استلم حكم إمبراطورية ترصدتها قوى العالم آنذاك، كانت أحوالها الاقتصادية منهارة، الديون تغرقها، واستمر حكمه طيلة 33 عامًا، إنه السلطان عبد الحميد الثاني، خليفة المسلمين الثاني بعد المئة والسلطان الرابع والثلاثين للدولة العثمانية العلية.

تولى الحكم في عام 1293هـ – 1876م، وخلع بانقلاب عسكري في عام 1327هـ – 1909م، ووضع رهن الإقامة الجبرية حتى وفاته عام 1918م. كتب في آخر حياته مذكرات وضع فيها أهم قواعده السياسية وقد حاولنا أن نستشف هذه القواعد التي سار عليها طيلة حكمه.

أولًا: لا تستدن من الخارج

عندما استلم السلطان عبد الحميد الثاني دفة الحكم كانت الديون قد أغرقت الاقتصاد العثماني وأدخل ما يسمى بهيئة الديون العمومية التي صارت نوعًا من الضغط على الدولة، ولما رأى السلطان هذا أراد الابتعاد عن الديون الخارجية فلم يستدن من الخارج طيلة عهده، كما أنه خفض الديون التي كانت على الدولة بشكل كبير يقول في مذكراته: «عندما توليت الحكم كانت ديوننا العمومية تقترب من ثلاثمائة مليون ليرة، وفقت إلى تخفيضها إلى ثلاثين مليون ليرة» هذا ولا ننسى أنه وقعت حربان كبيرتان في عهد عبد الحميد الحرب مع الروس، ومع اليونانيين.

ثانيًا: جهاز مخابرات مرتبط بك مباشرة

لم تخل الدنيا يوما من المخابرات والاستخبارات، إلا أنه في عصرنا ازدادت أهمية المخابرات كثيرًا، فالدول تتربص ببعضها، أدرك عبد الحميد هذا الأمر وأنشأ جهاز مخابرات ارتبط به مباشرة، وشكله بتعقيد كبير، ورغم وجود مخلصين في جهاز المخابرات إلا أنه كما يقول: «لم آخذ بأي شيء من هذا الجهاز مطلقًا دون تحقيق دقيق».

ثالثًا: احترم العلم والعلماء

اتسم عهد عبد الحميد بالنهضة العلمية نوعًا ما فأدخلت المطبعة، وطبع عدد كبير من الكتب، ازدهر العلم وبنيت المدارس والجامعات، ومنها مدرسة العشائر لأبناء العشائر من العرب خاصة، ويتساءل السلطان إن لم يكن محبًا للعلم «فهل كنت أفتح جامعة؟ وهل كنت أنشئ المدارس ولو كنت عدوا للعقل والعلم فهل كنت أنشئ لفتياتنا وهن لا يختلطن بالرجال دار المعلمات؟» كما قرر عبد الحميد عددًا من المواد التي لم تكن تدرس في عهده منها الفسلفة وانتقد بسببها، حتى قالوا: «يريدون أن يجعلونا كفارًا» ولم يقتصر جهده على فتح المدارس بل ساند وأيد كما يقول ماديًا ومعنويًا «هؤلاء العصاميين الذين يعدون أنفسهم بأنفسهم» فقد ساعد حودت باشا وأحمد مدحت أفندي، حتى مراد أفندي الذي يعتبر نفسه مؤرخًا عظيمًا» ومن عجائب الأمور أن كل من عادى عبد الحميد كان قد درس في المدارس التي أنشأها عبد الحميد.

ويحيل السلطان عبد الحميد الناس إلى دليل مادي قائلاً: «لينظروا إلى الكتب التي طبعت في عهدي ويقارنوها بما بعد ذلك» ثم يتساءل متعجبًا: «هل يمكن أن يكون عدوًا للعلم والعقل سلطان بذل كل ما في وسعه قرابة الثلاثين عامًا لكي يرى في كل قرية مسجد وبجانب المسجد مدرسة؟».

رابعًا: ساعد المعارضين ماديًا لتكون معارضتهم شريفة

المعارضة مهمة في تسيير دفة الحكم فهي تبين للقائمين على الحكم أخطاءهم، ولهذا السبب نحن لا نراها في الأنظمة المستبدة، ولذلك أراد السلطان أن يدعم معارضيه حتى لا تتخطفهم يد الغرب الذين يريدون زوال الدولة العثمانية، يقول: «فإني كنت على صلة بهم وحتى لا يتورطوا في شيء نتيجة إفلاسهم وهم في بلاد أجنبية فقد بذلت لهم مساعدات مادية كبيرة بحجة شراء صحفهم وأغمضت عيني عن إرسال بعض الأشخاص للنقود إلى البلاد لكي لا يكونوا أداة للأجانب وكنت أقول: إن معارضتهم رغم خطئها فإنها يجب أن تظل شريفة».

خامسًا: الإعلام السلاح الأقوى

أثرت الصحافة منذ ظهورها في العمل السياسي، فقد استطاعت أن تجذب الناس، وتغير آرائهم، وتؤلبهم على حكامهم، أو تحببهم إليهم، ورغم دخول الصحافة على الخلافة العثمانية عام 1831 إلا أن السلطان أدرك تأثير الصحافة على الناس، ففتح وأعان عددًا كبيرًا من الجرائد، كما أنه منع جرائد أخرى من الدخول إلى الدولة العثمانية خشية أن تتأجج الفتنة.

سادسًا: استفد من مصارعة الدول الكبرى

لا يكون للضعيف أي تأثير في ميزان القوى العالمية، كما أن القوى الكبرى تسعى دائمًا إلى أن تبقى الدولة الضعيفة كما هي، أو تحاول أن تزيد في ضعفها، إلا أن الضعيف إن أردا أن يكون قويًا يجب عليه أن ينتهز بعض الفرص التي تحدث عندما تتصارع القوى العالمية، حاول عبد الحميد ما استطاع أن يغتنم هذه الفرصة فقد كان يعمل بهبوب رياح الحرب العالمية الأولى وكان يحاول الابتعاد عنها يقول: «منذ أربعين عامًا وأنا أنتظر أن تشتبك الدول الكبرى مع بعضها البعض، كان هذا كل أملي كنت أرى أن سعادة الدولة العثمانية مرتبطة بهذا وجاء اليوم الذي كنت انتظره ولكن هيهات فقد أبعدوني عن العرش».

سابعًا: العمل على ما ينفع البلاد دون التصرف الشخصي

حاول السلطان أن يبتعد عن التصرفات الشخصية في تعيينه الأشخاص، وكان جل اهتمامه أن يكون الشخص مؤهلاً لهذا المنصب يقول: لو كنت عدوا لمن تدخل في إسقاط عمي السلطان عبد العزيز عن العرش أكنت أسلم سليمان باشا ديون الحرب؟ لأن المقام الذي أحلته مقام يستلزم الارتفاع فوق مستوى الشعور الشخصي فأصفح عن ذنوب هؤلاء الذين ألمس منهم فائدة للبلاد.

ثامنًا: استخدام العاطفة الدينية لتحقيق أجندات تفيد الدولة

كانت الدول الكبرى وما زالت تستخدم العاطفة الدينينة لتنفيذ مخططاتها، وحاول عبد الحميد أن يفعل هذا أيضًا فقد استخدم سلاح الخلافة فقد حاول أن يربط شعوب آسيا بالخلافة، وحاول أن يربط الهنود المسلمين بالخلافة أيضًا، يقول: «لم تكن لدي الطاقة ولا القوة لمحاربة الدول الأوروبية بمفردي ولكن الدول الكبرى التي تحكم شعوب مسلمة في آسيا مثل إنجلترا ورورسيا ترتعد من سلاح الخلافة الذي أحمله».

تاسعًا: الابتعاد عن الحرب

كان من أهم الركائز التي وضعها السلطان عبد الحميد في سياسته الابتعاد عن الحرب، فهو كما يقول: دائمًا ضد الحرب، وينصح من سيأتي من الخلفاء أن لا يدخل حربًا أبدًا فيقول: «أنصح الأبناء والأخوة الذين سيأتون بعد هذا ألا يدخلوا حربًا قصيرة كانت أم طويلة، وأقول: إن الحروب التي تنتهي بالنصر ترهق الأمة مثلها في ذلك مثل الحروب التي تنتهي بالهزيمة».

عاشرًا: الاستعانة بالتقنيات الحديثة في تسيير الدولة

بدأت النهضة الأوربية منذ وقت طويل، كانت الدولة العثمانية ما تزال تعيش كما هي قديمًا، عندما استلم السلطان عبد الحميد أدرك أن الاستعانة بالتقنيات الحديثة أمر لا بد منه، فأدخل التلغراف، وأدخل الهاتف أيضًا، وحاول أن يربط أجزاء الدولة جميعًا بسكة حديد ربطت كل أقاليم الدولة آنذاك يقول: «لم تكن الطرق الداخلية في البلاد كافية، كان التخابر يحدث بواسطة الجياد وكان تلقي الأخبار عن جيش أرسل إلى الحدود يستغرق أيامًا بل أسابيع في بعض الأحيان، سمعت ببدء استخدام واسطة التخابر المسماة بالتلغراف تحركت فورًا وأقمت في القصر مركز تلجراف مجهز بأقوى الكابلات وقامت كل ولاية بنصب أعمدة التلغراف في ساحاتها».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد