من السهل تتبع أصول النظرية الرأسمالية في التاريخ، فعلى أي حال لن تذهب بنا إلى أبعد من أوائل القرن السادس عشر. فمصطلح الرأسمالية يستخدم للإشارة إلى نظام اقتصادي استمر في هيمنته على العالم الغربي منذ انهيار النظام الإقطاعي.

وكل نظام يدعى رأسماليًّا يضع منزلة أساسية للعلاقات ما بين المالك الخاص لوسائل الإنتاج غير البشرية (كالأرض والمناجم [والمصانع] وغيرها مما يطلق عليه بشكل شائع: رأس المال)، وبين العامل الحر، ولكنه ذو حصة أقل في رأس المال، حيث يبيع خدماته الوظيفية لرب العمل… وما ينتج عن المساومة من أجر هو الذي يحدد النسبة التي يتم على أساسها تقاسم الناتج الإجمالي للمجتمع بين طبقة العمال، وطبقة المستثمرين الرياديين. [1]

عرّف مختصو الاقتصاد السياسي، بمن فيهم مناصرو الرأسمالية، هذا الاختصاص بأنه: دراسة عمليات إدارة أو توجيه أو تنظيم أو التحكم في «المجتمع» أو في «موارد» الأمة. ولكنهم لم يعرّفوا طبيعة هذه الموارد، حيث اعتبروا ملكيتها العامة أمرًا محسومًا، وكان الهدف المفترض من هذا الاختصاص هو دراسة كيفية استغلال هذه «الموارد» من أجل «الصالح العام». [2]

ينبغي التذكير بأن مؤسسة الملكية الخاصة، بالمعنى القانوني الكامل للمصطلح، ظهرت إلى الوجود بفضل الرأسمالية وحدها؛ ففي العصور التي سبقت ظهور الرأسمالية كانت الملكية الخاصة موجودة باعتبارها أمرًا يفرضه الواقع لا القانون، أي بفعل العرف والفرض، وليس الحق أو التشريعات. [2]

وإذا ما ارتأينا الوصول إلى الجذور الفكرية التي انبثقت منها النظرية الرأسمالية، فعلينا أن نعد أنفسنا لرحلة طويلة في تاريخ المجتمع البشري ومراحل تطوره، خاصة أن ما ترتكز إليه النظرية الرأسمالية يرجع إلى فترات سبقت إلى حد كبير النظام النقدي كما نعهده اليوم.

تقوم الرأسمالية من ناحيتها النظرية والعملية على ثلاثة أركان رئيسية، هي: الملكية الخاصة، تراكم رأس المال، والأسواق التنافسية التي لم تنشأ إلا على مدى كثير من العقود. يعني ذلك أننا إذا أردنا مناقشة جذور الرأسمالية، علينا أن نتحقق من تاريخ تلك الأسس التي قامت عليها النظرية الرأسمالية، وتطورت في ربوعها من ناحيتها الاقتصادية.

بين المجتمع البدائي الذي يقوم على اقتصاد طبيعي، وبين المجتمع الرأسمالي، تمتد فترة طويلة من تاريخ الإنسانية تشمل كل الحضارات البشرية التي توقفت عند عتبة الرأسمالية.

وفي مجتمع يقوم على الإنتاج السلعي الصغير، يجري نوعان من العمليات الاقتصادية؛ أولًا، البيع من أجل الشراء (سلعة – مال – سلعة: “س-م-س”)؛ وثانيًا، الشراء من أجل البيع، وهذه العملية هي التي يعتبر صاحبها مالكًا للمال؛ فالمال (النقد) لا يمكن بيعه، ولكن يمكن استخدامه في الشراء، وهذا ما يقوم به هذا الشخص، يقدم إلى الشراء لكي يعيد بيع السلعة: “م- س- م”.[5]

إن ثمة فرقًا جوهريًّا بين العمليتين الأولى والثانية، إذ إن العملية الثانية لا معنى لها إذا لم ينتج عن البيع فائض في القيمة، ولهذا نفترض أن “م” في نهاية العملية أكبر من “م” في بداية العملية بحكم التعريف، على اعتبار أن “م” في نهاية العملية هي فائض القيمة، أي مقدار تزايد قيمة المال المملوك لصاحبه.[5]

نستطيع أن نعرِّف رأس المال بأنه قيمة تتزايد بفائض القيمة عبر تداول السلع، ولا يقتصر وجود رأس المال على المجتمع الرأسمالي وحسب، بل إنه موجود في المجتمع القائم على الإنتاج السلعي الصغير الذي سبق ظهور المجتمع الرأسمالي، وبالتالي ينبغي أن نفرق بشكل واضح بين وجود رأس المال ووجود نمط الإنتاج الرأسمالي؛ فرأس المال يتواجد على الأرجح منذ ما يقرب من ثلاثة آلاف عام، بينما لا يتجاوز عمر نمط الإنتاج الرأسمالي المائتي عام. [5]

لن يحتدم خلاف بين طرفين على أن الهدف الخالص للرأسمالية نظرية وتطبيقًا، هو الربح الذي يأتي عادة في المقام الأول، وتلتزم النظرية بتحقيقه بشكل رئيسي على المستوى الفردي بصفة خاصة. تعترف الرأسمالية بحرية الإنسان الفرد في أن يتعاون مع الآخرين أو أن لا يتعاون، وأن يتعامل معهم أو أن لا يتعامل، مقتصرًا فقط على ما تمليه تقييماته ومعتقداته ومصالحه الفردية الخاصة، اعتقادًا بأن تحقيق المصلحة الفردية الخاصة سوف تؤدي تدريجيًّا إلى رخاء جماعي.

ولكن، من أكثر من ناحية، هناك ما يشوب هذا الاستدلال من ناحيته الفكرية والعملية أكثر مما يشوبه من ناحيته المنطقية التي تستند إليها النظرية الرأسمالية في إقرارها الحرية الفردية للإنسان.

في الواقع، يمكننا أن ندحض مثل هذا الافتراض إذا ما أعدنا طرح جون ناش في نقد نظرية آدم سميث التي ركزت على المصلحة الذاتية المستنيرة بصفة رئيسية، رأى جون ناش أن السعي وراء المصلحة الذاتية بصفة رئيسية قد يتسبب في إحداث التنافر والعداء بين المتنافسين، ما يقود في نهاية الأمر إلى خسارة جماعية، وهي العكس تمامًا مما تطمح إليه النظرية الرأسمالية.

وكيفما كانت دراستنا للرأسمالية، لا مفر من المرور بمراحل تطورها الثلاث (التجارية والصناعية والمالية) بكافة مشتقاتها، والتي تقبع برمتها داخل إطار النظام النقدي. في هذه الحال لا يمكن للرأسمالية من الناحية العملية على الأقل، أن تنفذ إلى خارج إطار النظام النقدي، فمن المستحيل تقريبًا أن تُقحم النظرية الرأسمالية أو أي من مشتقاتها عند الافتقاد إلى الشق المالي والغاية الباحثة عن الربح.

يمكننا أن نفرض، ولو بشكل مجازي، أن النظرية الرأسمالية تسعى من أجل ضمان بقاء التداول النقدي بين الأشخاص، والحؤول دون انتزاع القيمة عن النقود تفاديًا لما قد يحدث مثلما حدث في وقت الكساد الكبير، حين كان الناس يحرقون النقود لأنها صارت أرخص ثمنًا من الخشب اللازم للتدفئة المنزلية؛ ومن خلال هذا الطريق أو لأجله من ناحية عكسية، يغدو لا مفر من أن يتحقق التراكم الرأسمالي باعتباره الشق الرئيس في العملية الرأسمالية.

بحلول القرن السابع عشر، تحديدًا في عام 1600، تم تأسيس شركة الهند الشرقية الإنجليزية، وفي عام 1621 تم تأسيس شركة الهند الغربية التي أخذت تباشر أعمالها في القارة الأمريكية. في تلك المرحلة بدأ التراكم الأوليّ للرأسمال بالاعتماد على أعمال السلب والنهب المنظمة والمنتظمة والتي تشمل، من ضمن ما تشمل، فرض العمل العبودي والسخرة وانتزاع الأراضي من أصحابها، واقتطاع الجزية ونشر الإتاوات. [3]

تلى تلك المرحلة عهد الرأسمالية التجارية التي طفقت تحل محل الإقطاعية شيئًا فشيئًا أوائل القرن السادس عشر، وقد استغرق انتقال المجتمعات من النظم الإقطاعية التي ازدهرت في الفترة ما بين القرن التاسع والقرن الخامس عشر، إلى نماذج مبكرة من النظام الرأسمالي، فترات متفاوتة بحسب بلد وآخر. على سبيل المثال، كانت مدن شمال إيطاليا أول المدن المتحضرة في أوروبا منذ القرن الثاني عشر، فيما خضعت الملكية العقارية الخاصة بطبقة النبلاء إلى السلطة السياسية للمدينة، ومن ثم شرعت الجمهورياتية في النشوء جنبًا إلى جنب مع بزوغ الاعتقاد في الحرية المدنية.[4]

إن التعديل الأكثر إفادة لمسألة تجنيس الرأسمالية والسؤال المتطلع إلى مقترحات جذور الرأسمالية هو الإدراك بأن الرأسمالية، بكافة دوافعها الخاصة بالتراكم وتعظيم الربح، لم تنشأ في المدينة ولكن نشأت في الريف، في مكان محدد تقريبًا، وفي مرحلة متأخرة من التاريخ الإنساني.[6]

على مدى آلاف السنوات، اعتاد الناس توفير احتياجاتهم المادية عن طريق (الفلاحة) العمل في الأرض. وبقدر ما تشاطروا العمل الزراعي، تم تقسيمهم إلى طبقتين؛ بين هؤلاء الذين عملوا في الأرض، وبين أولئك الذين استولوا على عملهم.

في وقت مبكر من فرنسا الحديثة، حيث كان الملاك القرويون ومغتصبو الأراضي يهيمنون على الإنتاج، اتخذ الاستيلاء على العمل والأرض الشكل الكلاسيكي للملكية المُسيَّسة التي سبقت ظهور الرأسمالية، وفي النهاية لم يؤدِّ إلى طرح الرأسمالية، بل إلى حكم الضريبة/ الديوان الدكتاتوري. [6] من هنا، تبارت نماذج التسخير الاقتصادي المركزية مع ذلك الشكل المُسيَّس للملكية الخاصة، وحلت على نحو متسارع محل الصور القديمة للإقطاعية، وأصبح الديوان المورد الرائد في استخلاص الربح المباشر من الكادحين، في صورة الضريبة؛ ومن ثم الدولة، التي صارت مصدرًا عظيمًا للثروات الفردية، متقاسمة ومنخرطة مع مغتصبي الأراضي من قدامى النبلاء والبورجوازيين الجدد الذين كانوا يشغلون الدواوين. [6]

في القرن السادس عشر، في عصر جديد من بحارة المحيط، كان نظام جديد قيد الحاجة. فالتجار الذين كانوا يرهنون ثرواتهم ما انفك أن تملكهم العوز إلى درجة خاصة من الدعم، فكانت النتيجة هي الشركات الممنوحة من التاج الملكي، بغرض إقامة التبادل التجاري مع منطقة ما لعدد معين من السنوات.

عقدت تلك الالتزامات مبالغ كبرى من الأموال على مدى فترات زمنية طويلة قبل أن يمكن لأي ربح أن يُلاحظ، تمثلت في تكلفة السفن، ونفقات الطواقم البحرية أثناء الرحلة التي تدوم لأشهر، وأحيانًا تستمر لسنوات. والنظام الناتج كان شركات المساهمة، ولاحقًا من المشروعات التي أقيمت على أسس مماثلة مثل شركة الهند الشرقية[7] (1600)، وشركة هدسون باي) [7]1670)، وشركة البحر الجنوبي[7] (1711). وحتى بنك إنجلترا عندما تأسس في 1694، كان مُؤسسًا على بنود شركات المساهمة، والتجار الذين موَّلوا قرض الحكومة الأوليّ من البنك، نالوا حصة من الأوراق المالية في الشركة الجديدة.

ابتدأت من ثم مرحلة جديدة طبيعية من التجار المتخصصين، ساروا فيها نحو إعادة ترتيب التعاملات بين المستهلك والمنتج، وشغل حلقة الوصل بينهما، ورويدًا رويدًا بدأوا في السيطرة على الأخير، أولًا عن طريق وضع الأوامر والدفع المُقدَّم، وثانيًا بتوفير المواد الخام وتحمل أجر العمل لإنتاج السلع تامة الصنع.

إن مبدأ العمل المأجور قد أشعل مرحلة حاسمة في تطور الرأسمالية، كان مطلعها بمثابة المسمار الأخير في نعش تحوُّل التجار المتخصصين (أي جني الربح جرَّاء التبادل التجاري)، إلى طبقة جديدة من الرأسماليين البدائيين[8]، أطبقوا بقوتهم على طبقة أخرى، العمال المأجورين، وانتزعوا الثروة من ملكيتها واستطاعوا مع الوقت أن يتحكموا في وسائل الإنتاج.

استلزمت القدرة على ممارسة مزيد من الضغط على المنتجين من قبل الرأسماليين الجدد بغرض إنتاج المزيد في مقابل تكلفة أقل، حتى تتسنى لهم المحافظة على أسعار التبادل التجاري وتحقيق الزيادة في الأرباح. وقد وجهوا نظرهم ناحية الدولة من أجل ضمان فرض الضغوط على العمال المأجورين، الذين كانوا للمرة الأولى يبيعون كدحهم قسريًّا، في خضم بيئة من العمل متعالية التنافس[9].

تم تمرير القوانين لتضع الحد الأقصى للأجور التي يمكن للفلاحين أن يحصلوا عليها، وهدفت تلك التشريعات القاسية إلى نقل المعدمين إلى طبقة منضبطة وموالية من العمال المأجورين الذين سيهبون من دون شك قوة كدحهم للرأسمالية الجديدة. وضيقت الدولة الخناق على الشحاذين أيضًا، الذين تورَّمت صفوفهم بالفلاحين المعدمين وأصحاب الحرف المفلسين، وكان المشردين الأصحاء يجلدون أو يتم وسمهم بالحديد الملتهب، بينما كان المشردين المستدمين والضعفاء عرضة لمواجهة الإعدام[9].

لا ينبغي التقليل من مشكلة خلق قوة عاملة تتمتع بالانضباط والصرامة، بيد أنه من منظورنا الصناعي الحديث يظهر إقرار روتين الذهاب إلى العمل يوميًّا كقاعدة للسلوك، فمن منظور فلاحي القرنين السادس عشر والسابع عشر، كان هذا الروتين دخيلًا وكريهًا[9].

مقتطف من بحث (الرأسمالية، نظرية نبوئية)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الرأسمالية

المصادر

(1) الموسوعة البريطانية، تحت عنوان الرأسمالية
(2) أين راند، الرأسمالية؛ المثال المجهول، الفصل الأول، نيويورك 1966
(3) محمد عادل زكي، موجز تاريخ الرأسمالية، الحوار المتمدن، العدد 3465
(4) Skinner Quentin, the Foundations of Modern Political Thought, vol. I: The Renaissance, Cambridge University Press, 1978
(5) إرنست ماندل، محاضرات في الاقتصاد السياسي الماركسي، المحاضرة الثانية، الرأسمال في المجتمع السابق للرأسمالية، اتحاد باريس للحزب الاشتراكي الموحد، 1936
(6) Ellen Meiksins Wood, The Origin of Capitalism, a longer view, Chapter 5: The Agrarian Origin of Capitalism
(7) Eastern India Co., Hudson’s Bay Co., South Sea Co.
(8) Primitive capitalists
(9) SelfEd Collective, 24 unit correspondence course, 2001, Block 1, Unit 1: Introduction - The origins of Capitalism
عرض التعليقات
تحميل المزيد