عادة ما يستخدم مصطلح الدولة الفاشلة من قبل المعلقين السياسيين والصحافيين لوصف الدولة التي فشلت حكومتها في القيام بمسئولياتها، وذلك من خلال فقدان الدولة السيطرة الفعلية على أراضيها، وضعف السلطة الشرعية في البلاد، مع عدم القدرة على تقديم قدر معقول من الخدمات العامة، إضافة إلى عدم قدرة هذه الدولة على التفاعل مع الدول الأخرى كعضو فعال في المجتمع الدولي.

الدولة القوية في ضوء القانون الدولي الإنساني بإمكانها تحقيق التحرر من الخوف وبإمكانها حماية كرامة الفرد، أما الدولة الفاشلة فلا يمكنها الالتزام بنظريات العقد الاجتماعي التي تتأسس عليها أركانها، وذلك بسبب الفشل في جميع قطاعات الدولة ووظائفها، فالدولة الفاشلة تعجز عن الوفاء بركائز الأمن الخمسة: (السياسي، العسكري، الاقتصادي، البيئي والمجتمعي).

هذا ويرى كلفن هولستي في كتابه (الدولة الحرب ودولة الحرب) أن المشكلة المركزية في هذه الألفية لن تكون الحروب بين الدول، ولكن الحروب بين الشعوب في معظم دول العالم، وهي حروب نتيجة غياب المأسسة ونتيجة مباشرة للدولة الضعيفة، كما ويرى أستاذ الدراسات الأمنية في الدنمارك، البروفيسور باري بوزان، أن الدولة الضعيفة هي دولة فقدت قدرتها أمام مواطنيها، وعجزت عن خلق اتفاق سياسي واجتماعي داخل الحدود الوطنية، وهنا تتأسس وتظهر ثلاث مشكلات تتمثل في تأسيس غير كاف للشرعية، أي ضعف للشرعية، وعدم التمكن من السيطرة ومراقبة الإقليم والموارد، والتي ينتج عنها عدم الرضا من المواطنين، وأخيرًا البنى المؤسساتية الضعيفة في الدولة.

كما تتمثل مستويات الفشل على المستوى الإقليمي من ضعف كيان الدولة إجمالًا، حيث تبرز مشاكل تتجاوز الأقطار مثل حركة اللاجئين من الحروب الأهلية، والنزعات في المناطق الحدودية والتفاعلات الأمنية بعيدة المدى بين الدول على المستوى العالمي، وقد حتم كل ذلك إعادة النظر في مقولات الأمن ومفاهيم الإرهاب، خصوصًا بعد أحداث سبتمبر (أيلول)، وبروز التنظيمات الراديكالية المسلحة كالقاعدة وأخواتها.

ولقد برز مصطلح الدولة الضعيفة بعد نهاية الحرب الباردة، حيث عرفها الباحثون بأنها دولة عاجزة عن اختراق مجتمعها، والمجتمع هنا عبارة عن فسيفساء من مجموعات أثنية تناضل ضد الدولة، كما أصبحت الدولة عاجزة تمامًا عن تحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها وأيضًا كعضو في الجماعة الدولية، وذلك كله استدعى تدخل قوات أممية لحفظ السلام في دول مثل كمبوديا، وأنجولا، والسلفادور، وزامبيا، وهايتي، ويوغسلافيا، والصومال، وغيرها، فالدولة الفاشلة هنا كمفهوم تعززت أكثر مع صعود نجم الحروب غير التماثلية أو حروب الجيل الرابع.

أما أبعاد مفهوم الدولة الفاشلة فيظهر من خلال منظورات مختلفة، فنرى مثلًا أن قاموس (بنغوين) للعلاقات الدولية يعرّف الدول الفاشلة بأنها دول حدث فيها انهيار للقانون والنظام والخدمات الأساسية، وهي تقترن بصراع طائفي مرير، وقومية إثنية عنيفة وروح عسكرية، أما وكالة العمل الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة فتعرّف الدول الفاشلة بأنها دول غير راغبة وعاجزة على الالتزام بمسؤوليات السيطرة السيادية؛ مما يؤدي إلى اضطراب سياسي يهدد الاستقرار الداخلي والإقليمي.

كما أن أهم خصائص الدولة الفاشلة يتمثل في وجود حالة من العنف والمشاكل ذات النشأة الداخلية، مع الانهيار الداخلي للنظام والقانون، وذلك بسبب توقف بنى السلطة وغياب المؤسسات القادرة على تمثيل الدولة على المستوى الدولي، والتي تملك سلطة التفاوض مع العالم الخارجي، وهو ما يؤدي إلى سحب الاعتراف الدولي بهذه الدولة بشكل صريح، والذي يتبعه توقف للعلاقات الدبلوماسية مع الجماعة الدولية.

المؤشرات السياسية للدولة الفاشلة

الفعالية السياسية للدولة تقيس مدى استقرار وقوة النظام والحكومة في البلاد، أما بالنسبة لعدم الاستقرار فيؤخذ بعين الاعتبار عدد الانقلابات العسكرية (المحاولات الناجحة والفاشلة)، وعدد الاستقالات الإجبارية واغتيالات صناع القرار، في حين أن الشرعية السياسية تتحدد بعامل المشاركة السياسية في الحكم، وهذا يعتمد على السكان والمواطنين إجمالًا، وذلك من خلال التمييز العرقي السياسي، وسياسة التفريق بين الجماعات، والخصائص السياسية للانتماء العرقي والتعدد الاثني الفئوي.

المؤشرات السياسية تدرس فقدان شرعية الدولة (إجرام الدولة)، وذلك من خلال فساد النخبة الحاكمة، وغياب الشفافية والمحاسبة السياسية، وضعف الثقة في المؤسسات وفي العملية السياسية، وهو ما ينتج عنه مقاطعة الانتخابات وانتشار التظاهرات والعصيان المدني، والتدهور الحاد في تقديم الخدمات العامة، بحيث لا تؤدي الدولة وظائفها الجوهرية مثل حماية الناس، والصحة والتعليم والتوظيف، وذلك لأن تمركز الموارد بالدولة يكون في مؤسسات الرئاسة وقوات الأمن والبنك المركزي والعمل الدبلوماسي، إضافة إلى الحرمان من التطبيق العادل لحكم القانون وانتشار انتهاكات حقوق الإنسان، وذلك من خلال الحكم العسكري، وقوانين الطوارئ، والاعتقال السياسي والعنف المدني، وغياب القانون، وتقييد الصحافة وخوف الناس من السياسة.

كما أن تشتت الأمن قد يخلق دولة داخل الدولة، وذلك من خلال ظهور نخبة عسكرية داخل الجيش أو الأمن وهيمنتها على السلطة، وظهور النزاعات المسلحة، وظهور قوة مسلحة توازي الأمن النظامي للدولة، وتنامي الانشقاقات داخل النخب بالدولة من خلال الانقسام بين النخب الحاكمة ومؤسسات الدولة، واستخدام النخبة الحاكمة لنغمة سياسية قومية تذكر بتجارب وحدوية قومية أو تطهير عرقي وإثني، وتدخل دول أخرى أو فاعلين سياسيين خارجيين مثل التدخل العسكري أو شبه العسكري داخليًا في الدولة، أو جيشها، أو جماعات فرعية بها، وتدخل قوات حفظ السلام والقوات الدولية وغيرها.

المؤشرات الاقتصادية للدولة الفاشلة

الفعالية الاقتصادية للدولة تقاس بالرجوع إلى نصيب الفرد من الدخل القومي وقيمة الناتج الخام المحلي الإجمالي، أما الشرعية الاقتصادية فتركز على الانتعاش الاقتصادي للدولة، وقياس الميزان التجاري في السلع المصنعة والنسب المئوية للمواد الأولية المصدرة، في حين أن الوضع الاقتصادي للدولة يركز على الإنتاج الكلي والاستهلاك العام للنفط (الطاقة)، وذلك بحسب درجة الاستهلاك أو الإنتاج.

المؤشرات الاقتصادية تدرس غياب التنمية الاقتصادية لدى الجماعات المتباينة، وذلك مثل عدم المساواة في التعليم والوظائف والدخل، ومستويات الفقر، وتزايد النزعات الإثنية لهذه الأسباب وغيرها، كما أن الانحطاط الاقتصادي الحاد يعتمد على الدخل القومي، وسعر الصرف، والميزان التجاري، ومعدلات الاستثمار، وتقييم العملة الوطنية، ومعدل النمو، والتوزيع، والشفافية والفساد، والتزامات الدولة المالية وغيرها.

المؤشرات الاجتماعية للدولة الفاشلة

المؤشرات المجتمعية للدولة ترتبط بثلاث عناصر هي: (الفعالية المجتمعية، الشرعية المجتمعية والأوضاع الاجتماعية)، حيث تشير الفعالية المجتمعية إلى تطور رأس المال البشري استنادًا إلى مؤشرات التنمية البشرية، أما الشرعية المجتمعية فتقاس بدرجة العناية بالعنصر البشري من حيث قياس نسب وفيات الأطفال والنفقات الخاصة بالتعليم والصحة، في حين الأوضاع الاجتماعية يتم فيها التركيز على الدول التي لها تأثير سلبي على الدول المجاورة لها أو البعيدة عنها.

المؤشرات الاجتماعية تتصاعد مع الضغوط الديمغرافية مثل زيادة السكان، وسوء توزيعهم، والتوزيع العمري، والنزاعات المجتمعية الداخلية وغيرها، كما أن الحركة السلبية والعشوائية للاجئين أو الحركة غير النظامية للأفراد تخلق معها حالة طوارئ معقدة، ينتج عنها الأمراض، ونقص الغذاء والمياه الصالحة، والتنافس على الأرض ومشكلات أمنية للدول، إضافة إلى أن الميراث العدائي الشديد داخل الدول يجعل الجماعات المظلومة تنتظر الثأر دائمًا، وذلك نتيجة عدم العدالة، والاستثناء السياسي والمؤسسي، وسيطرة أقلية على الأغلبية، وأخيرًا والمهم أيضًا هو الفرار الدائم والعشوائي للناس، والذي يتمثل في هجرة العقول، وهجرة الطبقات المنتجة من الدولة، وحتى الاغتراب داخل المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد