المقدس لدى الكثير تمثل في شخص ما قابله في حياته أو قرأ عنه في كتب التاريخ، أو ترعرع على تقديسه من قبل مجتمعه، ما ندركه عقلًا و لا نتصرف على أساسه فعلًا هو أن معرفتنا لهذا المقدس على المستوى الموضوعي ما زالت قاصرة، وكم منا من وصل لتقديس عقيدة ما، قبل تعمق حقيقي في تفاصيلها، ربما لأن هناك شعورًا بالترابط الوجداني وأنه قريب منا وألفناه سريعًا، وهذا الشعور هو ذلك الضباب الذي يحجب علينا حقيقية أننا لا نعرفه بما يكفي، ومن النادر أن يأتي فعل التعمق وإن أتى فهو آتٍ للتعزيز وليس للبحث الموضوعي. فكم من شخص دافع عن لغته وتبجح بميزاتها عن غيرها من اللغات وهو مجرد ناقل لم يتحدث غيرها ولم يدرس علوم اللغة أصلا. فلغتي أحبها لأسباب مغايرة عن ما جرى تداوله في مجتمعي، فقد مرَّ على آذاني الكثير ممن قدسوا اللّغة، هذا بالذات ينطبق على الكثير من الأساطير والفلسفات والديانات ورموزها وطقوسها وأعيادها. إن تقديس الشيء يسخف أي حديث موضوعي حولها، بل برفع من ضرورة نقده.

كان دائمًا رابط المقدس حاضر في الفلسفات، وهذه الأخيرة لم ترفض المقدس وإنما بحثت في أصله وتاريخه، فظل المقدس حاضرًا بين الأسطورة والفلسفة كما شهدنا ذلك في تاريخ اليونان. لو تمعَّنا في تلك المبادئ والأسس وأصل الكون وحركته، التي توصل إليها الفلاسفة لوجدنا شظايا الدين والأسطورة بداخلها. فالمقدس كان يطوف حوله التفكير الفلسفي ولذلك نرى الارتباط ظلَّ قائمًا. وبدوره كان المحرِّك للفلسفة اليونانية، لذلك وجد المقدس نفسه داخل تعبير الفلاسفة، وضمن فلسفاتهم ومحاولاتهم في التفسير والبحث في الطبيعة، فلم يعد بدون تعبير متعاليًا فوق كل الأقوال، بل غدا هو أيضًا قولًا وفعلًا في المجتمع اليوناني آنداك، حيث أنه لم يعد المقدس الغامض الذي يحوم حوله الضباب، بل جعلته الفلسفة في النور علنًا.

إذا ما علاقتنا اليوم بالمقدس؟

قد يصعب تقديس الأشخاص الأحياء حولنا؛ إذ يظهر منهم غير المتوقع فيكون ذلك صادمًا، لكن يسهل تقديس كل ما هو دون ذلك؛ أيديولوجيا، أو كيان فكري، أو شخصية تاريخية بعيدة زمنيًّا. على سبيل المثال المسيحي يفكر في مريم ليشعر أنه يشرب من نبع حنان لا نهائي، وبعيسى كي يشعر بالحب الذي يصعب وجوده بذلك الصفاء في الواقع، لكن هنا أيضًا نعثر على الإحباطات الخفية، نحن نعلم أننا لا يمكن أن نكون كلنا نساء عَذْرَاوَات لا متناهيات الحنان، ولا نستطيع تقديم الحب لأعدائنا، ولا يوجد منا من يعطي خده الآخر لمن يصفعه، شيء ما بداخلنا ما زال حزينًا لأنه ليس مصدر نور ملائكي لمن هم حوله.

فهل التقديس هو الحب الأسمى تجاه المقدس؟

إن حب الصوفيين لله، عده المسلمون غير الصوفيين جنونًا، والله عند البعض هو ليس موضع حب بل موضع تقديس، إن الخوف يملأ التقديس ويجعل من المقدس زجاجً هشًّا للاستعراض، ومن المقدس حارس غريب الأطوار على باب المتحف، فمن يأتي معبرًا عن إعجابه بهذه الزجاجة أهلًا به، ومن يأتي لغرض غيره كالنقد الفني لها فلا يريد أن يسمعهم أبدًا، سيغلق أذنيه ويأخذ الزجاجة لمكان آخر، أو يصرخ في وجوههم، أو بأسوأ الأحوال سيستخدم العنف.

إن اعتقادنا أن هناك أشخاصًا أعمالهم وأقوالهم وأفكارهم فوق النقد، سواء كانوا أنبياء، فنانين، سياسيين، مفكرين أو رجال دين، هو ببساطة دليل على أن هناك ميمات احتلت بعض زوايا العقل كليًّا فهذا هو التقديس. الخطأ هو شيء إنساني و طبيعي، ولا يوجد مصدر أو إنسان معصوم عن الخطأ إلا في عقول وخيالات مقدِّسيه. إنه التقديس يجعله يحافظ على صورة بطله، وأن لا يكسر صورته الخيالية الهشة، بمقارنتها مع الواقع، قد يكون هذا البطل المقدس ما طلب التقديس أبدًا، وإذا أحبط أحد معجبيه بمقابلته فهذا المقدس بريء كليًّا. فمشكلة الإحباط هي نتيجة حرب أهلية داخل ذهن المُقدِّس.

قد يكون المقَدَّس عاديًّا لكن يوجد ما يميزه في نظري من نواحي مهمة، لذلك ولو كانت لي فرصة للالتقاء به لن يكون لدي أي إحباط، لأني لا أسعى لتعليق آمال أو تصورات عليه لا يتحملها، لذلك انتقادي له شيء بديهي وطبيعي. إن النقد هو مفتاح تطور المجتمعات، والادعاءات القدسية والمعصومية وغيرها من سبل إغلاق قنوات الانتقاد هي أساس ركود المستنقعات الفكرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد