك العشائري، والمحرك الأكاديمي، تسهم في خلق قاعدة رئيسية لبناء النظام -أيًّا كان، سياسيًّا، اقتصاديًّا، اجتماعيًّا– والمتمثلة بـ«وعي المجتمع»، فيكون النظام بكل مظاهره انعكاسًا، وفي الوقت ذاته تابعًا لـ«وعي المجتمع» المرهون بالمحركات الاجتماعية. ولتوضيح دور المحرك الثاني في كيفية إخفاق الأنظمة العربية، فقد خصص هذا المقال للمحرك الثاني الحامل لعنوان المقال، حتى تكتمل السلسلة شيئًا فشيئًا، وتكون الصورة واضحة في نهاية المطاف.

وظائف وصفات

وبصرف النظر عن الجانب التأريخي لكيفية نشوء العشائر وتشكلها في المنطقة العربية، كان لها دور كبير في حماية المجتمع وتلبية احتياجاته، وذلك من خلال أداء وظائفها المتمثلة في حمايتها لأفرادها من الاعتداء، وحثهم على العمل لتلبية احتياجاتهم، وإصلاح ذات البين عند حصول المنازعات فيما بينهم، أو ما بين أفراد عشيرتين، والمشاركة الفاعلة في الأفراح والأحزان وغيرها، وتمسكها بالجوانب الأخلاقية، كإكرام الضيف، واحترام الأسير، وإرشاد الضال، وهذه كلها أعمال لا يمكن إغفال أهميتها في المجتمع. لكن بالمقابل هناك أيضًا جوانب سلبية تتمثل في العصبية العشائرية، والوراثة العشائرية، ورفض مبدأ الاعتراض على ما يتخذ من إجراءات عشائرية، أضف إلى ذلك صفتي التصلب العشائري والتبعية العشائرية.

التصلب العشائري

وبدلًا من الاستمرار في أداء وظائفها الإيجابية المُعتادة، وصيانتها من التعرض للهدم والتشوه، وتطويرها باستمرار تناغمًا مع سنة الحياة، وهي التغيير والتطوير، نتيجة للحراك الاجتماعي في كل المجالات، وخصوصًا السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وسواء بقصد أو بدون قصد، من قبل الزعامات العشائرية، بقيت العشيرة برمتها متصلبة، وغير مرنة ومتحجرة، لا تواكب حركة التقدم الناجم عن التغيير والتطوير المستمرين، بل لم تشذب جوانبها السلبية في المجتمع، والأسوأ أنها أخذت تتزايد مع تراجع في أداء وظائفها الإيجابية في ظل عصر السرعة والتغيير، لكن ما يؤشر على قصدية الزعامات العشائرية لعدم مواكبة تطوير المجتمع وتقدمه، هو الخوف من سحب بساط سلطتهم العشائرية على المجتمع، حينما يتعلم ويتطور ويتقدم، بينما تكون سلطتهم في أوجها عندما يكون المجتمع غير متعلم، وغير متقدم، وغير متطور، ولذا ففي الغالب، يكون فكرهم رجعيًّا.

نعم التصلب والتحجر انعكس على أفرادها الذين في الغالب يشكلون النسبة الأعظم من المجتمع، فأصبحوا هم أيضًا متحجرين لا يسعون إلى فهم النظام فضلًا عن تطبيقه، كونهم مرتبطين بالعشيرة التي تلبي احتياجاتهم؛ أي توفر لهم الحماية، والدعم، والسند، وبهذا أصبحت العشيرة أقوى من القانون الذي يفرزه النظام بل أصبحت أحد العوائق المهمة في طريق بناء النظام وتطبيقه، بدلًا من أن تقف العشيرة بالموقف الساند والداعم لفهم النظام والسعي لتطبيقه على الجميع بلا استثناء؛ لأن الجميع متساوون أمام القانون، فكل المواطنين لهم حقوق، وعليهم واجبات.

التبعية العشائرية

يبدو وللأسف أن هناك صفة اتصفت بها، وهي واقعية وليس تهمة، ولم تتخلص منها خصوصًا في السنوات الأخيرة، وهي «التبعية»؛ أي تبعية أفراد العشيرة لرئيس العشيرة في كل القضايا التي يقدم عليها، وتبعية رئيس العشيرة للسلطة السياسية دون الأخذ بعين الاعتبار مدى تطابق برامج السلطة السياسية وطموح أفراد عشيرته، وتطلعات مجتمعه، وتنفيذها على أرض الواقع، بمعنى آخر أنها – العشيرة ورئيسها- فقدت استقلاليتها وأصبحت وسيلة لتنفيذ ما تريده السلطة السياسية، والأجندات الخارجية، وانحرفت عن المسار الذي كان ينبغي أن تسلكه، نتيجة لتفكير رؤساء العشائر في مصالحهم الضيقة، على حساب أفراد عشيرتهم ومجتمعهم.

هذه التبعية من قبل رؤساء العشائر للسلطة السياسية كانت بمثابة الجسر الذي أوصل إلى تبعية أغلب أفراد العشائر للسلطة السياسية أيضًا، وهذا ما تبحث عنه الأخيرة، وذلك للبقاء في السلطة أطول وقت ممكن، فيُستنتج أن السلطة السياسية هي من يلوح لرؤساء العشائر بالمصالح والامتيازات؛ فيسيل لعُاب أغلبهم لهذه المصالح والامتيازات، ضاربين عرض الحائط بمصالح أفراد عشائرهم ومجتمعاتهم؛ نتيجة لانخفاض وعيهم بمصالح أفراد عشيرتهم، ومجتمعهم، ووطنهم، وفقدان الشعور بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم.

النتيجة

ونتيجة للتصلب العشائري الذي لا يستجيب للتغيير والتفاعل معه، ومواكبة الحركة البشرية في كافة المجالات من جانب، والتبعية العشائرية التي عملت على «رمي الجمل بما حمل»، العشيرة، وأفرادها، والمجتمع، والوطن في حضن السلطة السياسية؛ فاستأنست هذه الأخيرة لغياب من يتابعها ويراقبها ويحاسبها ما دام أن صمام المجتمع العشائري أصبح كالخاتم في يدها تديره حيث تشاء من جانب آخر، أصبحت الأنظمة ضعيفة لا تتصف بالمرونة والمتانة والكفاءة؛ وذلك لغياب وتغييب المجتمع ودوره الفاعل في مطالبة النظام بحقوقه ومتطلباته، فضلًا عن طموحه وتطلعاته، خصوصًا في ظل التحولات السياسية التي تعد المجتمعات هي من تحكم نفسها بنفسها عبر ممثليها في البرلمان.

افتراض

ولتقريب الصورة أكثر، نفترض أن رؤساء عشائر محافظة معينة اجتمعوا لإنهاء مشكلة ما، كالكهرباء، أو البطالة، أو الروتين الإداري، أو غيرها، يعانيها مجتمعهم وذهبوا للجهات المختصة، فهل من المعقول أن هذه الجهات لا تستجيب لهم، ويعلمون أنهم رؤساء عشائر المحافظة؟! لا أتصور أنها لا تستجيب، ولو افترضنا أنها لم تستجب، ينبغي أن يحرك رؤساء العشائر في ظل التحولات السياسية قاعدتهم الجماهيرية، وبالوسائل السلمية، وبشكل تصعيدي للضغط على الجهات المختصة لتلبية متطلبات الجماهير التي وضعها رؤساء العشائر أمام تلك الجهات، ولم تستجب، في هذه الحالة ستستجيب لتلبية المطالب وحل المشكلة فورًا، وبهذا فهم -رؤساء العشائر- أصبح لديهم ثقل كبير لدى الجهات المختصة؛ فيستطيعون جعل النظام نظامًا للمواطن لا على المواطن وتلبية كل ما يريده المواطن، دون أن يلجأ لرؤساء عشائره، فهم يحركون الشارع مرة أخرى، ويجعلون تلك الجهات في موقف لا تحسد عليه. وهكذا بالنسبة لجميع المحافظات، فيكون النظام على مستوى البلد نظام للمواطن على المواطن.

لا يمكن تحقيق هذا في ليلة وضحاها، كونه يحتاج إلى عمل وبذل جهد لخلق علاقة تفاعلية جيدة ما بين رئيس العشيرة، وأفراد عشيرته، ومجتمعه، وأبناء وطنه، وتوعيتهم بحقوقهم السياسية والاقتصادية، ويكون خادمًا لهم كما فعل جميع الشرفاء والمخلصين في العالم، الذين عرفهم التاريخ، لا سيدًا عليهم ومتآمرًا، وذلك للوصول إلى تحقيق أهداف المجتمع بأكمله، وانتزاع حقوقه من الأنظمة المستبدة والظالمة، وهذا ما يؤدي إلى رفع كفاءة أداء الأنظمة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وغيرها.

بناءً على هذا الافتراض، نرى أن أغلب العشائر العربية ورؤساءها هم من أسهموا في إخفاق بناء أنظمة كفء تحترم المواطن وتخدمه، والدليل على ذلك نلاحظ أغلب المجتمعات العربية تعاني الأمرين من فقر، وبطالة، وقتل، وحروب، وهجرة، وتهجير، وارتفاع نسب الأمية، وانخفاض المستوى الصحي، وغيرها، وما يؤكد هذا أنها تحتل في الغالب مراتب متقدمة في أغلب المؤشرات السلبية، كمؤشر الإرهاب العالمي، ومؤشر الفساد العالمي، وغيرها، في حين تحتل مراتب متأخرة في أغلب المؤشرات الإيجابية، كمؤشر السلام العالمي، وممارسة أنشطة الأعمال، ومؤشر الحرية الاقتصادية، ومؤشر التنمية البشرية، ومؤشر الابتكار، وغيرها بكثير، وبعض الدول لم تشملها هذه المؤشرات.

التوصيات

ولذا ينبغي لرؤساء العشائر أن:

– تمارس التغيير في نمط تفكيرها وإصلاحه بالشكل الذي يستجيب للتغيير السريع، خصوصًا مع التحولات السياسية في المنطقة.

– تبتعد عن دورها التجسيري، المتمثل في نقل تبعيتها للسلطة السياسية إلى المجتمع حتى لا ينتقدها الأخير في حال انفردت بالتبعية للسلطة السياسية.

– بناء علاقة تفاعلية جيدة مع أفراد عشائرهم، ومجتمعاتهم، وأبناء وطنهم، بناء على أسس التعاون والتضامن؛ حتى يكسبوا ثقتهم، ومن ثم الانطلاق نحو تحقيق الأهداف المرسومة.

– إيجاد وظائف إضافية جديد للعشيرة في القرن الواحد والعشرين، على أن تتسم هذه الوظائف بثلاث صفات هي:

  • الاستقلالية؛ أي ألا يتصدى رئيس العشيرة للنظام السياسي مباشرة، ويصبح في النهاية قائد السياسي. لأن دوره ومن خلال التشبيك مع جميع رؤساء العشائر يتمثل في حشد أفراد عشيرته، ومجتمعه، وأبناء وطنه، وهو أولهم،
    للمطالبة بالحقوق السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية وغيرها.
  • والاستمرارية؛ أي الاستمرار في مطالبة الأنظمة السياسية بالحقوق المجتمعية في ظل وجودهم الحالي.
  • الاستدامة؛ أي العمل على تجهيز أفراد من أبناء العشيرة، من حيث القدرة، والكفاءة، والنزاهة، حتى يتأهلوا لمواصلة المسير الجماهيري في الضغط على الأنظمة لتحقيق مطالبهم تحقيقًا مستدامًا حالًا ومستقبلًا، لهم ولأحفادهم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!