تعد روسيا من القوي المؤثرة والفاعلة في الشرق الأوسط، والتي بدأت بإقامة علاقات دبلوماسية مع سوريا منذ استقلالها عام 1946، وقد تطورت تلك العلاقات منذ مطلع الخمسينات وأصبحت سوريا المنحازة في تطورها للاشتراكية من أهم حلفاء الاتحاد السوفيتي سابقًا. فمنذ وصول حافظ الأسد إلي الحكم ترسخت أسس التعاون المشترك، وتعمقت الروابط بين البلدين في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، حيث عمل الاتحاد السوفيتي  علي تسليح سوريا ومساعدتها علي تحقيق التوازن والثقل الاستراتيجي في مواجهة إسرائيل.

 فبعد وصول فلاديمير بوتين لسدة الحكم أصبحت   سوريا  بحاجة إلى الدعم الروسي، فسوريا تشغل حيزًا في الحسابات الروسية، وتبرز هذه الأهمية في اتجاهين:

1- الأهمية الاستراتيجية

تمثل سوريا أهمية محورية في معادلة القوي الدولية والإقليمية فالعلاقات بين روسيا والنظام السوري امتدادًا طبيعيًا للعلاقات التاريخية بين السوفيت والأنظمة الاشتراكية، ومع تطور السياسة الخارجية الروسية، أصبحت قاعدة طرطوس وميناء حميميم تمثل أهمية استراتيجية للقوات البحرية الروسية التي تمكنها من مواجهة التنافس الغربي بعد تهديد أوكرانيا للأسطول الروسي من قاعدته في سيباستوبول المسار الوحيد في البحر المتوسط بعد حربها مع جورجيا، كما تمثل سوريا أهمية بالنسبة لروسيا باعتبارها الحليف الأول لإيران التي تمثل أهمية استراتيجية لروسيا، والتي تطمح لاستعادة دورها كقوة عظمى لها مكانتها الدولية.

2- الأهمية الاقتصادية

لدي روسيا مصالح اقتصادية كبيرة في الشرق الأوسط، وخاصة سوريا، فسوريا أحد أهم الشركاء لروسيا خاصة في مجالي الطاقة والسلاح، وتمتد المصالح الاقتصادية لروسيا في سوريا إلى مجال التنقيب عن الطاقة والنفط والغاز، وتصل إلى حوالي 20 مليار دولار، وحيث تستورد سوريا من روسيا صواريخ دفاع جو من طراز بانتسير وبوك م 2،  أو ما يعرف بسام 17 بالإضافة إلى دبابات ت 72 وصواريخ جوالة للدفاع البحري من طراز جوخنت وباستيون، وقد كانت آخر الصفقات الروسية المعلنة مع النظام السوري تتحدث عن تزويد سوريا بمجموعة من الطائرات المقاتلة من طراز ميخ 29 وهذه الصفقات تقدر بما يقارب ستة مليارات دولار، ويخشي الروس من تغير النظام في سوريا؛ لأنه سيشكل مصدر قلق بالنسبة لمجال مبيعات الأسلحة وسيؤدي إلي خسارة عقود اقتصادية كما حدث في ليبيا عقب استقالة الحكومة  وأثر ذلك علي مبيعات الأسلحة الروسية ، حيث قدرت مشتريات ليبيا من الأسلحة الروسية بحوالي 2مليار دولار بين عامي 2005 و2010.

هدفت روسيا من خلال الأزمة السورية استعادة دورها علي الساحة الدولية والإقليمية فسوريا تمثل محور ارتكاز ومنفذها على البحر المتوسط، واستعادة هذه المكانة في المعزل الدولي حتى لو تذرعت بشعارات تحقيق أمن منطقة الشرق الأوسط والحفاظ على استقرارها، خدمة للأمن والاستقرار  في المحيط الدولي.

يسهم الوجود الروسي في سوريا في المحافظة علي وضع روسيا كمورد رئيسي للغاز في أوروبا، دون إنشاء خط لنقل الغاز القطري عبر سوريا وتركيا إلي أوروبا، تأكيد فشل محاولات عزل روسيا عن الدول الأوروبية، حماية المصالح الاستراتيجية من خلال الاحتفاظ بوجود بحري دائم في ميناء طرطوس واللاذقية الذي يسهل حركة الأسطول الروسي في البحر المتوسط واستمرار التعاون الروسي السوري، ولا سيما العسكري، وكل ذلك يهدف إلى تحقيق روسيا أكبر قدر ممكن من تأمين النفوذ والبقاء كلاعب أساسي علي الساحة الدولية ورفض الانصياع للإرادة الأمريكية والوقوف بوجه المخططات الأمريكية كما حدث في أزمة أوسيتيا الجنوبية عام 2008، ومحاربة ما يسمى تنظيم داعش الإرهابي تحت ما يسمى مكافحة الإرهاب، وحماية الأقليات والحفاظ على الأمن والسلم الدوليين واستعادة مكانتها الدولية وتجنب عزلتها بعد العقوبات التي فرضت عليها جراء الأزمة الأوكرانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

نورهان الشيخ ،السياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط ، هل تتجه روسيا إلي مزيد من الانخراط في أزمات المنطقة ، مجلة السياسة الدولية ، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ، 2016م.
مايسة محمد مدني ، التدخل الروسي في الأزمة السورية ، مجلة كلية الاقتصاد العلمية ، 2014م
عرض التعليقات
تحميل المزيد