في الخامس من يونيو (حزيران) 2017، تسارعت ردود الفعل الدولية والعربية بعد قرار السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع علاقاتهم الدبلوماسية مع قطر، حيث جاءت ردود الفعل العربية متسمة بقدر من الحذر، أما غربيا فكانت المواقف إما تأييدا مستترا،  أو دول لم تبد حماسة واضحة للموقف الذي اتخذته الدول العربية، أو من حاول عدم ابداء رؤية واضحة حول موقفه من الأزمة كأمريكا، التي ظهرت تصريحاتها علي بعد عال من التناقض وقد ظهر ذلك بوضوح ما بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واعضاء اخري من إدارته.

وفي سياق هذا الأمر، سوف يتم العمل علي استعراض موقف دولة واحدة تعد من أهم الدول الدول في المحيط الدولي، وذلك نتيجة لاتخاذها موقف مغايراً من الأزمة الخليجية، ألا وهي روسيا.

ماذا عن موقف موسكو من الأزمة القطرية ـ الخليجية؟

روسيا قد كان لها موقف مغاير في بداية الأزمة، حيث رأت أن ما يحصل «شأن خاص»، دون تعليق على طبيعة الاتهامات التي وجهتها الدول الخليجية للدوحة، بشأن دعمها للتنظيمات الإرهابية التي تشن عليها القوات الروسية هجمات داخل سوريا، لذلك جاء أول تعليق للكرملين على لسان «دميتري بيسكوف»، الناطق باسم الرئيس الروسي، يشير إلى أن موسكو «لا تتدخل في شؤون دول أخرى، ولا في شؤون دول الخليج، لأنها تقدر علاقاتها مع الدول الخليجية مجتمعة ومع كل دولة على حدة».

وفي الوقت نفسه رفض بيسكوف التعليق على سؤال حول مدى صحة الاتهامات التي توجهها دول المقاطعة الأربع (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) إلى الدوحة، كما رفض الاجابة حول سؤال آخر متعلق بالدعم الروسي المحتمل لقطر في مأزقها الحالي، معتبرا أن هذا السؤال في غير محله.

وعلى هذا النحو، علق وزير الخارجية الروسي «سيرغي لافروف» خلال مؤتمر صحفي يوم 5 يونيو / حزيران الماضي، قائلا: «هذا شأنهم، وهذه علاقات ثنائية بين الدول، ونحن لا نتدخل في هذه القرارات»،.. لكن في الوقت ذاته، قال إنهم «يدرسون بعناية جميع المعلومات عن دعم الدوحة للإرهاب».

ما هي أسباب التحول والتغير في الموقف الروسي؟

من الواضح أن الموقف الروسي سرعان ما تغير من مرحلة الحذر والحياد إلى الانحياز بشكل ما إلى الجانب القطري، حيث عرضت موسكو دعمًا اقتصاديًا للدوحة، من خلال ما أعلنه نائب وزير الزراعة الروسي «جنبلاط خاتوف»، من أن «روسيا مستعدة لزيادة تصدير المنتجات الزراعية إلى قطر»، كما دعا وزير الخارجية «سيرغي لافروف» في مؤتمر صحفي مع نظيره القطري يوم 10يونيو/حزيران الماضي؛ إلى تسوية الأزمة على طاولة الحوار، موضحا أن قرار بعض الدول العربية قطع علاقاتها مع الدوحة أثار «قلق موسكو»، مشيرا إلى أن روسيا لا يمكن أن يسرها تدهور العلاقات بين شركائها. وفي هذا السياق جاءت زيارة وزير الخارجية القطري إلى موسكو، لتؤكد ما سبق.

الموقف الروسي من الحياد إلى الانحياز

لذلك؛ كان من الضروري أن يتم طرح التساؤلات عن أسباب هذا التحول والتغير في الموقف الروسي، وما الذي يجعل موسكو تتصرف بهذه الطريقة، وهو ما أوضحته صحيفة «أوترا. ري» الروسية في تقرير للخبيرة في مجال الشؤون الدولية، إيلينا سوبونينا، حيث أرجعت محاولة موسكو تهدئة الأوضاع بطرق أكثر أمنا وأقل إضرارا لسببين؛

الأول: يتمثل في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدوحة وموسكو، لاسيما في مجال الغاز الطبيعي، فالعلاقات الاقتصادية بين الدولتين على أعلى مستوى، ويسعى البلدان لرفع التبادل التجاري بينهما إلى 500 مليون دولار في المرحلة المقبلة، كما أن الاستثمارات القطرية في روسيا كبيرة من خلال صندوق الثروة السيادي القطري، فضلا أن قطر لاعب رئيسي في اتفاق فيينا بخصوص تخفيض الإنتاج النفطي لامتصاص الفائض من النفط في الأسواق، ففي حال انسحاب قطر من الاتفاق وانهياره قد يؤدي هذا إلى هبوط أسعار النفط وتكبد الاقتصاد الروسي خسائر كبيرة.

الروس يتطلعون لتوطيد العلاقات الاقتصادية مع قطر

وفي هذا السياق، أشارت صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا» الروسية أن «قطع العلاقات الدبلوماسية قد يدفع بقطر نحو البحث عن شركاء اقتصاديين جدد، من بينهم روسيا»، ونقلت الصحيفة عن مصدر في وزارة الخارجية القطرية قوله: إن «الدوحة وموسكو تتعاونان في مختلف المجالات، وهناك استثمارات متبادلة»

من جهتها، أوضحت صحيفة «فيدوموستي» المتخصصة في الشأن الاقتصادي أن الوضع الراهن لن يؤثر على التعاون الروسي القطري في قطاع النفط والغاز، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن أسعار النفط قد تتراجع على المدى البعيد في حال انسحاب قطر من اتفاق خفض الإنتاج، وأن جهاز قطر للاستثمار يتفاوض حاليا على شراء 25% من أسهم شركة «النفط والغاز المستقلة» الروسية.

أما السبب الثاني، فيتمثل في رغبتها استعادة أدوات التأثير على الساحة السياسية العالمية، بعد أن فقدت كل أدواتها المتاحة للتأثير بعد سقوط الاتحاد السوفييتي؛ لهذا تحاول في الوقت الراهن استعادة مكانتها الفاعلة.

بالإضافة إلى أن روسيا تعتبر قطر أحد اللاعبين الرئيسيين في الملف السوري، فهي تدعم المعارضة السورية، ولعبت دورًا كبيرًا في الوساطات الجارية هناك من خلال شبكة علاقتها. وخسارة ود قطر في هذا الجانب قد يدفعها للاندفاع ضد روسيا في المنطقة أكثر، لذا فموسكو تسعى لموازنة موقفها مع قطر خلال هذه الأزمة.

وفي الإطار ذاته تخشى موسكو من تشكل حلف جديد في المنطقة بين قطر وتركيا وإيران يسهم في إضعاف هيمنتها وسياساتها، بالأخص بعد اصطفاف تركيا إلى جانب قطر من خلال نشر قوات عسكرية في القاعدة التركية بالدوحة، وفتح إيران خطا جويا لمساعدة قطر في تأمين احتياجاتها من الغذاء كما فعلت تركيا أيضًا.

كل ذلك يوضح عدم رغبة روسيا حدوث توترات في المنطقة، وما هو ما أكده الاتصال الذي تم بين العاهل السعودي «سلمان بن عبد العزيز»، والرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» في 13يوليو الجاري؛ بهدف بحث سبل تهدئة الأزمة.

فضلا عن أن موسكو تستفيد من زيادة التعاون مع دول الخليج الأخرى، لاسيما السعودية والإمارات خاصة في المجال الاقتصادي والعسكري.

ماذا عن  مستقبل الدور الروسي في ظل الأزمة الخليجية؟

بداية يجب الاشارة إلي أن روسيا تحاول دائما الوصول إلى أهدافها في منطقة الخليج منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، كما تطمح للتقارب مع دول المنطقة وإبعادها عن سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك فإن أي أزمة تحدث في المنطقة تحاول روسيا أن تضع قدما فيها، ومن هذا المنطلق سعت لتهدئة الأمور وحل الأزمة بالحوار والوساطة، حفاظا على مصالحها مع كل قطر ومع باقي دول الخليج.

إضافة إلي أن موسكو لديها علاقات تجارية وإقتصادية وعسكرية مرتفعة مع دول الخليج، لذلك تستخدم موسكو الدبلوماسية مع دول مجلس التعاون الخليجي بإعتبارها نقطة انطلاق لإعادة إزدهار العلاقات بينهما.

كما أنها في حال وقوف روسيا موقف عدائي من الدوحة قد تسحب الدوحة استثماراتها منها، مما يجعل موسكو توقع بأزمة نسبية، وهي أداة ضغط ناعمة تمتلكها قطر من خلال استثماراتها في روسيا.

وهنا يكمن الاشارة إلي أنه بالرغم من تأزم الوضع بين قطر ودول الخليج، إلا أن موسكو ستسعي دائما لإستغلال أوراقها لحل الخلاف القطري الخليجي بالحوار والتسوية السلمية، بتوضيح أنها مهتمة بإقامة علاقات طيبة مع جميع دول الخليج، ودعم الاستقرار في العالم وفي الخليج، وتسوية جميع القضايا يجب أن تتم بالطرق السياسية ـ الدبلوماسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد