في عام 1994 لم يكن ثمة أمل. كانت ثمة ظلمات فقط. اليوم يشع النور من هذا المكان. كيف حدث ذلك؟ لقد عادت رواندا عائلة واحدة.

بهذا السؤال وتلك الإجابة شرح الرئيس الرواندي بول كاجامي باختصار كيف تحولت بلاده إلى نموذج ملهم لدول أفريقيا. حيث نجحت في تحقيق مجموعة من أسرع معدلات ومؤشرات التنمية في القارة الأفريقية وزيادة في فرص العمل وتنويع الاقتصاد وتعزيز مصادر الدخل القومي والفردي، لتقدم نفسها كمعجزة اقتصادية حقيقية ملهمة لباقي دول القارة السمراء ليطلق عليها سنغافورة أفريقيا. وذلك إبّان إحيائه للذكرى الخامسة والعشرين للإبادة الجماعية في بلاده أبريل (نيسان) الماضي التي راح ضحيتها ما يقارب من المليون نسمة.

رواندا أو بلد الألف تل كما يطلق عليها، التي كانت مسرحًا لواحدة من أبشع حروب الإبادة الجماعية في التاريخ الّتي بدأت في 6 أبريل (نيسان) 1994، ودامت لمدة 100 يوم عندما أسقط صاروخ مجهول المصدر طائرة الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا الذي ينتمي للأغلبية قبائل الهوتو 80% من السكان لدى عودته من مفاوضات مع الجبهة المتمردة من قبائل التوتسي ليلقي جميع من كان علي متنها حتفهم. ثم تزداد الأحداث اشتعالًا في اليوم التالي بمقتل رئيسة الوزراء لتشن قبائل الهوتو التي حملت الجبهة المتمردة التوتسية المسئولية حملة إبادة جماعية على أقلية التوتسي. وتتم تعبئة الجنود والميليشيات والمدنيين لارتكاب مجازر وعمليات اغتصاب وسلب ونهب. فيحصد ملاك الموت مئات الآلاف من الأبرياء.

أصبحت الآن راوندا الدولة الأولى على مستوى القارة الأفريقية في جذب الاستثمار الأجنبي. وذلك بالطبع يعود لحكومة قوية تصنف كواحدة من أكثر الحكومات كفاءة ونزاهة، ورئيس بول كاجامي وصفه مسبقًا الرئيس الامريكي الأسبق بيل كلينتون بأنه أعظم قائد في عصرنا.

لم نأتِ لأجل الانتقام فلدينا وطن نبنيه. وبينما نمسح دموعنا بيد سنبني باليد الأخرى. هكذا صرح الرئيس الرواندي بول كاجامي لدى توليه الحكم مطلع الألفية الجديدة، بعد سبع سنوات من أحداث الإبادة. وذلك ليس لأن من قتلوا يستحقون الغفران، لكن لأن الأجيال الجديدة تستحق أن تعيش في سلام.

ويتم إقرار علم جديد في فبراير (شباط) 2001 تعبيرًا عن بداية مرحلة جديدة، ضم ثلاثة ألوان، بالإضافة إلى قرص الشمس كرمز للثقافة. الأزرق يمثل السعادة والسلام والأصفر رمز التطور الاقتصادي والأخضر رمز الازدهار. ثم تتوالى نجاحات هذه الدولة التي لا يتعدي عدد سكانها الخمسة عشر مليون نسمة، ويعيشون في دولة حبيسة لا سواحل فيها على مساحة لا تزيد عن الثلاثين ألف كم2 منذ ذلك التاريخ. وتعتمد على الزراعة والسياحة مستغلة تضاريسها الجميلة حيث ترتفع ما يقارب الكيلو متر فوق مستوى سطح البحر؛ مما يعطي مناخها اعتدال في درجة الحرارة، على الرغم من وقوعها في المنطقة الاستوائية. وهي أحد منابع نهر النيل العظيم، وتنضم لعضوية الكومنولث على الرغم من أنها لم تكن مستعمرة سابقة لبريطانيا. ويتحول التنوع العرقي والديني بين قبائل التوتسي والهوتو والمسيحين والمسلمين والديانات الأفريقية الأخرى إلى نعمة بعد أن كانت نقمة وتدخل التاريخ عام 2008 في أول مجلس تشريعي في العالم ذات أغلبية من النساء 49% الي أن تصل في الدورة التشريعية الحالية إلى ما يقارب من الثلثين في سابقة هي الأولى من نوعها في العالم، وليس في أفريقيا فقط. وتطلق مؤخرًا قمرًا صناعيًا يوفر الإنترنت المجاني في جميع أنحاء البلاد. وتتصدر عاصمتها كيجالي قائمة أجمل المدن في أفريقيا حيث يخرج في السبت الأخير من كل شهر جميع سكانها بدءًا من الرئيس حتى الأطفال لتنظيف شوارع مدينتهم.

لذلك فقد قدمت رواندا درسا بليغًا لجميع الدول الأفريقية والنامية. مفاده أن تحقيق المعجزات لا يزال ممكنًا في أي بلد بشرط توفر الرؤية الواضحة والقيادة الحازمة والمواطنة الحقيقية البعيدة عن العرقيات والإثنيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد