«الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية» عبارة لا نجد لها صدى في المجتمع التونسي الذي يبعد كل البعد عن ثقافة الاختلاف وقبول الآخر المختلف عنه.

يبدو أن قدر الاختلاف في مجتمعنا محكوم بالفشل، وهو ما يحيلنا إلى التأمل قليلًا في أسباب الصراعات السياسية والفكرية بين كافة الأطياف، والتي تعود في الأساس إلى عدم قبول الرأي المختلف، ورفض كل شخص يحمل فكرة مختلفة، لكن المثير للريبة الآن هو أن هذا التطاحن والصراعات المتتالية قضت على كل رغبة جدية في التعايش السلمي بين الأفراد وتقاسم المكان والزمان والأحداث، دون اللجوء إلى النزاعات العرقية والفكرية والدينية، ومحاربة كل شخص حاملًا لفكر ومعتقد وتوجه مختلف عنه.

أصبحت الشخصية التونسية متوغلة في (الأنا) محتكرة الوجود لنفسها عبر إقصاء الأخر واستضعافه، ويمكن أن يطال رفض الآخر التعدي عليه ماديًا ومعنويًا. فهو لا يرى داعيًا لمشاركته نفس المكان، بل لا معنى لوجودهما معًا.

وفي سياق الاختلاف أصبحت لديّ قناعة راسخة أنّ التونسي يخشى الاختلاف، يهاب من كل فكرة جديدة أو رؤية مختلفة أو حتى تفسير جديد لنص قرآني يرى في ذلك مصدر خوف له من زعزعة قناعاته التي تكلست مثل طبقة من الإسمنت. فهو يخشى مغادرة حيّز الأمان والثبات الذي يعيش فيه زاعمًا أن كل تغيير هو هدم لكل الثوابت والمسلمات والمعتقدات التي آمن بها وأفنى عمره إمّا في تشكيلها أو توارثها عبر الأجيال السالفة. يحق لي أن أستشهد في هذا الإطار بالجدل القائم إلى حد كتابة هذا المقال عن مسألة المساواة في الميراث بين الجنسين التي خلقت من حولها أزمة حوار بين الأفراد. حيث احتشد الكثيرون للاحتجاج عن رفضهم لما أسموه خرقًا للنصوص القرآنية، ومخالفة الشريعة، باعتبارها من الثوابت غير القابلة للاجتهاد في ذهن التونسي، بل اعتبروا ذلك ضربًا لمعتقداتهم الدينية، ومحاولة علمنة الدولة، ولكن الأصح في هذا الأمر أن النزعة الذكورية هي المحرك الأساسي في هاته الحركات الاحتجاجية، طالما أن الرجل ينظر للمرأة أنها كائن من درجة ثانية؛ لأنها تختلف عنه.

من العسير أن نتحدث الآن أو حتّى مستقبلًا عن اعتناق ثقافة الاختلاف في تونس، طالما أنّ الدولة نفسها ما زالت سياستها قائمة على إقصاء ذوي البشرة السمراء من المناصب الوزارية والسياسية. حتى في الإعلام لم نشهد حضور مقدم أخبار ذي بشرة سمراء منذ نشأة التلفزة التونسية. لا يقف الأمر عند حاملي البشرة السمراء فقط، بل يتعدى إلى حاملي الإعاقة؛ لأنه ينظر إليهم كمواطنين من الدرجة الثانية ومختلفين عن سائر القطيع؛ إذًا لا يحق لهم المشاركة في الحياة العملية، ولا السياسية، ولا حتى الاجتماعية.

لا أدري حقًا لما تحوّل الاختلاف إلى مصدر شحذ للأحقاد في نفوس البشر، فأصبح التعامل مع أشخاص مختلفة عنّا في اللّون أو الشكل أو الدين أو الجنس مبنيّ على الحقد والكراهية. أسترجع في هذه اللّحظة واقعة صغيرة حدثت أمام ناظري منذ أسبوع بينما كنت أنتظر قدوم الحافلة إذ جلست بجانبي فتاة لون شعرها أزرق، وتضع حلقة في أنفها، أخذت على عاتقي رصد نظرات المارة إليها؛ فكانت كلها مغلفة بالازدراء والاشمئزاز من شكلها المختلف؛ لأنه في (ثقافتنا المنفتحة جدًا) لا يعبّر ذلك إلا عن مظاهر الانحلال والانفلات من المنظومة الأخلاقية التي وضعها المجتمع لتضييق خناق كل من تتوق نفسه إلى التحرر من قيودهم الرجعية، وكل من يخول له عقله التفكير في سلك منهج مختلف عمّا هو سائد. آسفة حقًا أني لا أملك إجابة للسؤال الذي طرحته منذ قليل عن سبب تحوّل الاختلاف إلى مصدر كراهية وحقد، ولكن كل ما أعرفه أنّه لو وقع استثمار الاختلاف على أنه قيمة إيجابية وستدرّ بالنفع على المجتمع والدولة في آن، لكنّا تجنبنا كافة أشكال العنف والصّدام الحاصلة بسبب النظر إليه بعين الخوف منه و الحقد عليه.

في نهاية المطاف أريد أن أقول لمن نصبّوا أنفسهم أعداء للاختلاف: فقط تخيلّوا لو كنّا نعيش في هذه الأرض على شاكلة واحدة، على دين واحد، على جنس واحد، على لون واحد، حتمًا لن يكون هنالك معنى حقيقي لوجودنا من عدمه، فنحن أشبه بقوس قزح، لن يظهر جماله إلا باختلاف ألوانه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد