قام الكاتب الأمريكي مارك كورلانسكي (Mark Kurlansky) في كتابه «الملح: تاريخ العالم (Salt: A World History)» بعمل رائع في تلخيص كيفية استخدام الملح واستغلالهِ على نطاق واسع في حياة الإنسان، فقد كان الملح في الواقع جزءًا رئيسًا ومهمًّا جدًّا في بناء الحضارة الإنسانية. ففي المراحل الأولى للبشرية – أو على الأقل الأيام التي سبقت التصنيع – كانت عملية حصاد الملح تستغرق وقتًا طويلًا وتتطلب عمالةَ – أيدي عاملة- كثيرة، مما يدل على أن الملح آنذاك كان سلعة ثمينة للغاية، وأن الأغنياء فقط هم من يستطيعون شراءه. حيثُ بلغ الأمر بالرومان لدفع رواتب الجنود ملحًا، فقد كان مهمًّا جدًّا لأشياء كثيرةٍ، مثل حفظ الطعام. في الحقيقة، فإن كلمة (salary) بالإنجليزية – والتي يقابلها «راتب» بالعربية- لها جذورها في الكلمة اللاتينية للملح. حيثُ إنها مستمدة من الكلمة اللاتينية (salarium)[1].

لذلك، ولكون الملح عنصرًا مهمًّا ومكلفًا للغاية في الحياة المادية للإنسان، فقد بدأ في إيجاد طريقه إلى العالم الميتافيزيقي والروحي للإنسان أيضًا. يظهر ذلك بكثرة في العهد القديم، وعلى الأخص في سفر التكوين، حيث تحولت زوجة لوط إلى عمود ملح بعد عصيان أوامر الله «ونظرت امرأته من ورائهِ (أي من وراء لوط) فصارت عمود ملح»[2].

وفي العديد من المعتقدات الشرقية، مثل البوذية والشنتوية، فإن الملح يستخدم مُطهرًا للشر أو لصده.

الملح في السحر الشعبي حول العالم

سلط عالم الفولكلور روبرت مينز لورانس (Robert Means Lawrence)، في كتابه الصادر عام 1898 بعنوان «سحر حدوة الحصان (The Magic of the Horseshoe)» الضوء على بعض طرق استخدام الملح في السحر الشعبي حول العالم.

في أجزاء من ألمانيا ونورماندي وأسكتلندا، يُستخدم الملح في ممخضة الزبدة أو حولها لمنع السحرة من إفساد الزبدة أو إيذاء البقرة الحلوب.

وفي العلاج الشعبي الأيرلندي أيضًا يستخدم الملح، وتتلى إلى جانبه الصلاة الربانية لعلاج أولئك الذين تعرضوا للمَسْ أو لهجومٍ من الأشباح وغيرها. قصة مماثلة تأتي من بافاريا وأوكرانيا، حيث يستخدم الملح لتحديد ما إذا كان الطفل مسحورًا.

كانت القوافل المصرية التي تنطلق في رحلة عبر الصحراء تؤدي طقوسًا تتضمن حرق الملح على الجمر الساخن. وذلك لاعتقادهم بأن هذه الطقوس تؤكد لهم أن الأرواح الشريرة لن تقف في طريقهم أو في طريق المسافرين.

[3] في كثير من الأحيان، يستخدم الملح في تعويذات التطهير، حيثُ يمكن خلطهُ أو دمجهُ في طقوسِ التلطيخ (smudging)[4] ورش الماء المقدس (asperging)[5]، وفي بعض تقاليد نيوويكا، يستخدم على المذبح لتمثيل عنصر الأرض. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الجماعات قد ربطت الملح بالمياه، وذلك بسبب أصوله البحرية. وفي بعض التقاليد يُستخدم الملح الأسود (Black salt)، وهو مزيج من الملح العادي ومكونات أخرى، في السحر الوقائي (protection magic).

الملح في السحر الشعبي الحديث[6]

لا شك في أن الملح قد حافظ على مكانتهِ في تقاليد السحر الشعبي الحديث، ومنها ما ذكرهُ الكاتب الأمريكي فانس راندولف (Vance Randolph) في كتابه «أوزارك ماجيك و الفلكلور (Ozark Magic and Folklore)» وهي بعض المعتقدات الجبلية التي كانت تستخدم الملح، وهي على النحو التالي:

«إذا سكب شخص ما الملح على العشاء، فهذا يعني أن شجارًا عائليًّا عنيفًا على وشك أن يحصل».

«يعتبر إقراض الملح لشخص ما حظًّا سيئًا لأن ذلك قد يؤدي إلى نزاع بين المقترض والمقرض. ولتجنب هذه المشكلة، فإذا ما حصلت على كوب من الملح من أحدهم، فقم بسداده بالسكر أو دبس السكر. وهذا يتفق مع بعض المعتقدات السائدة في أجزاءٍ من شمال إنجلترا وأسكتلندا، حيثُ يُنظر إلى إقراض الملح على أنه نذيرُ شؤمٍ ويجلب الحظ السيئ، وذلك لأن المُقتَرِضْ يمكنه استخدام الملح حلقة وصل سحرية، فيقذف عليك لعنةً أو يلقي عليك بتعويذة.

كما يمكن استخدام الملح للكشف عن وجود السحرة: في أوزاركس (Ozarks) ساد اعتقادٌ بأن السحرة لا يأكلون الكثير من الملح. لذلك إذا اشتكى شخص ما من أن الطعام مالحٌ جدًّا، فهذا مدعاةٌ للريبة! فهناك احتمالٌ بأن يكون ساحرًا. ناهيك عن إحدى الحكايات الأوزاركسية الفلكلورية التي تقول بأن المواشي المسحورة لن تستطيع مسَّ الملح.

ولعل أشهر الخرافات المحلية، أو هي بالأحرى أشهر نصيحة خرافية، التي تقول بأنه في حال سكبت الملح أو سُكِبَ منك، فيجب عليك أن تضع القليل منه على كتفك. فهذا من شأنه أن يجلب لك الحظ السعيد أو يبقي الشر بعيدًا عنك.

تعليق كيس ملح أمام باب المنزل[7]

في الثقافة الصينية والهندية، فقد ساد بأن وضعك لبضعِ جرامات من الملح داخل محفظتك سيجلب لك الحظ، ولكن من الأفضل لك أن تضعه داخل كيس بلاستيكي، ثم وضعه في مكان سري داخل محفظتك، وإلا فقد السحر قوته.

كما يمكنك جلب الحظ لمنزلك بوضعك أو تعليقِكَ كيسًا من الملح في منتصف باب منزلك الرئيس، على أن تُغيِّرهُ مرة كل شهر. فهذا من شأنه أن يمطرك ثراءً، فالملح يجذبُ الماء، والماءُ يعني الخير والحظ. أو يمكنك أن تضع الملح داخل حاوية بلاستيكية صغيرة في جميع أركان منزلك، مع تغيير الملح كل عشرة أيام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد