تلعب الجامعات في الأونة الأخيرة  دورًا رائدًا في تعزيز الاستثمار المعرفي بفعل التطور التكنولوجي والمعلوماتي الذي يعرفه العالم في الفترة  الراهنة، فالجامعة هي صاحبة الدور الأبرز في الاستثمار المعرفي؛ فهي من تقف خلف التنمية المستدامة كما أنها المحرك الأساسي لما يعرف باقتصاد المعرفة، المؤشر الأبرز على تطور الأمم وتقدمها، خاصة الدول الغربية التي ادركت أهمية المورد  البشري وجعلت منه مصدرًا مهمًّا للاستثمار للنهوض  بالاقتصاد الوطني.

ومن بين أحسن الجامعات التي  عملت على  تشجيع الاستثمار المعرفي كانت الجامعات الماليزية التي تخطط دومًا من أجل النهوض بالجامعة ودورها في الاستثمار المعرفي   من خلال الاهتمام الكبير بالبحوث العلمية والدراسات من خلال إنشاء قواعد بيانات يجري فيها جمع المعلومات عن المدارس والمناهج، بالإضافة إلى عملها على  التسويق لخريجي  الجامعات  في سوق العمل، والتأكد من رضا أصحاب العمل من مصانع ومؤسسات عن خريجي الجامعات ومستوى تأهيلهم، إدراكًا منها لأهمية الاستثمار في رأس المال البشري لأنها ترى أن استثمار الموارد البشرية من خلال التعليم والتدريب هو استثمار تنموي طويل الأجل يمكن الدولة من التعامل مع التحديات التي تفرضها التطورات العلمية والتكنولوجية المتلاحقة.

ولا تختلف تجربة كوريا الجنوبية عن التجربة الماليزية في ما يخص الجامعة ودورها في تحقيق الاستثمار  المعرفي، وأحد أبر ز الأمثلة الدالة على مدى اهتمام كوريا الجنوبية بالجامعة والاقتصاد المعرفي، هو ما فعلته شركة سامسونج العالمية، والتي وضعت شعارًا مهمًا قائلًا النمو المعتمد على البحث والابتكار، وبهذا استطاعت وبشكل فعلي وفعال الاستفادة من  العلم والبحث العلمي، حيث تضم الشركة حوالي  50 ألف باحث منهم 3 آلاف باحث من حاملي شهادة الدكتوراه، هذا الذي ساعدها على أن تكون في الوقت الحالي المصنفة الأولى عالميًّا في مجال الصناعات المعتمدة على البحث والتطوير.

أما في ما يخص الدول العربية فهي لم تصل بعد للمرحلة التي يتم فيها الاعتماد على الجامعة من اجل الاستثمار وتحقيق التطور، حيث ما تزال الجامعة في دولنا العربية ذات مهمة واحدة ووحيدة، وهي تلقين التعليم وفقط، وحتى التخصصات التي يدرسها معظم الطلبة لا توفر لهم منصب عمل في السوق، وهذا راجع إلى أن الجامعة لا تعمل على الموازنة بين التخصص وبين ما هو موجود في سوق العمل، هذا الذي ساهم في رفع مستوى البطالة بين أوساط الشباب الذي يجد نفسه بعد نهاية المشوار الجامعي يتخبط في حقيقة البطالة، بسبب تخصصه غير المرغوب به في سوق العمل، وأحسن مثال على  ذلك، تخصص العلوم السياسية أحد أهم التخصصات العلمية الذي لا يحظى باهتمام من الجامعات في الدول العربية، وخاصة الجامعة الجزائرية.

حيث لم تفكر الجامعة الجزائرية في بناء مراكز بحث خاصة بالعلوم السياسية تخصص النخبة؛ لأن الطلبة فيه تدرس كل شيء الاقتصاد، الفكر السياسي، الجغرافيا، الاحصاء؛ العلاقات الدولية؛ القانون الدولي؛ الدراسات المستقبلية… إلخ، وبالتالي، فالاهتمام بهذا التخصص والتعامل معه وفق مبدأ الاستثمار المعرفي سيساعد في تحقيق التقدم للدولة لأنها ستتمكن من الاستفادة من خريجي هذا التخصص في تسيير  شؤون الدولة بشكل صحيح علمي ودقيق.

لذلك؛ وفي ختام هذه المقالة، أر يد تأكيد أن الجامعة في الوطن العربي  يجب ألا يتوقف دور ها  عند حد التعليم وفقط، بل  يجب أن تتجاوز هذا بكثير، نحو  العمل على زرع ثقافة البحث العلمي وتأكيد علاقته بنمو المجتمع من خلال التركيز على  نوعية البحوث وجودتها، ومدى  خدمتها للمجتمع هذا من جهة، ومن جهة أخرى الاهتمام بالباحث العلمي وإعطاؤه المكانة المناسبة وسيلة مناسبة لمحاربة هجرة الأدغمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد