أسئلة العام الحاسم على مستوى العالم والإقليم

“التساؤل هو بداية الوصول للمعرفة” أرسطو

هذا هو الجزء الثالث من مقالي البحثي عن السياسة الخارجية الروسية منذ النشأة وحتى اليوم. وكنت تحدثت في الجزء الماضي عن أن الاتحاد السوفيتي قد خطا خطوتان مهمتان في الشرق الأوسط: الأولى: قرار تزويد مصر الناصرية بالسلاح فيما عرف وقتها بصفقة الأسلحة التشيكية. وأما الخطوة الثانية وهي: الإنذار السوفيتي لقوى العدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) على مصر في عام 1956 وهذا الحدث هو ما سوف نقدمه في هذا الجزء ولكني قبل أن أبدأ في سرد بقية البحث أستأذن في عرض رؤيتي للساحة الدولية والإقليمية على الأقل في هذه السنة الجديدة.

(1)

لعل هذا العام

وبحق يجب أن يقال عنه (العام الحاسم) فنظرة واحدة على العالم نجد أن أهم الدول في هذا العالم والإقليم تواجه أسئلة حاسمة واختبارات قاطعة.

(فروسيا)

لديها أسئلة كبيرة في عدد هام من الموضوعات، ومنها مثلًا: كيفية إنهاء الأزمة السورية؟ وبأية تكاليف؟ وخصوصًا لو تعقدت الأمور على الجيش السوري وحلفائه (ايران وحزب الله) واضطرت روسيا إلى الهبوط من القصف الجوي إلى الحرب على الأرض بقوات مشاة؟ وهو ما تُراهن عليه الولايات المتحدة الأمريكية وتتمناه اليوم قبل الغد (أي إعادة السيناريو الأفغاني من جديد).

هذا إلى جانب الأزمة في القرم وكيفية التصرف معها؟ وكيف ستتصرف روسيا مع امتداد الدرع الصاروخي الأمريكي الذي امتد إلى الخاصرة الروسية؟ ويزيد على كل ذلك كيف سيتصرف صانع السياسة الروسية في هبوط سعر النفط وتأثُر الاقتصاد الروسي الحاد بذلك وهو حتمًا سينعكس ارتداده على الداخل الروسي؟

كيف سيتصرف قيصر روسيا (فلاديمير بوتن) في أزماته؟ وكيف سيجيب على أسئلته الصعبة هذا العام؟

و(الولايات المتحدة الأمريكية)لديها هي الأخرى أسئلتها وهي أسئلة من النوع الصعب والمعقد معًا!

فهناك أسئلة عن الوضع الاقتصادي الأمريكي الصعب وكيف سيتعامل معه الرئيس القادم (سواء أكان جمهوريًا أم ديموقراطيًا)؟ وهناك أزمات بطول العالم وعرضه مطلوب من الولايات المتحدة حلها أو على أقل تقدير المشاركة في حلها بما يخدم مصالحها. أزمات تمتد من الشرق الأوسط حتى بحر البلطيق.
هذا إلى جانب إدارة الصراعات الإستراتيجية مع كل من (الصين وروسيا) ولعل الولايات المتحدة اليوم تشبه (عملاق كبير ساورته الشكوك في مدى قوته ومدى قدرته على استخدام تلك القوة).

فالبلد (الذي يراه الجميع يتسلح بكل وسائل القوة أصبح في داخله مصابا بالوساوس وعرضة في كثير من الأوقات لأزمات الشك في الذات). وتلك قضية مركبة فيها جوانب مرئية وفيها جوانب مخفية فيها الجانب الاقتصادي وفيها الجانب السياسي وفيها الجانب الاجتماعي وفيها الجانب الثقافي وفيها وقبل كل شيء الجانب النفسي وتلك معضلة حتى على أعتى خبراء علم النفس من (سيجموند فرويد إلى كارل يونج) وعلى أهم خبراء علم الاجتماع من (بن خلدون وحتى إميل دوركايم) وعلى أعظم الفلاسفة من (أرسطو حتى مكيافيلي)!

كيف سيجيب سيد البيت الابيض (باراك أوباما) على أسئلته هذا العام

و(إيران) لديها أسئلة كبرى من العيار الثقيل

منها: السؤال الصعب الذى لم تجد إيران حلًا له بعد وهو من سيخلف المرشد الأعلى (علي خامنئي)
في حال رحيله أو عدم قدرته على ممارسة مهامه بسبب المرض (وهو مصاب بسرطان البروستاتا)؟ ومنصب المرشد هو أهم منصب في الدولة على الإطلاق واستبدال مرشد بمرشد أمر في غاية الصعوبة في دولة ترفع دائمًا شعار (ولاية الفقيه).

المرشد (علي خامنئي) خلافته سؤال صعب للغاية أصبح مطروحًا على النظام في إيران بعد مرضه (بسرطان البروستاتا)

وأيضًا كيف سيستطيع الرئيس الإيراني (حسن روحاني) تنفيذ بقية برنامجه السياسي؟ خاصة فيما يتعلق بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ورفع الإقامة الجبرية عن (مير حسين موسوي وزوجته) و(مهدى كروبي) وتخفيف القيود المفروضة على نشاط الرئيس الأسبق (محمد خاتمي) الذي ما زالت قوى المحافظين داخل النظام الإيراني تتهمه بدعم ما يسمى بـ (تيار الفتنة) وتلك أمور صعب تنفيذها في ظل سيطرة المحافظين على المشهد ويأتي في مقدمة هذا الفريق (الحرس الثوري) الذى يصفه البعض بدولة داخل الدولة.

الرئيس (حسن روحاني) وأسئلته الصعبة التي حتمًا يجب أن يجد الإجابة عليها

هذا إلى جانب كيفية التصرف من قبل صانع السياسة الإيرانية في أزمة الاحتقان الداخلي التي ظهرت بوضوح في أعقاب الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2009 وما سببته من تصدعات أصبحت تتزايد رغم كل المحاولات من قبل السلطة الحاكمة في إيران وعلى رأسها (الحرس الثوري) التغطية عليها؟
يضاف إلى ذلك سؤال عن كيفية التصرف في أزمة الأقليات داخل إيران والتي أصبحت تنتج مزيًا من التوتر المرتد حتمًا على الداخل الإيراني؟

وعلى الصعيد الخارجي فحدث ولا حرج عن الأسئلة الصعبة التي سيضطر اضطرارًا صانع السياسة الإيرانية إلى الإجابة عليها مثل كيفية مواجهة خطر التنظيمات الإرهابية (داعش) مثلًا بعد أن اقتربت من إيران كثيرًا بتواجدها في كل من العراق وأفغانستان أخيرًا؟
وكيف سيواجه الإيرانيون تصاعد الحرب في سوريا وهم طرف أصيل فيها؟ وإلى أي مدى تستطيع إيران تحمل الخسائر(البشرية والمالية) على الجبهة السورية؟ وكيف سيدير صانع السياسة الإيرانية علاقاته مع معظم بلدان دول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية؟

وكيف سيكمل الإيراني بقية تنفيذ بنود الاتفاق النووي مع مجموعة (5 + 1)؟ علمًا بأن واشنطن رغم رفعها العقوبات المفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي عادت لتبدأ في فرض عقوبات جديدة ولكن السبب هذه المرة هو برنامجها لإنتاج الصواريخ! (مع الوضع في الاعتبار بأن هناك داخل إيران تحفز لنتائج ذلك الاتفاق رغم تمريره بموافقة المرشد الأعلى (علي خامنئي) وخلفه الحرس الثوري العين الحارسة على ثورة الملالي الذي قامت مؤسسة الرئاسة الايرانية بقيادة الرئيس (حسن روحاني) بالضغط على الحرس الثوري من خلال تهديده بأنه في حالة عدم موافقته على الاتفاق النووي والمساعدة على تمريره فإن الرئاسة سوف تطالبه بضرائب متأخرة عليه وعلى أنشطته الاقتصادية تقدر ب 10 مليار دولار).

هذا إلى جانب الأزمة في اليمن وإيران داعم رئيسي وأساسي لطرف من أطراف الأزمة (الحوثيين).

بالإضافة
إلى الأزمة الاقتصادية التي ستزداد تفاقمًا في ظل هبوط سعر النفط الذي يعد المصدر الأول لإيران وذلك حتمًا سيحدث ارتدادات داخلية ستؤثر على المجتمع الإيراني واستقراره.

وأما (تركيا)
فالاسئلة الصعبة أصبحت حولها من كل جانب
مثل: كيف ستعيد ترتيب خياراتها بعد خسارتها رهاناتها على الإسلاميين في العالم العربي (تونس ومصر وليبيا)؟ علمًا بأن رؤيتها للربيع العربي (أن تصبح هي الوكيل الحصري للإسلام المستنير في الشرق الأوسط أمام الغرب وبهذا تنفتح أمامها أبواب الاتحاد الأوروبي المغلقة في وجهها منذ سنين وتصبح هي المطلوبة بعد أن كانت طالبة (وتلك كانت رؤية الخليفة الإسلامي العلماني مولانا رجب طيب أردوغان!).

وكيف
سيدير صانع السياسة التركية خسائره في معادلة الصراع الإقليمي الراهن بعد صدامه غير المحسوب مع روسيا؟ وكيف سيعيد صانع السياسة التركية إعادة تموضع علاقاته بإسرائيل دون أن تتضرر صورته الدعائية أمام جمهوره ومؤيديه وهو الذي يقدم نفسه بالمناصر للقضية الفلسطينية؟

وكيف للسياسة التركية أن تعوض خسائرها على الساحة السورية؟ فالنظام البعثي في دمشق وعلى رأسه (بشار الأسد) لم يسقط رغم كل محاولات العثمانيين الجدد بقيادة الخليفة الجديد (أردوغان) وأمنياته أن يصلي في الجامع الأموي لم تتحقق رغم مرور كل تلك السنوات. وخطته فرض منطقة حظر جوي داخل سوريا ذهبت أدراج الرياح بدخول (الدب) الروسي إلى ساحة الصراع السوري بشكل علني. وكابوس أردوغان من الأكراد بدأ يتحقق.
فماذا سيفعل هؤلاء الحالمون في إسطنبول بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإعادة المجد العثماني الغابر؟

الرئيس التركي (أردوغان) والاسئلة الصعبة في العام الجديد

وكيف سيقوم صانع السياسة التركية بإدارة الأزمة الاقتصادية التي أصابته بعد العقوبات الروسية عليه؟ وكيف يمكن استعادة الزخم لحزب الحرية والعدالة مرة أخرى داخل المجتمع التركي؟ وكيف سيواجه سادة البسفور موجة التفجيرات الإرهابية التي اجتاحت تركيا مؤخرًا؟ وأخيرًا وليس آخرًا كيف يمكن لصانع السياسة التركي من الإجابة على السؤال المعضلة وهو كيف سيتم حل مشكلة الأكراد في تركيا علمًا بأن الأزمة لها امتداداتها الإقليمية في سوريا والعراق مثلًا؟

وفي (المملكة السعودية)
هناك أسئلة تم ترحيلها سنوات وسنوات وهي الآن غير قابلة للترحيل
مثل: تغيير قاعدة وراثة العرش وكيف يمكن تقبل ذلك في أسرة تعداد الذكور فيها أكثر من سبعة آلاف فرد لكل منهم طموحاته ورؤاه؟ ومثل كيف ستستطيع المملكة التكيف مع الوضع الاقتصادي الجديد في ظل انخفاض عائدات النفط وهو المصدر الأول للدخل السعودي؟

وكيف ستستطيع المملكة احتواء الطائفة الشيعية بداخلها وخصوصًا بعد إعدام رجل الدين الشيعي (نمر النمر)؟ وكيف سيقوم صانع السياسة بإدارة صراعه مع إيران علمًا بأن إيران صارت مطوقة المملكة من جهة اليمن ومن قبل العراق وهي متواجدة في لبنان منذ أمد طويل من خلال (حزب الله) أي أن الهلال يكاد أن يكتمل بدرًا (كما قال أحد أبرز قيادات الحرس الثوري). وإلى أي مدى ستستطيع السعودية وحلفاؤها الاستمرار في ساحة الصراع السورية وخصوصًا بعد التدخل الروسي وفي ظل تراجع عائدات النفط؟ وكيف يمكن للسعودية قائدة عاصفة الحزم الخروج من المستنقع اليمني هذا اذا استطاعوا الدخول من الأصل والأساس؟!

فهل ستستطيع المملكة السعودية أن تُجيب على أسئلتها الصعبة أم أن عواصف الخليج سوف تقتلع الخيمة السعودية من دروب الصحراء؟

الملك السعودي (سلمان بن عبد العزيز) والاسئلة التي لم يعد من الممكن ترحيلها

الأمير (محمد بن سلمان) وسؤال الخلافة في السعودية

وفي مصر مجلدات من الاسئلة تنتظر الإجابة عليها. أسئلة كثيرة وكبيرة وعويصة عن الماضي والحاضر والمستقبل. أسئلة تنطلق في كل الاتجاهات سياسية واقتصادية واجتماعية. والخلاصة في الوضع المصري:

  • إما أن يستطيع الرئيس (عبد الفتاح السيسي) أن (يحافظ) على مدى (التماسك) الذي حققه في الفترة الماضية في (بنية) المجتمع المصري وأن (يزيد عليه) مستخدمًا في ذلك كل الوسائل بدءًا من (القبضة الحريرية المخملية) (الإعلام) يحاول به (تغييب العقول وترقيق القلوب على الرجل الذي تحمل مسؤولية البلاد في فترة عصيبة ومهما كان من أخطاء يقع فيها الرئيس فيكفيه أنه أبعد الشيطان المرتدي لعباءة الإسلام!)

    وانتهاءً بـ (القبضة الحديدية) استخدام وسائل (القمع والقسر) إلى آخر المدى في (تركيع كل من الإسلاميين التكفيريين وقطاع من الشباب الذي يرى أن الثورة لم تحقق أهدافها التي قامت من أجلها).

ولكن المشكلة أن هذا الخيار مثلما له (إيجابياته) له أيضًا (سلبياته) لأن ذلك الخيار مع التوسع فيه كما نرى اليوم (يمكن أن يُعجل بانفجار الجماهير وخاصة الشباب منهم وإظهار(غضبهم) الذي يتراكم بداخلهم منذ أن اعتلى المجلس العسكري بقيادة المشير (طنطاوي) الحكم وحتى اليوم).

فهناك قطاع كبير من الشباب يشعر بأنه قد (خُدع وظُلم في الوقت ذاته). وهذا القطاع من الشباب يرى أنه قد تم (تشويه دوره وشيطنة صورته عن عمد مع سبق الإصرار والترصد) من قبل النظام الحاكم اليوم بواسطة أدواته الإعلامية.

الرئيس (السيسي) هل ينجح في الحفاظ على تماسك المجتمع المصري؟

أو أن (يعود المجتمع المصري إلى حالة السيولة التي كان عليها بعد ثورة يناير) وحينها يتبقى خطوة تتخذها الجماهير وهي (الخروج للمطالبة بالتغيير من جديد) لكن (المشكلة) أن تلك الخطوة ليست عليها (إجماع أو حتى شبه إجماع) وطني.

مشهد من ثورة 25 يناير

ففريق يراها
(وصفة مؤكدة للوصول لكارثة محققة) أو في أفضل الأحوال (قفزة إلى المجهول أكثر مما هي إصلاح من أجل العبور)!

وفريق آخر يراها الإصلاح الذي تأخر كثيرًا عن موعده واسترداد للثورة المخطوفة من الإخوان تارة والعسكر تارة أخرى من جديد بمنطق أنه (الآن.. الآن وليس غدًا.. أجراس الثورة فلتقرع)!

وبعد
كل هذا العرض في الحالة المصرية يجب أن يثار سؤال ما الذي فعلناه بأنفسنا وما الذي فعلته (النخب المُزيفة) بنا حتى نجد أنفسنا واقعين بين اختيارين أحلاهما مُر. وهو أن نجد أنفسنا محاصرين بين المطرقة والسندان؟ فإما:

  • ( الرضوخ للأمر الواقع تحت مبرر الحفاظ على الاستقرار). وإما
  • ( الذهاب إلى الفوضى التي ستقضي على الأخضر واليابس تحت يافطة استعادة الثورة من جديد).

ولقد كان شاعر العرب الأكبر (أبو الطيب المتنبي) هو الذي أبدع في وصف ما نعيشه اليوم حين قال:

نزلنا بنجد وسألنا ونحن أدرى أطويل طريقنا أم يطول

وكثير من السؤال جواب وكثير من رده تعليل.

وفي النهاية قد يقول قائل وله كل الحق بأنك لم تقدم رؤية بل طرحت مجموعة تساؤلات. أي (أنك سألت بدلًا من أن تُجيب؟). وأرد على ذلك بالتذكير بمقولة (أرسطو): (بأن التساؤل هو بداية الوصول للمعرفة).

(2)

“ها قد أقبل المستعمرون” نيكيتا خرشوف للسفير البريطاني

الزعيم جمال عبد الناصر وسط الجماهير في سيارة مكشوفة عقب قراره تأميم قناة السويس

كان الاتحاد السوفيتي منذ أن بدأت أزمة تأميم قناة السويس سنة 1956 يعطي إشارات مشجعة ولكنه لم يلزم نفسه بشيء محدد على الإطلاق وكانت إشارته المشجعة تتخذ في العادة شكل تصريحات أو مشاهد لها تأثير إعلامي أو سياسي بغير اقتراب عملي من ميادين الحوادث. وربما كانت أكثر مرة ظهرت فيها نوايا التأييد السوفيتي لمصر بعد تأميم قناة السويس وبعد أن زادت حدة التهديدات الموجهة لمصر هي تصريحات الزعيم السوفيتي (نيكيتا خروشوف) في السفارة الرومانية في موسكو يوم 8 أغسطس.
فقد حضر (خروشوف) حفل استقبال فيها وكان بين الضيوف فيه السيد (وليام هايتر) السفير البريطاني في موسكو والسفير المصري السيد (محمد القوني) وما أن لمح (خروشوف) السفير البريطاني في أحد صالونات السفارة الرومانية حتى صاح في وجهه “ها قد أقبل المستعمرون” ثم سأله (كيف تحلمون بإعادة فرض السيطرة على شعب مكافح مثل الشعب المصري؟) ورد عليه السير (وليام) قائلًا: (إننا لا نريد أن نفرض سيطرة ولكننا نحاول أن نصون حقوقنا).

نيكيتا خروشوف

“إنكم قطعتم ذيل الأسد البريطاني بتأميم القناة وإذا تجرأ وهاجمكم بالقوة فأنا واثق أنكم سوف تستطيعون تكسير أسنانه” خرشوف للسفير المصري في موسكو

وصاح فيه (خروشوف) (وماذا عن حقوق ومصالح المصريين؟) ثم استطرد قائلًا (ولنفرض أن لكم مصالح فهل تحتاجون إلى تعبئة الجيوش وتهديد الآخرين بالحرب لتحقيقها؟ لا تنسوا أنه إذا بدأت الحرب نتيجة لسوء تصرفاتكم فإن كل مشاعرنا سوف تكون مع المصريين. وإذا خاضت مصر الحرب ضدكم فإننا سوف نعتبرها حربًا مقدسة وإذا جاء ابني وطلب أن يتطوع في الحرب ضد الإنجليز فسوف أشجعه على التطوع).

والتفت
(خروشوف) فلمح السفير (محمد القوني) فناداه وقال له: (إنكم قطعتم ذيل الأسد البريطاني بتأميم القناة وإذا تجرأ وهاجمكم بالقوة فأنا واثق أنكم سوف تستطيعون تكسير أسنانه).

وكان سفير باكستان (أخطار حسين) واقفًا وراء السفير المصري ولم يتركه (خروشوف) وإنما توجه ناحيته وقال: “لقد كنا قبل قليل نوجه كلامنا للمستعمرين والآن جاء الدور على (توابعهم)”.

ودهش (أخطار حسين) وقال ل (خرشوف) (سيدى الرئيس أنا لا أعرف عن أي مستعمرين تتكلم؟).

ورد (خرشوف) قائلًا: (ألا تستطيعون أن تكونوا أمناء مع أنفسكم مرة واحدة وتعترفوا بالحقيقة؟).

وحاول (أخطار حسين) أن يتخلص من الحرج فقال (لخروشوف): (سيدى الرئيس ما هي الحقيقة؟ الحقيقة شيء نسبي وكلنا نبحث عنها ولكننا نحتاج إلى المعرفة لكي نتوصل لها فهل لي أن أدعوك لشرب نخب المعرفة التي توصلنا للحقيقة؟).

ولم يسكت
(خروشوف) وإنما رد قائلًا: (لا إنني لن أشرب نخبًا معك فإن عندنا مثلًا روسيًا يقول: “إن الرجل الذي يفقد ثروته يستطيع تعويضها أما الرجل الذي يفقد شرفه فقد أضاعه إلى الأبد”).

وتدخل
رئيس الوزراء (بولجانين)
في الحوار لتهدئة الجو فقال: (سوف أقترح حلًا وسطًا فلنشرب نخب شعب باكستان).

ورد
(خروشوف) قائلًا:
(إذا كان النخب في صحة شعب باكستان فإني أرفع كأسي وأشرب نصفه فقط وأما نصفه الآخر فسوف أحتفظ به حتى يتمكن شعب باكستان من أن يثور في وجه الأحلاف ويثور ضد الاستعمار كما فعل الشعب المصري).

وخرج السفير المصري من المقابلة ليكتب تقريرًا بما حدث للزعيم (جمال عبد الناصر) الذي قرأ تقرير السفير المصري وأحس فيه بحرارة التأييد ولكنه على المستوى العملي لم يكن كافيًا.

وفي الأيام الثلاثة الأولى لحرب السويس كانت الأخبار من موسكو غير مشجعة على الإطلاق فعندما بدأت محادثات الرئيس السوري (شكري القوتلي) مع القادة السوفييت كان أول بند على جدول الأعمال هو العدوان على مصر.

وقال الرئيس (شكري القوتلي): (إن شعوب العالم العربي تنتظر المساندة الفورية والعملية من صديقها الكبير الاتحاد السوفيتي).

ورد عليه (خروشوف): (إننا أصدرنا بيانات قوية نشجب فيها العدوان) ورد (شكري القوتلي): (بأن البيانات بليغة ولكنها لا توقف الجيوش).

وكان رد (خرشوف): (هل تريدنا أن نشعل نار حرب عالمية نووية؟).

ورد (شكري القوتلي) بأن (لا أحد يفكر في إشعال نار حرب نووية ولكنه لا بد وأن تكون هناك وسيلة تساعدون بها مصر عمليًا).

الرئيس السوري (شكري القوتلي)

وكان المارشال (جوكوف) وزير الدفاع السوفيتي أحد المشاركين في المحادثات وتدخل لأول مرة في المناقشات وفتح خريطة فردها على المائدة وقال لـ (القوتلي): (هذه هي خريطة الشرق الأوسط فقل لي كيف نستطيع أن نصل بقوتنا إلى مصر؟ سوف يكون علينا أن ندخل إيران ثم العراق ثم الأردن ثم إسرائيل لكى نصل إلى منطقة قناة السويس).

المارشال جوكوف

وانفجر (شكري القوتلي) بالضيق وصاح في المارشال (جوكوف) وقال: (أنت تعرض الخريطة أمامي لتعجيزي وأنا لن أنظر إليها ولا أتصور أن المارشال “جوكوف” بطل الحرب العالمية الثانية يجيء إلى مدني ضعيف الحيلة مثلي ويطلب إليه أن يشير عليه برأي عسكري).

وخرج (شكري القوتلي) من الاجتماع واستدعى السفير المصري (محمد القوني) ليطلب إليه إبلاغ الرئيس (عبد الناصر) فورًا (بأن لا يعتمد في خططه على مساعدة عملية من “الجماعة” هنا).

وفي يوم 4 نوفمبر أتيحت للسفير (القوني) فرصة لحديث مع (خروشوف) أثناء حفل عشاء أقيم تكريمًا للرئيس (القوتلي) في الكرملين وقال السفير (القوني) لـ (خروشوف): (إن مصر في هذه الساعات العصيبة تعتمد على أصدقائها).

ورد عليه (خرشوف) هامسًا في أذنه (لا تعتمدوا على غير أنفسكم ونحن واثقون أنكم قادرون على تحقيق النصر).

صورة لمجموعة من المقاومة المصرية في بورسعيد

(3)

مساء يوم 5 نوفمبر 1956 دُعي السفير المصري (القوني) إلى مقابلة مع وزير الخارجية (ديمتري شبيلوف) وذهب إلى وزارة الخارجية السوفيتية يُسائل نفسه عن سبب استدعائه المفاجئ لمقابلة (شبيلوف) ولقيه في الردهة المؤدية لمكتب الوزير رئيس قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية السوفيتية وهو السفير (تساتييسيف) الذي غمز له بطرف عينيه قائلًا (إنك سوف تسمع أشياء تسُرك) ودخل (القوني) إلى مكتب (شبيلوف) لكي يسلمه نسخة من الإنذار السوفيتي الموجه لبريطانيا وفرنسا ونسخة من الإنذار الموجه إلى إسرائيل.

كان الإنذار الموجه إلى كل من بريطانيا وفرنسا (يطالب بوقف العمليات العسكرية فورًا وبانسحاب القوات المعتدية دون إبطاء) ويشير بوضوح إلى (أن لندن وباريس ليستا بعيدتين عن مدى الصواريخ النووية).

وأما الإنذار الموجه إلى إسرائيل فقد اتهمها بأنها (تتصرف إذعانًا لإرادة أجنبية ووفقًا لأوامر من الخارج وأن حكومة إسرائيل تعبث على نحو إجرامي غير مسؤول بمصير العالم وبمصير شعبها وتبذر بذور الكراهية لدولة إسرائيل فيما بين الشعوب الشرقية وهو أمر لا بد أن يترك آثاره على مستقبل إسرائيل ويشكك في وجود إسرائيل ذاته كدولة).

وبعث السفير المصري بنصوص الإنذارات إلى القاهرة وقرأها الرئيس (جمال عبد الناصر) قبل دقائق من إذاعاتها رسميًا من موسكو ليعرف بها العالم كله.

الزعيم جمال عبد الناصر

وقد أضاف السفير (القوني) تحليلًا سريعًا إلى معنى صدور هذه الإنذارات الآن فقال في برقيته: (إن السوفييت يتخذون مواقفهم الحازمة في القضايا المبدئية عامة بعد أن تتوافر لها شروط ثلاثة:

  1. أن يُثبت أصحاب أي قضية وطنية صلابتهم في الدفاع عن قضيتهم وأن يتحملوا مسؤولياتهم قبل أن يطلبوا من الآخرين مساعدتهم وأن يؤكدوا قدرتهم على الصمود المستقل.
  2. أن ينجح أصحاب هذه القضية في خلق رأي عام قوي في مناطقهم وأن يخلقوا تيارًا قويًا متعاطفًا معهم في العالم كله.
  3. أن يظهر بجلاء من وقائع سير الصراع أن القوة المعادية قد تورطت في عدوانها إلى درجة تجعل إداناتها أمرًا مؤكدًا والتصدي لها شيئًا مطلوبًا على نطاق وطني وإقليمي وعالمي.

    وعندما تتوافر هذه الشروط الثلاثة فإن الاتحاد السوفيتي في العادة يقرر موقفه بحزم وحسم).

    وأشار السفير (القوني) في ختام تقريره: (أنه واثق من أن الاتحاد السوفيتي يعنى ما يقول وأن الأزمة من هذه الساعة أخذت منعطفًا جديدًا).

    “على الذين تصرفوا منفردين دون الموافقة الصريحة للولايات المتحدة أن يتحملوا عواقب تصرفهم” – كبير مساعدي إيزنهاور لإيدن

عندما وصل الإنذار إلى (لندن) كان له وقع الصاعقة وحاول رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت (أنتوني إيدن) أن يتصل بالرئيس الأمريكي (إيزنهاور) ولكن (إيزنهاور) لم يشأ أن يقبل المكالمة. وطلب رئيس الوزراء البريطاني أن تحول المكالمة إلى (تشيرمان آدامز) كبير المساعدين السياسيين للرئيس الأمريكي. وكان صوت (آدامز) باردًا كالثلج – وفق تعبير (إيدن) نفسه.

فعندما سأله (إيدن) عما إذا كان الرئيس قد اطلع على الإنذار السوفيتي وما هو رأيه فيه؟

كان رد (تشيرمان آدامز) أن (الرئيس اطلع على الإنذار ولا يعتبره موجهًا إلى الولايات المتحدة وعلى الذين تصرفوا منفردين دون الموافقة الصريحة للولايات المتحدة أن يتحملوا عواقب تصرفهم).

ووضع (إيدن) سماعة الهاتف واستدعى مجلس وزرائه لاجتماع عاجل ولم يكن هناك خلاف بين الوزراء على أن (الانذار السوفيتي بعد تفجير خط أنابيب التابلين للبترول وانهيار الجنيه الإسترليني وتعثر عمليات الغزو المسلح في مصر لا يترك لأحد فرصة).

رئيس الوزراء البريطاني ( أنتوني ايدن)

وبدأ الوزراء يخرجون من القاعة و(إيدن) باق في مكانه مسمر في مقعده وكأنما هو قد تجمد فيه وكانت يداه ترتعشان وأقبل عليه أحد مساعديه مواسيًا له ونظر إليه (إيدن) نظرة يأس وقال بصوت متحشرج: (بعد أن يتوقف القتال وتنسحب القوات أعتقد أنه لم يعد يبقى أمامي غير أن أذهب (يقصد الخروج من رئاسة الوزارة) ورد عليه مساعده بصراحة قائلًا (أنتوني… أظن أن استنتاجك صحيح). وخرج وتركه وحده في قاعة اجتماع مجلس الوزراء الفسيحة والمغطاة جدرانها بصور رؤساء الوزارات البريطانية السابقين. وقد أصبح محققًا أن صورة أخرى سوف تضاف في القريب إلى متحف الماضي البريطاني.

أما في (باريس) كان رد الفعل الأول للإنذار هو التحدي واتصل وزير الخارجية الفرنسي (كريستيان بينو) بوزير الخارجية البريطاني (سلوين لويد) يقول له إن (الروس يهوشون) ورد عليه (سلوين لويد) بأنه (كان يتمنى لو كان في استطاعته أن يجاري زميله الفرنسي في تفاؤله) ثم أضاف (لقد انتهى الآن اجتماع لمجلس الوزراء وتقرر فيه إيقاف إطلاق النار). وصرخ فيه (كريستيان بينو) قائلًا (لا يعقل أن نتوقف في وسط العملية) ورد (سلوين لويد) بأن (ما هو ضروري يجب أن يسبق ما هو معقول) وطلب (كريستيان بينو) (أن يعمل على إقناع “ايدن” بمواصلة القتال يومًا أو يومين) وقال (لويد) إن (ذلك فوق طاقته).

ولم تمض دقائق حتى كان (جي موليه) على التليفون مع (إيدن) وكان (إيدن) وحده في قاعة مجلس الوزراء وكما جرب (بينو) مع (لويد) – جرب (موليه) مع (إيدن) وكرر على (إيدن) أن (إيزنهاور رفض تلقى مكالمته) ورد (موليه) بأن (هذا ليس وقت مكالمات تليفونية واقترح أن يبعث إلى “إيزنهاور” ببرقية يطلب فيها موعدًا فوريًا له ولـ (إيدن). ووافق (إيدن) على الاقتراح وقال (إنه مستعد للسفر في هذه اللحظة إلى واشنطن).

وأبرق (موليه) إلى (إيزنهاور) يطلب موعدًا له ولـ (ايدن) وبعد ساعة جاء السفير الأمريكي في باريس (ديللون) لمقابلة (موليه) وليقول له: (إن الرئيس يأسف لأنه لا يستطيع أن يقابله لا هو ولا إيدن قبل قبول وقف إطلاق النار وإلا كان معنى ذلك أن الولايات المتحدة شريكة في مغامرة الهجوم على مصر بينما هي في الواقع لا شأن لها بالموضوع كله فقد رُتب من وراء ظهرها وأخفيت تفاصيله عنها عمدًا وليس يحق لأطرافه أن يلقوا عليها الآن بالمسؤوليات المترتبة عليه).

وقبل أن يخرج السفير الأمريكي من مكتب (موليه) قال له بشكل عام أنه (لا يتصور أن هجومًا سوفيتيًا بالصواريخ على بريطانيا وفرنسا مسألة سهلة فالسوفييت سوف يحسبون حسابًا لرد الفعل الأمريكي لكن المسألة معقدة بأكثر مما يبدو على سطحها).

وأعلنت الحكومة البريطانية – وبعدها بدقائق أعلنت الحكومة الفرنسية – قبولهما لوقف إطلاق النار ولسحب قواتهما من مصر!

(4)

“إن السوفييت يعتزمون تسوية إسرائيل بالأرض في اليوم التالي” جزء من تقرير السفير
الأمريكي في موسكو.

وفي إسرائيل كان (دافيد بن جوريون) مشغولًا ساعة صدور الإنذار السوفيتي فقد كان يستعد لإلقاء خطبة النصر في الكنيست بعد أن توقفت المعارك في سيناء. وفى هذه الخطبة أعلن (بن جوريون) تحديه للدنيا كلها على النحو التالي:

  1. أعلن أن اتفاقية الهدنة مع مصر قد ماتت ودفنت وليس في الوسع إعادتها للحياة.
  2. وبناء على ذلك لم يعد لحدود الهدنة بين إسرائيل ومصر أي احترام.
  3. وتأسيسًا على ذلك فإن السيادة المصرية على سيناء سقطت وأصبح شبه الجزيرة جزءًا لا يتجزأ من إسرائيل.
  4. ثم قال (إننا مستعدون للدخول في مفاوضات تهدف إلى سلام مستقر وتعاون وعلاقات جوار طيبة مع مصر بشرط أن تكون المفاوضات مباشرة ودون شروط مسبقة ودون ضغط من أي مصدر أيًا كان.
  5. واستدرك قائلًا (وإذا لم تكن مصر مستعدة للسلام الآن فسوف تحترم إسرائيل الخطوط الجديدة للهدنة طالما فعلت مصر نفس الشيء).
  6. ثم ختم (بن جوريون) خطابة قائلًا: (تلك هي مبادئ سياستنا في هذه الأوقات العاصفة وليس هناك تراجع عنها). (1)

    رئيس الوزراء الإسرائيلي (دافيد بن جوريون)

    وفرغ بن جوريون من خطابه ليجد أمامه نص الإنذار السوفيتي وعقد اجتماعًا لكبار مستشاريه يتدارس معهم هذا التطور الجديد وتقرر في الساعة الواحدة صباحًا أن يسافر على الفور وفد إسرائيلي مُشكل من (جولدا مائير) و(موشيه ديان) و(شيمون بيريز) إلى باريس لاستطلاع وجهة نظر الحكومة الفرنسية.

جولدا مائير

موشيه ديان

 

شيمون بيريز

وفي الصباح الباكر كان الوفد الإسرائيلي يشترك في اجتماع عاجل مع (كريستيان بينو) وزير الخارجية و(برجيس مانوري) وزير الدفاع. ويروي (حمامة السلام لدى بعض العرب) (شيمون بيريز) تفاصيل اللقاء مع الوزيرين فيقول: (وجدنا الفرنسيين منقسمين في الرأي حول مغزى التهديد السوفيتي ولم يكن أي منها مطمئنًا وقد دافع (بينو) عن موقفهم على النحو التالي: “إن فرنسا على استعداد لأن تشارككم في كل ما عندها ولكنها لا تستطيع إعطاءكم أكثر فسنكون بلا حول أو قوة أمام الصواريخ حتى لو هرعنا لمساعداتكم بكل قوتنا).

لقد بدا الوزير الفرنسي شديد القلق ونظر إلى التهديد السوفيتي بجدية واضحة وقال لنا (أُشير عليكم بألا تستخفوا بالإنذار).

ثم روى وزير الخارجية الفرنسية الواقعة التالية: (عندما وصل الإنذار السوفيتي كان المستشار الألماني (إديناور) مجتمعًا مع (جي موليه) في مكتبه وأطلعه على الإنذار فور أن فرغ من قراءته وعلق (إديناور) عليه بقوله لرئيس الوزراء الفرنسي (الأفضل ألا تكون لديكم أي أوهام فهؤلاء الأمريكيون لن يهرعوا إلى مساعدتكم على الرغم من حلف الأطلنطي).

وقد أقلقت عبارات المستشار الألماني رئيس الوزراء الفرنسي وعلى الفور أبرق إلى سفير فرنسا في واشنطن أن يستطلع الموقف في العاصمة الأمريكية دون إبطاء.

وتوجه السفير الفرنسي في واشنطن (هيرفيه الفان) إلى البيت الأبيض بغير موعد وقال إنه لن يغادره إلا إذا رأى الرئيس ولو دقيقة واحدة.
واستقبله (إيزنهاور) واقفًا وكان – وفقًا لبرقية من السفير الفرنسي في واشنطن وصلت قبل دقائق – شاحب الوجه وعصبيًا وكرر له المرة بعد المرة قوله (يجبب عليكم وقف هذه الحرب.. يجب عليكم الانسحاب من مصر.. إن موقفنا يطابق موقف الأمم المتحدة).

وعلى حين غرة التفت الرئيس إلى السفير غاضبًا وقال له: (دعني أقل لك هذا يا سيدي أن الحياة لا تعدو أن تكون سلمًا يصل أعلاه إلى السماء. وإنني شديد القرب من الطرف العلوي للسلم… وأريد أن أقدم نفسي لخالقي بيدين نظيفتين لم تلوثهما حرب نووية).(2)

الرئيس الأمريكي (داويت إيزنهاور)

ويمضي حمامة السلام! (شيمون بيريز) في شهادته فيقول: (بعد ساعة من مقابلتنا للفرنسيين اتصل بي في الفندق (برجيس مانورى) ليقول لي (إننى في حقيقة الأمر لا أملك دليلا موثقًا على ما أقوله لك الآن فمن رأيي أن التهديد السوفيتي “تهويش” لأنهم لن يثيروا حربًا عالمية ثالثة، ولكن هذا رأي شخصي ليس إلا).

ويصف (ديان) رد فعل (بن جوريون) إزاء الإنذار السوفيتي بقوله في يومياته: (لم يخف بن جوريون قلقه العميق تجاه الإنذار السوفيتي ولم يتجاهل الخطر الكامن فيه. ولكن ركبتيه لم ترتعشان ولم يستولِ عليه الذعر. وكان أكثر ما أثار حفيظته هو اختلاف الرسالة الموجهة إلى بريطانيا وفرنسا عن الرسالة الموجهة إلى إسرائيل وحدها. فالرسالة الموجهة إلينا صيغت بأسلوب الاحتقار والازدراء وحوت تهديدًا للوجود الفعلي لدولة إسرائيل). (3)

وتكهرب الموقف في مجلس الوزراء الإسرائيلي أكثر بعد ظهر يوم 7 نوفمبر عندما وصلت تقارير الوفد الإسرائيلي في باريس كاملة ومعها إضافة جديدة تتمثل في نسخة من تقرير كتبه (بوهلن) السفير الأمريكي في موسكو وقال فيه (إن السوفييت يعتزمون “تسوية إسرائيل بالأرض” في اليوم التالي). وحصل الفرنسيون على نسخة من التقرير وأعطوها للوفد الإسرائيلي في باريس.

كان مجلس الوزراء الإسرائيلي في حالة اجتماع مستمر ثم وصلته أنباء عن إسقاط طائرة بريطانية من طراز (كانبيرا) فوق الأراضي السورية وساد الظن بأنه لا بد أن تكون هناك في سوريا محطة رادار بدأ السوفييت في تشغيلها. وبعثت وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى مجلس الوزراء المنعقد مجموعة برقيات تضيف نذرًا أخرى فقد أعلن الأتراك (أن طائرات سوفيتية تخترق مجالهم الجوي على ارتفاع عال وأن السوفييت طلبوا من الحكومة التركية إذنًا بدخول خمس قطع بحرية عبر المضايق التركية للبحر الأبيض).

واحتدت المناقشات في مجلس الوزراء الإسرائيلي وارتفعت الأصوات وتم تبادل الاتهامات وأجهش بعض الوزراء في البكاء واضطر رئيس الدولة (بن زفاي) إلى التوجه عند الفجر إلى اجتماع مجلس الوزراء يطلب سرعة اتخاذ قرار لأن الموقف لا يحتمل الانتظار، وأبلغه (دافيد بن جوريون): (أن مجلس الوزراء قرر قبول وقف إطلاق النار وقبول مبدأ الانسحاب من سيناء!).

انتهى الجزء الثالث

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

محاضر الكنيست الإسرائيلي
شهادة شيمون بيريز في تقرير الدكتور مايكل بريشر
يوميات موشيه ديان
ملفات السويس – محمد حسنين هيكل.
Getty images
عرض التعليقات
تحميل المزيد