في العديد من بقاع العالم وعلى مر العصور والأزمان، قامت دول كثيرة منها ما كانت دولًا ناجحةً بكل معنى الكلمة، ومنها ما كانت فاشلةً بكل معنى الكلمة؛ ففي أي مرحلة تاريخية نرى أن هنالك مزيجًا من الدول الناجحة، والدول الفاشلة، ونرى كيف أن الناجحة منها تمخر عباب التاريخ، وتنتعش وتلك الفاشلة تنكمش، وتتلاشى لتذوب وتنصهر في خضم سعي الأولى لاستدامة نجاحاتها؛ أما لو نظرنا عموديًا في تاريخ بلدٍ ما؛ لرأينا أن ذلك البلد قد مر بإحدى حالتي الدولة الناجحة أوالفاشلة، مرةً واحدةً على الأقل خلال مسيرته في التاريخ.

فالسؤال هنا يتبادر إلى الذهن وبإصرار حول أسباب النجاح أو الفشل. فالتباين بالنجاح والفشل بين البلدان هو ذاته التباين نفسه، الحاصل في بلد واحد عبر دولته الحاكمة على مر التاريخ.

ولنفهم السبب يجب علينا أولًا أن نفهم الفرق بالمعنى بين البلد والدولة والحكومة؛ فمصطلح (بلد) يشير إلى مساحة محددة من الأرض تمثلها وحدة سياسية مستقلة، لها حكومتها ويسكنها شعب؛ أما مصطلح (الدولة) فيشير إلى الهيئة أو الشكل السياسي للبلد ممثلًا بنخبة من أفراد الشعب؛ مهمتها تتلخص في الحفاظ على التماسك المجتمعي وإنتاجية المجتمع، وتنمية ثرواته، وحماية مقدراته والمحافظة على حياته ومصالحه العامة من خلال مجموعة من المؤسسات، يُشار إليها بمصطلح (الحكومة).

ومن هنا يمكن تشخيص التداخل في معاني المصطلحات الثلاثة، وأثر هذا التداخل على نوعية العلاقات الرابطة بين مكوناتها، والتي يمكن تلخيصها بعنصرين أساسيين؛ ألا وهما النخبة السياسية الحاكمة وعامة الشعب، وقد عكف الفلاسفة والباحثون منذ قديم الزمان على دراسة العلاقة بين هذين العنصرين حتى خلصوا إلى أن العلاقة الرابطة بين هذين العنصرين تحكمها مجموعة من الثوابت والمتغيرات التي تحافظ على التوازن؛ الذي يديم بقاء الدولة واستمرارها؛ وهذا مايُطلق عليه (العقد الاجتماعي).

فمن جهة يُعَرَّف العقد الاجتماعي على أنه مجموعة من القواعد، والنظم الاجتماعية المتفق عليها بشكل علني كالقوانين، أو بشكل ضمني كالأخلاقيات السلوكية المقبولة اجتماعيًّا، والتي تحدد الأطر الأخلاقية وقواعد السلوك المقبول لدى الانسان العاقل، والحاكمة للتصرفات البشرية بشكل جماعي. ومن جهة أخرى، يُعَرَّف العقد الاجتماعي على أنه اتفاقية افتراضية بين الحاكم والمحكوم؛ توضح من خلالها حقوق وواجبات الطرفين، وقد ذهب المنظرون في هذا الشأن بمنحيين؛ أحدهما يفسر العقد الاجتماعي بما يبرر تسلط الدولة على الشعب؛ بينما يفسر ثانيهما العقد الاجتماعي بما يحمي الفرد من ظلم السلطة.

فقدرة الدولة على حماية مصالح البلاد داخليًّا وخارجيًّا؛ هي أبرز متطلبات العقد الاجتماعي؛ والتي تمكنها من كسب ثقة الشعب، وبالتالي نيل ولائه؛ غير أن هذا الولاء يبقى مشروطًا باستمرارية قدرة الدولة على حماية مصالح البلاد داخليًّا وخارجيًّا، وبناءً على هذا المفهوم، فقد أظهرت الدراسات العلمية لنظرية العقد الاجتماعي ثلاثة أبعاد تفسر آلية عمل العقد الاجتماعي.

يذهب البعد الأول إلى أن الطبيعة البشرية مجبولة على الخوف، والانانية، وترغب تلقائيًّا بالنظام وتحقيق الأمان، وتجنب البؤس والألم. ولهذا يرضى الإنسان بتقديم فروض الطاعة والولاء لمن يحقق له غاياته بالأمن والأمان؛ سواءً أكان شخصًا اعتياديًّا أم شخصًا اعتباريًّا؛ لذا لابد لمن ينوء بهذه المسئولية أن يمتلك القوة والسلطة الكافية؛ لتحقيق تلك الغايات، وهنا يقول هوبز «إن السلطة بلا قوة لا تعدو عن كونها حبرًا على ورق، ولن تتمكن من تحقيق الأمن والأمان لأي إنسان»؛ وخلاصة القول هنا أن الإنسان مستعد لأن يضع كل حقوقه وحرياته رهن أمر صاحب السلطة مقابل تحقيق الأمن والأمان وحفظ حياته.

ويذهب البعد الثاني باتجاه آخر؛ إذ يقول إن الطبيعة البشرية محكومة بمجموعة من الأخلاقيات التي ترى جميع الناس سواسيةً في الحقوق، ولهم الحق بالتمتع بالحرية والاستقلال الذاتي، مما يعطي الحق للجميع بالسعي وراء مصالحهم دون تدخل الآخرين؛ إذ تعمل محددات قوانين الطبيعة على استدامة السلام بين البشر، ونتيجةً لسعي الانسان وراء مصالحه؛ فسوف يحقق مجموعةً من المكاسب المادية التي تحتاج إلى حماية؛ فالإنسان بهذه الحالة قد وضع حقه بحفظ واستدامة النظام رهن أمر صاحب السلطة؛ والمتمثل بالحكومة التي تسن القوانين وتنفذها وتعاقب على خرقها.

أما البعد الثالث فيذهب نحو تفسير العقد الاجتماعي على أنه منتجٌ أفرزته الإرادة العامة للمجتمع بسبب رغبته في بناء نظام يدير شئونه بشكلٍ يضمن حقوق أفراد المجتمع وحرياتهم، وتحقيق المساواة بينهم، وهذا لا يتم إلا من خلال الإرادة الجمعية لأغلبية الشعب؛ فالقرار للأغلبية وإرادتهم واجبة الطاعة، وعلى صاحب السلطة أن يعمل على ضمان الحريات العامة وحقوق الشعب، وتحقيق المساواة بين أفراده.

وبناءً على ذلك فإن أي مجتمع بشري يتمتع بمجموعة من الحقوق والحريات؛ التي تمنحها له الحياة، وتمكنه من تحقيق مجموعة من المكاسب التي تحتاج إلى الاستدامة والحماية، وهذا ما يحفز المجتمع على أن يفرز من داخله نخبةً من أفراده؛ ليخولهم السلطة، وحق سن القوانين، وإنفاذها لضمان أمن المجتمع وحماية مكتسباته.

وتكمن أهمية العقد الاجتماعي في كونه يعمل على ترسيخ هوية المجتمع وتحديد الخطوط العريضة لمسيرة الدولة؛ فجميع أفراد المجتمع يتفقون ضمنًا بالإلتزام بمجموعة من القواعد الاجتماعية والمباديء الجوهرية، والتي من خلالها يتفق المجتمع ضمنيًا على شرعية نظام ما، من عدمها؛ وبالتالي منح ذلك النظام ولاءهم أم لا؛ فولاء الشعب، جماعات وأفراد، هو ما تبحث عنه الدولة وتسعى إلى كسبه والمحافظة عليه من أجل بقائها واستمرارها؛ وبالتالي فإن الشعب يمنح الدولة ولاءه فقط إن تمكنت الدولة من إقناع الشعب، وكسب ثقته بشأن قدرتها على حماية المصالح الوطنية العليا دوليًّا، وتحقيق الرفاهية الاجتماعية وطنيًّا.

لذا فإن العقد الاجتماعي بجوهره هو عبارة عن مجموعة من الحقوق والواجبات والالتزامات؛ التي يتوقعها كل طرف من الطرف الآخر، وعندما يخل أي طرف بالتزاماته، وواجباته؛ يصبح العقد الاجتماعي في دائرة خطر الانهيار. وإن انهار العقد الاجتماعي؛ فإن تداعياته ستكون مدمرة على الدولة والمجتمع وبالتالي ستشهد الدولة فشلًا يهدد أمنها وبقاءها واستمرارها.

فلو تقصينا الأسباب الجذرية لانهيار أيٍّّ من النظم الحاكمة على مر التاريخ؛ لوجدنا أن أحد أهم أسباب الفشل كان يعود إلى خلل في موازين العقد الاجتماعي، وهذا الخلل كان نتاجًا لإساءة تفسير العقد الاجتماعي بأبعاده الثلاثة المذكورة آنفًا، فغالبًا ما تبدأ الدول الديكتاتورية بالتطور مع تبنيها مفاهيم البعد الأول؛ إذ ترى نفسها الطرف القادر المقتدر الأوحد على حماية مصالح الطرف الثاني –الشعب– حتى وإن تطلب الأمر اللجوء للقوة لإرغام الطرف الثاني على قبول مقررات الطرف الأول؛ فالطرف الثاني يعد قاصرًا لا يعي مصلحته وعاجزًا عن تحقيقها بدونه.

أما الدول الديمقراطية الناشئة فغالبًا ما تبدأ بالتطور من خلال تبنيها مفاهيم البعد الثاني؛ إذ ترى أن الطرف الثاني –الشعب– يبقى بحاجة لها لتأمين الحماية اللازمة لمكتسباته؛ وبالتالي تتحول الدولة إلى مجموعة مؤسسات تغذي كل ما يحقق المكاسب بغض النظر عن مفاهيم العدالة والمساواة، مع بقاء مفاهيمها ميالة نحو البعد الأول؛ وخاصة عند الأزمات. فتراها لا تتوانى عن اللجوء إلى القوة إنْ تطلب ذلك بقاؤها واستمرارها.

أما الديموقراطيات المتقدمة فتراها غالبًا ما تتبنى مفاهيم البعد الثالث، وتنظر إلى الطرف الثاني-الشعب– على أنه جزء لا يتجزأ من عملية صنع القرار السياسي داخليًّا وخارجيًّا من أجل تحقيق المصالح العليا بجهد جمعي، مع ضمان تحقيق أكبر قدر من الحريات العامة والمساواة بين أفراد الشعب؛ فهذا النوع من الدول لا يتهاون في العمل على رعاية واستدامة الحقوق العامة للشعب، ولايتوانى عن حماية الحقوق الخاصة؛ سواءً أكانت على المستوى الداخلي أم على المستوى الخارجي. تلك الحقوق التي تمثل إكسير الحياة لاستدامة العقد الاجتماعي بين الدولة والشعب.

فعلى المستوى الخارجي يتوقع الشعب أن تقوم الدولة بحماية مصالحه العليا؛ والمتمثلة بحدود بلده الجغرافية وهويته وسيادته واستقلال قراره السياسي عبر سياسة خارجية متزنة تضمن السلام والاستقرار للبلد وشعبه وتساهم في تعزيز تحقيق مصالح الشعب على المستوى الداخلي؛ فالحد الأنى من تطلعات الشعوب يتلخص بحصولها على حقوقها الأساسية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ مثل الحق في العمل في ظروف عادلة ومرضية، والحق في الحماية الاجتماعية، ومستوى معيشي لائق، والحق في أعلى مستوى يمكن بلوغه من الرفاهية الجسدية والعقلية؛ والحق في التعليم والتمتع بفوائد الحرية الثقافية والتقدم العلمي.

وكذلك يتضمن الحد الادنى من تطلعات الشعوب حصولها على حقوقها المدنية والسياسية المتضمنة حرية التنقل، والمساواة أمام القانون، والحق في محاكمة عادلة وافتراض البراءة، كذلك حرية الفكر والوجدان والدين، وحرية الرأي والتعبير، والتجمع السلمي، وحرية المشاركة، والمشاركة في الشئون العامة والانتخابات، وحماية حقوق الأقليات، ويحظر الحرمان التعسفي من الحياة، والتعذيب والمعاملة القاسية أو غير الإنسانية أو المهينة، والعبودية والسخرة، والاعتقال التعسفي أو الاحتجاز، والتدخل التعسفي في الحياة الخاصة، والدعاية الحربية،  والتمييز، والدعوة إلى الكراهية العنصرية أو الدينية.[9]

وإن فشلت الدولة بضمان تلك الحقوق لشعبها؛ فعندها يبدأ صراع مفاهيمي يؤدي إلى إعادة النظر ببنود العقد الاجتماعي؛ مما يهيئ لمرحلة انهياره، ولا يأتي انهيار العقد الاجتماعي بشكل مفاجيء أو مباغت؛ وإنما هنالك مؤشرات تبدأ بالظهور، من خلال توتر العلاقة بين الشعب والدولة، وظهور مجموعة من التيارات الشعبية المختلفة فكريًّٕا، والمتأرجحة بين مناوئ ومناصر ومبرِّر. ومالم تتنبه الدولة إلى تلك المؤشرات، وتبذل جهدها في سبيل تخفيف ذلك التوتر، فسوف يدخل العقد الاجتماعي مرحلة الانهيار.

وعندما تبدأ مؤشرات التوتر بالظهور؛ فيكون حينها الوقت متأخرًا، وقد بلغ السيل الزبى؛ إذ تبدأ سلسلة أخطاء الحكم بالتزايد والاتساع ككرة ثلج تتدحرج على منحدر، قد ينتهي بالدولة إلى اللجوء إلى استعمال القوة المفرطة ضد شعبها وإراقة دمائه، مما يجعل العودة إلى الوراء بحكم المستحيل، وعندها تكون مرحلة انهيار العقد الاجتماعي قد انتهت،  وانتهت معها الدولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدول, الفشل

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد