قبل أيام، وافق مجلس الوزراء التونسي على تحقيق المساواة بين الجنسين في الميراث، قانونًا للدولة المدنية، مع ضمان الحرية لمن يريد تطبيق مفهومه من الآيات القرآنية، بتحديد نسب الأفراد الوارثين. وهو بالتأكيد ما لاقى رفض في تونس ذاتها من التيار الإسلامي، الذي دخل في سجال مباشر مع نظيره العلماني. إلا أن اللهجة احتدت من شرق القارة، وبالتحديد من الأزهر.

فتوغل الأزهر في كيل العبارات المنتقدة، اللاذعة، لمن تخول له نفسه مجرد التفكير في مثل تلك فرضية، في بيانه المنشور في يوم السادس والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أسند فيه مبدأه على المَواطن التي يراها ثوابت في القرآن الكريم، وأنه لا اجتهاد في النصوص الشرعية.

وعلى جانب آخر صرح الدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، والذي خالف الرأي العام الأزهري في عدة مَواطن، بأنه من الممكن تطبيق المساواة في الميراث، وأرجع كلامه إلى مبدأه؛ في أن الفقيه تتغير فتواه كلما اتسع إدراكه، وغزرت ثقافته، فهو يرى أن الأنصبة في الميراث حقوق، وليست واجبات كالصلاة وغيرها من الفرائض.

ولكن في وسط دعوات كثيرة لشطب الدكتور هلالي من قائمة علماء الأزهر، ومنعه من التدريس، إثر تصريحاته بخصوص المواريث، تبرأت جامعة الأزهر من تصريحات الدكتور هلالي، معتبرةً ذلك جهلًا بالتفاصيل الحكيمة لصور ميراث المرأة في الإسلام، حسبما ورد في بيان الأزهر.

وبالطبع اشتعل الشارع المصري بالانقسام بين مؤيد ومعارض، لما تركه الأزهر من لهيب في النفوس، بالرغم من أنه اصطف الكثيرين في الجهة الأخيرة مُشهرين حملة الدفاع عن الدين والشريعة الإسلامية، مرددين عبارات وأحكام أوردها الأزهر في بيانه، بل زاد عليها بعضهم.

وما هي إلا أيام، حتى خرج علينا الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، بفتوى تحريم لعبة «PUBG» الشهيرة والمفضلة لدى العديد من المستخدمين، مصرحًا بأنها «حرامٌ شرعًا».

وجاءت الفتوى في خضّم رفضٍ وشجب واسع من الإعلام المصري الموالي للنظام. وعليه رأى البرلمان المصري أهمية وضع اللعبة محل نقاش في جلساته، وهو ما يعكس سخط السلطة العنيف على تلك اللعبة، لسبب غير مفهوم.

ولكن على نقيض من الرد الشعبي الواسع الرافض للقانون التونسي ذي فكرة المساواة في الميراث، لاقى تصريح الدكتور كريمة سخرية واسعة جدًا، وأصبح ذلك التشريع، بـ«حُرمة» اللعبة، موضع استهزاء المستخدمين من عوام الشعب المصري، والتي تقدر أعدادهم بالملايين، ولم نجد مناصري الدين أو الأزهر، في قضية المواريث، ينظمون حملاتهم لمقاطعة اللعبة مثلًا.

وهنا ينبغي أن نسأل ما ورد في العنوان: المؤسسة نفسها، الأزهر، والتشريع نفسه، بمخالفة الشرع، ولكن رد الفعل مختلف؟! أعتقد أن الإجابة السليمة عن هذا السؤال ستمدنا بالحلول الراديكالية كفايةً لفهم بواطن فكر الغالبية المصرية.

ينبغي لنا ابتداءً عنصرة الفئة ذات الأقلية في طبقات المجتمع المصري، والتي أيدت القانون التونسي. يمكننا أن نراها في التيار اليساري المدني، الاشتراكي العلماني، وهو ما يسّهل تصنيف الفئة الأخرى، المدافعة عن الدين، في صورة اليمين الراديكالي النخبوي.

وهو ما يجعلنا نعود لفرنسا عام 1870 بعد أن مُنيت بالهزيمة من ألمانيا، وانتشرت فيها الاشتراكية الماركسية، والنقابات الثورية في ظل فترة كارثية على مستوى الصراع الإمبريالي الفرنسي البريطاني، ومعارضة الكاثوليك للمساعي الجمهورية لإقامة دولة قومية ليبرالية ديمقراطية.

ذلك كله ساعد في تكوين يمين راديكالي فرنسي يضم ملكيين ساخطين على الجمهوريين، كاثوليك يأسوا من مواجهة التيار العلماني، وقوميين ممتعضين من انحدار سمعة بلدهم بتوانيها في ثأرها من ألمانيا.

كل ذلك جاء ممتزجًا بروح الجمعية القومية الإيطالية التي نشأت في عام 1910 على سحق الليبرالية المؤنثة، وإحلال الذكورية محلها، والتي رأت ألا سبيل للحرب لتحقيق، أو بالأحرى لفرض، مفاهيمها.

قياسًا على ما سبق، يمكننا تحديد ماهية اليمين المصري؛ فنجد من يعتلي القائمة أصحاب القومية المفرطة، والهوية المصرية التي لا تُنازع. ينبثق من هذا الفصيل، الفصيل النخبوي القومي ذي الهوى العسكري، وأخيرًا التيار الإسلامي.

يمكننا الجزم أن اليمين المصري بما يملكه من تنوع من التيارات، يملك سمة رئيسية لا ينفك يستخدمها حتى الممات، وهي استغلالٌ وضيعٌ للعواطف بما يمكّنه من مبتغاه، إلى جانب الذكورية السلطوية، يشكلان معًا القوام اليميني المصري.

ولذلك نرى ما نراه من استغلال للوطنية أو القومية، أو للدين في مواطن عدة؛ مثل طاعة ولي الأمر، أو الممارسة الذكورية. فما نراه من اليمين المهيمن من ذعر لا يوصف حينما يتعلق الأمر بخروج المرأة من كنف الذكورية، كما الحال في المواريث، يعد أكبر مثال على ذلك.

فنجد اليمين يبرر بكل السبل أيًا كانت، ليحافظ على مكانة الذكورية متربعة على العرش الذهبي للسيادة المجتمعية، ربما إرضاءً منه للغالبية الذكورية المنتشرة في المجتمع استجداءً للمحافظة عليهم في صفوفه، وهو ما يتضح في اختلاف الموقف في الحالتين، الأولى حينما تعلق الأمر بتساوي المرأة مع الرجل، والأخرى حينما تعلق الأمر بالهوى أو المتعة، وهو ما يعرّي عنصرية المجتمع المصري تمامًا.

وهذا يقودنا في النهاية للبحث عن حلول لمثل تلك أزمة يمتد أثرها إلى ما هو أبعد من خلاف فكري حول المواريث، هي أزمة تصل لجذور المجتمع، لذلك تحتاج لحلول راديكالية سياسية، ثقافية، ومجتمعية.

على الحكومة أن تنتهج إصلاحًا سياسيًّا يدعو للديمقراطية والمدنية، ويتيح الفرصة أمام اليسار – على أقليته– للمشاركة في اختيار المسارات السياسية أو على الأقل الأيديولوجيات المجتمعية – في ظل تعديلات دستورية مرتقبة– وبالتأكيد هذا يفضي إلى ضرورة انتهاج اليسار حلول جديدة، مرنة ومختلفة يستطيع من خلالها أن يستأثر بتأييد الجموع الشعبية.

وهذا لا يفضي إلى سحق اليمين؛ فهذا مستحيل، إنما إلى تقليل سطوته على المجتمع. فمن منا لا يرى تلك المجاملات العلنية من السلطة تجاه ذلك اليمين، وخاصة للفريقين ذوي الهوى الديني والعسكري؛ فكلاهما فاشي ويستدعي الاهتمام من الحكومة.

فهذا ينقلنا إلى المسؤولية الفردية الملقاة على كل فرد فينا، من خلال التشبث بالتوعية ولو على مضض، إلى أن نجد الدولة تعطي منظومة الأسرة مزيدًا من الاهتمام الثقافي والفكري، ينتقل بدوره إلى كل فرد في المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد