ماذا يفعل الفوتوشوب؟ إنّه يُغير الصورة، يُخفي الرتوش المَعيبة عند الفرد، جُرح قديم، خصلة شَعر انفلتت، وظهرت أمام الأنف مثلًا، أو ربما يكون التعديل المطلوب في الإضاءة الساقطة، وهكذا، أي أنّه يُعدل الصورة للتوائم مع نفسية الشخص الذي تم تصويره، لترضيته، و إسباغ ابتسامه على وجهه.

و قريبًا أو بعيدًا من هذه الفكرة، يبدو أنّ هُنالك بعض النصوص المقروءة، أو الأفلام، أو حتى بعض كلمات الأغاني، يُحب البعض التلاعب معها، يضيفون ما يريدونه، يعدلون بعض ما يرونه معيبًا (وهذا يحتمل وجهين، إمّا أن الشيء فعلًا يحتاج إلى تعديل، أو هي محاولة مداعبة حتمية، و إسباغ النظرة الشخصية على الشيء نفسه)، وهذا  اللعب سيحدث مع الفيلم الحاصل على جائزة أوسكار لأحسن فيلم أجنبي في عام 2016 (أي نطاق بلغة خلاف الإنجليزية)، فيلم  The Salesman (البائع) من كِتابة و إخراج المخرج الإيراني أصغر فرهادي.

وبعيدًا عن إضفاء نوع من العمومية أو الشمولية على الفيلم، ومحاولة حصره في زاوية مُحددة، ورؤية أحادية، فالفيلم في خطه العريض، يتحدث عن إحدى القضايا الشائكة التي تمس الواقع العربي بشكل خاص.

زوجة شابة تَهجم عليها آخر، أصيبت بجروح وصدمة عميقة، لم تُبلغ لا هي ولا زوجها الشرطة، ولكن الزوج لا يستطيع النوم، يريد أن يعرف هذا الذي تهجم على زوجته، محاولة الوصول له سهلة بعدما ترك هاتفه النّقال، ومفتاح سيارته (وترك كُل ذلك؛ لأنّه أعتقد أنّ البيت هو للسيدة اللعوب التي كان يتردد عليها، ولم يعرف أنّها تركت المكان وجاء آخرون).

تمر الأيام، يهتدي له الزوج، يأتي به في عمارة سكنية على وشك السقوط. الرجل كبير في السن، أراد حبسه حتى يأتي بأسرته ويتم فضحه أمامهم، وهنا تظهر العواطف الإنسانية الشفافة، ما بين وجوب الرحمة لهذا الرجل بسبب عمره، أم إلزامية إنزال العقوبة عليه.

آسف – عزيزي القارئ – إذا كُنت أقحمتك في بعض ثنايا الفيلم، وبعض عناصره الأساسية، ولكن تأكد أنّ ما قد تم ليس إلا نسمة رطبة تأتي في حر الصيف، لم تضر بالفيلم أي ضرر. فلابد أن ترى بنفسك الكادرات، وتعقد مقارنة ما بين الكادرات التي تُكرر في أماكن وبزوايا مُختلفة (ستعرف هذا الرأي بعد المشاهدة). لابد أن تعرف التفاصيل الصغيرة التي تفصح وتوضح كيفية العيش داخل المجتمع الإيراني، وما هي الحقوق التي للفرد هنالك؟ وما هي شكل الحياة؟ كيف يتعامل الأزواج؟ هل الطباع هي هي في الشرق؟ أو أنّ بهم مسّ من الغرب؟ وذلك جنبًا إلى جنب مع أداء الممثليين والممثلات بكل تأكيد.

ولكن لنعمل ماكينات العقل، ونلعب سويًا – عزيزي القارئ – لنكتب نهايات أخرى محتملة بعيدًا عن النهاية الميلودرامية التي كتبها فرهادي (استمتع بالفيلم واعرف النهاية، وتعال العب معي).

ماذا كان سيحدث لو أراد لويس بونويل أن يضع لمسات على نهاية الفيلم؟ تصّور أنّه تم تمرير الفيلم إلى ديفيد لينش ليُخرج النهاية؟ فهل كان سيرضى عن النهاية العاطفية باقتدار التي ستجعل أعين الجمهور تمسح الدموع؟

الدموع عند بونويل ولينش لا تفيد، لا تهم، المهم تفجير العالم، حبس أنفاس الجمهور إلى ما بعد اللحظات الأخيرة، المهم تغيير الحياة، أن يجعل الفيلم الجمهور يدور حول نفسه.

في نهاية الفيلم، نشاهد أن الأسرتين الضارة والمُتضررة من الأمر، قد اجتمعوا في بيت مهدد بالسقوط، وبعيدًا عن مُجريات الأمور التي حدثت، ماذا سيحدث لو كانت النهاية على نحو من التالي:

1- البيت يقع عليهم جميعًا، لن يستطعوا النجاة للتأكيد على مدى العبثية، فالرجل الكهل الذي فعل فعلته مات، أسرته ماتت، الزوجة المتضررة، وزوجها الذي كان يسعى لمعرفة ما حدث مات هو أيضًا، فما المصير النهائي للمعرفة؟ ، موت صاحبها وانغماسه داخل الأرض، حيث الدفن.

 

2- نفس النهاية السابقة تقريبًا، و لكن لن ينال الموت الشخصيات كلها، فالناجي سيكون الرجل العابث الكهل السبب في كُل شيء، والزوجة الشابة، والأمر من أوله إلى آخره كان تدبيرًا منهم، لإنهاء حياة الآخرين، ويكملان هما حياتهما معًا إلى الأبد.

 

3- نفس النهاية، حيث سقوط البيت و انهياره، ينجو الزوج وزوجته المتضررة، والرجل الكهل العجوز، وتموت عائلة العجوز كلها، العائلة التي كان يخاف أن ينكشف أمره أمامها، فيقف على الأنقاض ضاحكًا، مغرقًا في الضحك، حتى يموت فعليًا بسبب ضحكه.

 

4- نهاية أخرى محتلمة، التي سترتفع بحالة العبث إلى الذروة، وهو أن زوج الشابة نفسها مصاب بتعدد الشخصيات، بانفصام، فهو الذي تهجم عليها، وهنالك شخصية أخرى داخله تريد أن تعرف من الذي فعل ذلك، تصل له، وبالطبع لم تعرفه الزوجة؛ لأنّه دخل عليها ملثمًا.

 

كان ذلك مُجرد تصور للنهاية، وبالطبع إذا اعتمدت إحدى هذه النهايات، فلابد من التغيير داخل مجريات الأحداث في النص الأصلي، ولابد أن تتفاعل الكاميرا من خلال الكادرات المُنتقاة للدلالة على إحدى هذه النهايات.

هذه كانت اللعبة، هذا كان رسم آخر لنهاية الفيلم. ضف ما بداخلك للنص، وسترى جمالًا خلاقًا يجعلك تبتسم.

إذًا فما هو تصورك؟ وما هي رؤيتك؟

 

صورة لبوستر الفيلم :

صورة للمخرج لويس بونويل :

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد