نُكمل في الجزء الثاني من هذه السلسلة الحديث عن بعض قوانين الحياة، التي تمرّ بالإنسان في مسيرته، التي لا تخلو من التحديات، تلك التحديات التي تصنعه على هيئته الحالية، وتُشكّل رؤيته للأمور المُختلفة. هي مجموعة من الأفكار المُتناثرة التي أحاول أن ألتقط منها ما يُفيد، وأشاركه معكم؛ علّها تكون سندًا لأحد العابرين، وأودّ أن أذكّر القارئ بأنّي لا ألزم أحدًا بأيّها، لكنّني أعيش من خلالها، وأربي أولادي عليها، وأشجع أحبابي على تعهدها:

قانون (8): اللحظات السعيدة تنتهي بسرعة، جملة تتكرر على ألسنة الناس؛ لذلك يركض الكل بحثًا عن السعادة الضائعة، والحقيقة أنّهم يتيهون في دوّامات البحث وفقاعات الشعور المادي العابر، وتمضي بهم الحياة دون الوصول إلى هذه الرغبة التائهة: الحزن، الغضب، الفرح، الانتظار، الشوق، كلها مشاعر عابرة، ولحظات إنسانية ستمرّ وفق ظروف وقتية تتأثر بك وبمشاعرك. ما يبقى حقيقة: هو إدراكك لذاتك وبحثك عن معنى لحياتك، وهدف سام تسعى إلى تحقيقه. لماذا تعيش حقًّا؟ ما تَرِكتك بعد أن تُفارق الحياة؟ هل ما أفعله حاليًا له معنى وهدف؟ سعيك للإجابة عن هذه الأسئلة، والعمل على تحويلها إلى واقع سيُساعدك كي تجد طريق السعادة. قال الله تعالى: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً».

قانون (9): الذين يُمارسون «صلاحًا اضطراريًّا» غالبًا ما يسقطون في اختبار الحياة عندما تتبدّل الأحوال، قرأتُ مرةً أنّه من الطبيعي أن تكون نزيهًا لا تسرق أي مال طالما أنّ هذا المال لم يقع تحت «سلطتك» لأخذه دون أن يراك أحد، ومن الطبيعي أن تكون زاهدًا مُدبرًا عن الحياة، طالما أنّ هذه الحياة قد أدارت لك ظهرها أصلًا. الغالبية تُمارس «تبتلًا قسريًّا»؛ لأنّ الظروف أجبرتهم على ذلك، قليل من الناس هم الذين يختارون حيواتهم، ولا يدَعون جبرية الظروف تتحكّم بهم، فبرغم النياشين، والمناصب، والشهادات الجامعية، والثراء وغير ذلك فهم يختارون الزهد، والنزاهة، والفضيلة، والصدق، والصلاح. هؤلاء هم الأحرار حقًّا. كن منهم!

قانون (10): صدقني الناس لا تستيقظ كل يوم صباحًا مُنتظرة قراءة آرائك عن كل شيء! المساحات الحرّة والمُضطربة في عالم مواقع التواصل الاجتماعي أعطت الكلّ إمكانية كتابة/ تدوين/ مشاركة أي شيء وكل شيء، وبأساليب مُختلفة دون وعي أو شعور بالانضباط أو النضوج المطلوب. اليوم بتنا نقرأ ونرى أشياء غريبة، وأفكارًا دخيلة، وبلغة عاجزة حتى. صديقي: لا تكتب كل ما يخطر ببالك، لا تُشاطر الناس كل الأفكار التي تجول في رأسك، أنت لا تحتاج لأن تُعلّق على كلّ خبر أو حادثة تمر بطريقك، أنت لا تعرف كلّ شيء في هذا العالم، لا تستجد عطف الآخرين من خلال الانشغال في المجريات، انشغل بالأفعال عن كثرة الأقوال!

قانون (11): ما أجمل الحقيقة والسعي لإدراكها وتبليغها للناس، خاصة في حالة نشطة من الثورية والصراحة، لكن ما أصعب التوازن أيضًا، ماذا أريد أن أقول هنا؟ ماذا سيحدث لو أخبرت مَن حولك بالحقيقة الكاملة دائمًا؟ هل تتوقع أنّ الحياة تستقيم هكذا؟ أن تقول لمديرك في العمل مثلًا: صباح الخير، أنت مختال مغرور، أنا أكرهك! أو أن تقول لأستاذك: عفوًا أنت غبي حقًّا كالحمار يحمل أسفارًا! لا أحد يود سماع هذه الحقائق بهذه الطريقة. المُجاملة والتجزئة، نعم، أحيانًا نحن بحاجة لتجزئة الحقيقة، وعرضها بالشكل الذي يبدو مقبولًا للناس؛ فالحقيقة الكاملة بدون مُقدّمات قد تكون لها نتائج كارثية أحيانًا.

قانون (12): الذوق سلوك الروح، قالها الحاج عباس السيسي قبل سنوات عديدة. أن تفهم رموز الحياة المتعلقة بحسن المعشر، وكمال التهذيب، وحسن التصرف، وتجنّب ما يجرح ويُحرج، هذا الجمال الداخلي هو الذي ينعكس في الحياة تذوقًا، وأخلاقًا ولطفًا، فيُصيّر العلاقات هواتف من القلب، وسموًّا في المشاعر.
الذوق لا يمكن تعلّمه، فهو إدراكٌ وتربية، وهو كذلك لا يُشترى بالمال والجاه والسلطان؛ فهو صفاء قلبي وسلوك للروح المهذّبة. هو الأخلاق يا صديقي ولكن في أجمل حلّة. هو أنت ولكن في أبهى صورك: كلامك، تعاملك، ابتسامتك، سكوتك،
يقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: «إن أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون».

قانون (13): في التربية: لست من أنصار فكرة ترك الطفل يُجرّب بنفسه كل شيء؛ إذ إنّ «الإيمان الأعمى» بالتجريب يحمل في جنباته قيمًا معرفية خطيرة، قائمة على تحييد دور الآباء، والاستغناء عن التراكم الثقافي والتربوي، والاعتماد بدلًا عن ذلك على صفرية الانطلاق، وهو أن كل شخص قادر على أن يبدأ من نقطة الصفر مُجددًا، أو من نقطة المادة المطلقة، بينما في الحقيقة أنّ كل أب وأم مسؤول/ مسؤولة عن رعاياهم. نتعرض في حياتنا للكثير من التجارب الأليمة أو المُختلفة، ولا أعتقد أنّ أحدًا يودّ أن يجرب الأبناء ذلك مرة أخرى، أو المرور بهذه التجارب المؤلمة، بل إن مسؤولية الآباء ألا يمرّ بها أبناؤهم أبدًا.
يقول المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري تعليقًا على هذه النقطة، إنّ مفهوم التجريب بالمعنى الذي يجعل كل فرد وحدة منفصلة، هو تعبير صارخ عن العقلية الترانسفرية، والتي تعني القدرة على تغيير المنظومات القيمية خلال وقت قصير.

قانون (14): لا تُكثر من الحديث عن اهتماماتك، وأحلامك، وما تُحبّ، وما تُفضّل أمام من لا يُعيرك اهتمامًا، ولا يُلقي لمواضيعك أي بال. بينما تُسهب أنت بالحديث عن أحلامك وما تهوى وما ترغب، ينشغل هو عنك بهاتفه، ويُبدي التضجّر والملل، وتظهر عليه علامات التأفّف. تنتظر منه ردًّا يوازي اندفاعك؛ فيُجاهر بالبرودة والجفاء، وتأتي ردوده مُتخمةً بالصدّ والتحفّظ.
دع عنك إذن هذا الانبساط في الحديث، والحماسة في مشاركة ما تُحبّ معه، ولا ينشرح صدرك إلا مع من يُشاطرك همّك وشغفك، وحُبّك واهتماماتك، ولن تجد في ذلك مثل الأم، صدقني.

يتبع في الجزء الثالث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد