الثالث والعشرين من سبتمبر (أيلول) في عام 2014، السادسة صباحًا في سجن رامون العسكري، في أقصى الجنوب الغربي من صحراء النقب بالقرب من الحدود المصرية، مضت أحداث يومي بشكل طبيعي في الصباح الباكر جدًا (بعد صلاة الفجر مباشرة)، حيث لم أكن قد استمعت إلى إذاعات الأخبار بعد. بحثت في سلة أغراضي الشخصية عن القلم والورقة اللتين دفع الأسرى من أجسادهم لحمًا ودمًا خلال الإضرابات المتتابعة لتصبح متوفرةً لنا كأسرى، وليحقّ لنا أن نكتب آلامنا وآمالنا!

في ذلك الصباح كانت أولى كلماتي التي أخطّها في دفتر مذكراتي الذي لم أستطع أن أنتظم على الكتابة اليومية فيه؛ كانت عن مروان القواسمي وعامر أبو عيشة! حيث أقض مضاجع الأسرى خبر استشهاد هذين البطلين بعد حصارٍ شديدٍ واشتباكٍ ضارٍ بين رجلين من خليل الرحمن، وبين جيشٍ تقف خلفه دول العالم المتحضّر!

ذاكرتي الآن لا تسعفني بتفاصيل ما كتبته حينها، وخصوصًا أن هذا الدفتر قد احتُجز لدى مصلحة السجون، حيث قاموا باقتحام غرفتي لاحقًا ومصادرة بعض أغراض الأسرى وكتاباتهم، ولكن أتذكر العنوان العريض والموضوع الذي كنت أكتب عنه مرافقًا كلماتي بدمعاتٍ من الحزن على ما سمعته آنفًا من الأخبار، كان الحديث عن رومانسية الحرب ونسائم الشهداء وترانيمهم!

المشهد (1)

يتقدم الصحابي الجليل عليّ بن أبي طالب قُبيل معركة الخندق ليبارز عمرو بن عبد ودّ، ويدور بينهم الحوار التالي:

علي بن أبي طالب: يا عمرو ، إنّك كنت تقول لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلاّ قبلتها. قال عمرو: أجل. فقال علي: فإنّي أدعوك أن تشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّدًا رسول الله، وتسلم لربّ العالمين. فقال: يا ابن أخي أخّر عنّي هذه. فقال له: أما أنّها خير لك لو أخذتها. واستمر الكلام حتى بدأت المبارزة الضارية، وأردى عليٌّ رضي الله عنه خصمه طريح الأرض مهزومًا.

تبدأ في هكذا مشهد رومانسيّةٌ يضفيها الآباء والأجداد لحديثهم مع الأحفاد عن عليٍّ رضي الله عنه وتبدأ الكلمات التي نسمعها تتردد في الأحداث الدامية حول الشهداء والثوّار، فنسمع رجل بجيش! والفدائي المغوار… إلخ.

بينما وفي ظل متابعة أحداث السيرة النبوية لن تجد مشهدًا – على الأقل على صعيدي الشخصي وأشخاص آخرين مثلي – يمكن أن يضمّ في جنباته رومانسيةً للحرب يمكن أن يحدّث بها مشركٌ ابنه أو حفيده، وليس الأمر متعلّقًا بعدد الهزائم والانتصارات؛ بل الأمر يرتكز على صاحب الحقّ الذي يجعل من فجائعه وبطولاته ترانيم للجيل.

المشهد (2)

تجهّز جنود إبراهيم بك ومراد بك التابِعَيْن للدولة العثمانية لمواجهة الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت في موقعة إمبابة. كان العثمانيون قد تجهّزوا لحربٍ على طراز العصور الوسطى رغم تفوقهم بالعدد على جنود بونابرت، ولكن نوعية الحرب التي استعدّ لها بونابرت وجيشه تحاكي الحروب المتطورة والحديثة في حينها، حيث المدافع والقذائف قد حسمت الحرب لصالحه، فقُتِلَ من جيشه 300 جندي من أصل 20 ألفًا، بينما من العثمانيين، كان العدد 6000 جندي من أصل 60 ألفًا.

بعيدًا عن حديث الفرقة وعدم التعاضد بين قادة الجنود الأمر الذي انعكس على الروح القتالية للجنود، ولكن سيكون محور حديثي هنا عن طبيعة الحرب، حيث ذهبت رومانسية الحرب المتعلقة بالصمود، ولم يبقى سوى رومانسية وترنيمة الإقدام على الموت الذي واجهه الجنود العثمانيون بكل بسالة. بعض الجنود كان ينتظر موته من قذائف بونابرت، والآخر آثر الإقدام والمحاولة للوصول إلى صفوف الفرنسيين.

في هكذا موقف، بدأت أدوات الحداثة بقتل رومانسية الحرب المعتادة والتي كان السيف يتخلل الحديث عنها، فكان فِعل الفرد فيها أكبر وأبلغ من الآن، حيث بإمكان جنديٍ واحدٍ على مدفعٍ أن يفتك بعشرات الجنود دون اتاحة الإمكانية للحديث عن صمودٍ أسطوريٍ سطّره ذلك المقهور، ولكن سنرى في المشهد القادم تواؤمًا مع الموجود لاستعادة المفقود.

المشهد (3)

محمد يمتشق سلاحه ويودّع صاحبة البيت شاكرًا لها حسن ضيافتها، ومعتذرًا بعينيه عن الأذى الذي سيلحقها ويحلّ ببيتها، كان هذا آخر ما فعله محمد الفقيه قبل أن يسطّر ملحمة الصمود التي عادت ترددها الأجيال، فقد صمد وارتقى بعد معركةٍ مشرّفة مع جنود الاحتلال الصهيوني المدججين بكل وسائل الحداثة الفتاكة، فحاولوا قتل رومانسية الصمود بمحاولات الهدم للمنزل والقذائف تجاهه، إلا أنّه تمسك بها وخطّها بدمٍ أحمر، يعيد ترنيمة رومانسية الصمود ويوسّع مساحة فِعل الفرد كما زمن السيف.

حين كتبت بعضًا من هذا في تلك الغرفة في تلك الصحراء، لم أكن أعلم أن الأقدار ستأخذ بيد الشهيد المثقف المشتبك باسل الأعرج ليكتب حول الموضوع باستفاضة وتعمّق، فقد زيّن كتاباته بالحديث عن ذلك. ذاك مما قرأته في كتاب (وجدت أجوبتي) الذي يجمع مقالات الشهيد باسل وأبحاثه، وبعض منشوراته على وسائل التواصل الإجتماعي، وكذلك مقالاتٍ كُتبت عنه. ولكن باسل لم يعلم أنّه أحيا رومانسيّةً من نوع خاص، رومانسية حربية في صمود المثقف والحامل
لهموم وطنه، رومانسية تُبرز دور القلم والتاريخ في إطار معركة متعددة الجوانب مع الاحتلال، فرحم الله باسل والشهداء، وأدام لنا رومانسية حربهم وترانيمهم للأجيال المقهورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد