هزم العرب في مواطن شتى، فصاروا يتشبثون بكل قشة أملًا في النجاة. يقسم كل شعب في ميدان ثورته أن كلمته لن تنزل الأرض أبدًا فـ«تنزل المرة دي»؛ يتظاهر فيغتر بعدده ويكون قاب قوسين أو أدنى من النصر، ثم تنتزع منه أمانيه في آخر لحظة، ويأتي من بعده آخر ينكر على من سبقه، ويمثل بمجهوداته وينعته بالغفلة والتقصير ويخرج ثائرًا ليعود مهلهل الثياب، محطم الوجه، نازف الأنف، معترفًا أنه قد نال نفس «العلقة» طبق الأصل.

يذكرني عمق تشابه مشاهد الثورة بحادث وقع لي في صغري، حين كنت أعبر طريقا وصديقتي وقت الذروة، وفجأة ارتعبت من صوت آلة تنبيه سيارة نقل ضخمة؛ فتجمدت وسط الطريق، لينتهي بي الحال وقد سقطت فوق دراجة أمام عجلاتها، ليست النكتة هنا، بل كانت في صديقتيّ اللتين أرادتا الفرار من هذا المصير، فرجعت إحداهما للخلف، وتقدمت الأخرى مسرعة فسقطت كل منهما فوق دراجة أمام سيارة.

بدأ مسلسل ثورات الربيع العربي بتونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، وعادت روحها للانتعاش اليوم في ظل اندلاع ثورتين بالجزائر والسودان، تتعلق بهما قلوب الشعوب العربية علهما يكونان مفتاح سجنها داخل انقلابات وتدخلات أجنبية وحكومات قاتلة لشعوبها وصلت بفسادها حد خيانة الدين والأوطان، وأنظمة وكيلة للمحتل لا تخضع لمحاسبة تعتبر الوطن ملكية شخصية لأن رأسها رسول من عند الله يتحدث باسمه، ويدعو لدين جديد لينقذ الإنسان العربي من آثامه الفكرية ومن نفسه الأمارة باسترداد حقوقه.

إن أحلام الشعوب مشروعة؛ إلا أنها تستسلم لنظريات عدوها وتستخدم معطياته وتريد أن تحصل على نتائج مختلفة، وإليكم أوجه التشابه. أولًا: تحكم هذه الشعوب أنظمة عميلة زرعها المستعمر الأوروبي قبل أن يسحب جيوشه لا تستطيع أن تتخذ قرارًا إلا بتعليماته؛ ثانيًا: تتترس هذه الأنظمة خلف جيوش مسخت عقيدتها فأصبحت حارسة لها، وتلبست جسد الأوطان فتحول الجيش إلى دولة، وصار الفصل بينهما يتطلب هدم الدولة نفسها، أما الشعوب فهي مجرد زوائد يجرى استئصالها إذا ما حلمت بالتمدد، بالاضافة إلى أجيال غسلت أدمغتها منذ الصغر تصطدم بمن يفكر في إزاحة رأس النظام؛ لأنه الأب والمنقذ. ثالثًا: يشعل شرارة الثورة مجموعة من الشباب العلماني تطالب بإصلاحات وحين يتنازل الرئيس، ترفض كل الحلول ولا تهدأ إلا بإزاحة النظام بالكامل، ثم تلتف لتشيطن التيار الإسلامي الذي مثل لها الكتف الذي حملها لتطالبه بالعودة للدعوة وترك العمل السياسي. رابعًا: يعترف الجيش بالأحزاب الإسلامية ويؤمن ظهورها حتى يحين وقت قطافها. خامسًا: يظهر الطرف الثالث «من الجيش أيضًا» ليؤجج حمية الثوار ويحول المظاهرات لثورة تنتهي بخلع الرئيس. سادسًا: تبدأ الثورة سلمية ويراد لها في كل مرة أن تتحول لحرب اهلية. سابعًا: يرق قلب الجيش الحنون وينحاز إلى الشعب معلنًا أنه غير طامع في سلطة، فإما أن يتفكك لصالح حرب أهلية، أو أن يلجأ للحل الصعب، وهو المحافظة على المسار الدستوري للنظام السابق، وبعد قليل ينقلب ليمسك بزمام الحكم، إما ثوريًا أو ديمقراطيًا. يسير العسكر على نفس الدرب، ويثور الشعب بنفس الطريقة، فكيف بربكم ستكون النتائج مختلفة؟

مرت سبع سنوات عجاف لم يتناول المحللون خلالها حال الثورات بشكل ناقد يعطي كل ذي قدر قدره، فيبرز أوجه القوة وينتقد نقاط الضعف «بحيادية حقيقية بعيدة عن الهوى». تكمن القضية في أن المفكرين يخشون ربط الثورات وما تحملها من نبل الشعوب ورغبتها في التحرر، وبين مخططات الغرب في خلق شرق أوسط جديد، خوفًا من أن يبخسوا قيمتها أو أن ينكل بهم من صدقوا الحلم من الثوار! بل إنهم يهدرون قيمة نجاحات حققتها الثورات ومحاولات جاهدة لاتقاء الأخطاء! على سبيل المثال تجد متابعين للمشهد المصري يحكمون على نخبة قادت الثورة بالفشل، دون أن يربطوا مشاهد الثورات المختلفة ببعضها حتى لا يفقدوا شعبيتهم، أو كي لا يصنفوا كإخوان إن هم مدحوا فعلهم أو لئلا يعترفوا لهم بفضل فيحولون ذكاء مراوغتهم لخيانة وإن لم يكن فلغباء، فعلى سبيل المثال يقولون:

إن من سذاجة المصريين أن تركوا الميدان بعد تنحي مبارك! وأسألهم، ماذا حدث عندما تشبث الشعب برئيسه المنتخب في رابعة والنهضة، ألم يضرب بالطيران؟ وماذا حدث لاعتصام السودانيين؟ إن صبر الجيش لا يكون إلا لحاجة في نفسه يقضيها وليس خوفًا من الشعب، ولنا في عشرية الجزائر السوداء عبرة.

كان على المصريين أن يضعوا الدستور قبل الانتخابات! وأقول: فعل ذلك التونسيون، وانقلب عليهم الجيش ديمقراطيًا من خلف ستار؛ وفعلها علمانيو انقلاب يونيو فعدله منقذهم بجرة قلم.

ما كان على الإخوان أن يقدموا مرشحًا منهم، وأقول: فعلها إخوان الجزائر وها هم معلقون دستوريًا، في أفضل الأحوال سيتراجع العسكر خطوة وستؤجل الانتخابات لحين إحداث تغييرات مقبولة في النظام القديم، وسيظل الجيش الممسك بمفاصل الدولة محافظًا على نقاط قوته لا يتنازل عنها وسيجد الجزائريون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر.

خان الإخوان ودعموا وحدة الجيش! وأقول: لو هاجموه لمهدوا الطريق لانقسامه، لا يتعلق الأمر بثقتهم به، بل بمنع حرب أهلية يعلمون أنه سيدخلها حيز التنفيذ، تلك الحرب التي أراد أن يؤججها المنقلب كطرف ثالث في أول الثورة، ثم بالوكالة بعد رابعة والنهضة، لولا أن ضبط الإخوان أنفسهم وأطلقوا شعار السلمية الذي ما زالوا يعيرون به من قبل إسلاميين لا يدركون أنهم يخدمون بذلك عدوًا يجرهم إلى ما لا يحمد عقباه.

ما كان على إخوان مصر تصدر المشهد أو الفوز في الانتخابات! وأقول: تراجع إخوان تونس؛ ففقدوا شعبيتهم كفريق فاعل من قبل مؤيديهم وشوههم معارضيهم فلحقهم نفس المصير.

كان على الإخوان ألا يركبوا سفينة الثورة! وأقول: فعلها إخوان السودان، ولا أظنهم سيصمدون طويلًا، فالعسكر لن يقبل بذلك!

كان على مرسي أن يضرب بيد من حديد، وأن يختار من الجيش قيادات صالحة لتكون مصدر قوة له! وأقول: فعلها الليبيون حين كونوا جيشًا وطنيًا كان حفتر أبرز قادته، ثم ما لبث أن رأى في نفسه الأحقية بالقيادة، وها هو ينقلب اليوم على حكومة الثورة.

كان على مرسي أن يصنع ظهيرًا شعبيًا ليدافع عن الثورة! وأقول: استعان الثوار في ليبيا بميليشيات إسلامية وأخرى علمانية قامت بالإطاحة بالنظام واستبقوها بعد ذلك لملء الفراغ الأمني، فتضخمت أعداد الميليشيات، وسرعان ما تحدت الدولة الوليدة، ونشأ صراع بين الميليشيات الإسلامية وغير الإسلامية تسبب في خراب بوصلة الثورة.

كان على الثوار بعد الانقلاب أن يتخلوا عن السلمية! وأقول: فعلها ثوار سوريا، ولا أظن أن النتيجة تخفى على أحد.

متى نتوقف عن جلد الذات وندرك أن الاختيار دائمًا يكون بين مر وأمر، وإن الفخاخ أكثر من أن تتقى، فالثورات متاهة ذات باب للدخول، وآخر للخروج داخل متاهة أكبر، نحتاج أن نعي حقيقة ما نمر به، وأن نرتب قطع الأحجية لنكون صورة مكتملة، وقتها سنصنع أبوابنا الخاصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد