ظاهرة تقديس الزعيم العربي تم تكريسها دائمًا عبر تاريخها لحكم الفرد وظهور الدول الشمولية والديكتاتورية، كما وساهمت في إنتاج طبقة حاكمة، ركبت ظهور العباد والبلاد ونهبت المال العام، ووضعت الخطوط الحمراء أمام كل مساءلة، وذلك من مبدأ أن كل ما يصدر عن الزعيم، لا يناقش ولا يجادل فيه، لأنه لا يخطئ أبدًا، أما الطرق والأساليب التي استخدمت لتقديم قرابين الطاعة وحتى العبودية لشخصية هذا الحاكم القائد، فبدأت بفبركة الرموز وكتابة تاريخ مبتكر وتلقينه للناس، وهذا كله جعل الشعوب تؤمن بسذاجة أن هناك أشخاصًا وبشرًا طبيعيين يملكون مؤهلات غير طبيعية، ويمكنهم أن يحققوا معجزات تتجاوز قدرات الأفراد العاديين، مما يترتب عليه اختصار كل السلطات ومؤسسات الدولة في شخص واحد.

فالقائد الزعيم منح نفسه سلطات تتجاوز سقف ما هو متصور، كما ويزيد تقديسه من طرف العامة عندما يعمل على تفكيك كل مؤسسات المجتمع المدني من نقابات وأحزاب وجمعيات أهلية، حتى يصبح الشعب عاجز عن بناء مستقبله بعيدًا عن تصورات وخطط هذا الحاكم حول مسارات المستقبل، حيث إن الزعيم ممسك بكل الخيوط، ومدرك لكل تفاصيل دولته ومواطنيها، وبيده الأمر والنهي، والمنع والعطاء إلى درجة تأليهه وعبادته، كما أن التهديد بوجود قوى خفية، سواء كانت داخلية أو خارجية، تعمل على تهديد الاستقرار، تساهم في جعل العامة أكثر انقيادًا لمشاريع وتطلعات هذا القائد، إضافة إلى العمل على التشكيك في نزاهة النخب، والعمل على نزع الثقة بكفاءاتها واتهامها بالعمالة للخارج، واستبدالها بنخب أخرى أكثر ولاء للقائد الرمز ولأيديولوجيته.

هذا وقد أصبح الإعلام بشكل عام والرقمي بشكل خاص من أهم الأدوات الإستراتيجية في عمليات تشكيل المعتقدات وصناعة الأفكار والرأي العام، حيث إن الحكومات والتنظيمات تستخدمه في قيادة الرأي العام وتوجيهه وفق ما يخدم مصالحها، ومع التوسع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة وتكنولوجيا المعلومات الحديثة، فقد تم عولمة الكلمة والصوت والصورة، وتعميق تأثيرها في تفكير الإنسان المعاصر وقيمه ووجدانه وسلوكه، وذلك باستمالتهم إلى قضية ما، واللعب بمشاعرهم وعواطفهم، وإعادة تشكيل مخزونهم الثقافي وذائقتهم الجمالية ومنظومتهم القيمية، وتكوين وإعادة تكوين نظراتهم تجاه الوجود والحياة، وبذلك أصبح الإعلام الرقمي يفوق في تأثيره الفكر الأيديولوجي الشمولي السائد عند الأفراد في الأحزاب والحكومات والدول.

وهكذا أصبح تغييب العقل واختلاق الوهم يشكل تصورات البشر ونظراتهم إلى مختلف الأمور والقضايا ووعيهم لها، خصوصًا في المجتمعات المستهلكة لمنتجات الثورة المعرفية والتكنولوجية، كما عمدت الأنظمة الشمولية الاستبدادية إلى تسخير الماكينة الإعلامية لتحقيق أغراضها الأيديولوجية في كافة المجالات حتى تصب في مصلحة بقائها وسيطرتها، بحيث يتم تزييف الوعي الجمعي من خلال الخلط بين الحقيقة والوهم وتضليل الرأي العام، وجعله عاجزًا عن تحليل الواقع ومعطياته تحليلًا علميًّا أو منطقيًّا، وبالتالي يسهل توجيهه نحو أهداف معينة، لأن جلّ اهتمام صانع القرار في هذه الدول هو تغييب العقل ونشر إشاعات وأكاذيب تخفي الحقيقة عن الناس، وذلك لاستمالتهم وتشويه الوقائع لديهم لدرجة تدفعهم إلى تبني مواقف محددة ومجهزة مسبقًا، وقابلة للتغير مع تغير أهداف صانعها، وهذا هو التلاعب بالعقول، الذي يفصل الناس عن واقعهم، ويشوه رؤيتهم لقضاياهم، أي عملية بيع الوهم للناس مخلوطًا بالحقيقة المشوهة.

إضافة إلى أن تلفيق أحداث لا أساس لها من الصحة، وزرع مفاهيم وقيم ومعتقدات وعادات وتقاليد بالية، بغرض تشويه الواقع وإفساد المجتمع، هذا كله جعل الناس يتقبلون الواقع المرير الذي أصاب بلادهم من فساد وسرقة وجوع ودمار وخراب ودماء وتهجير، أما نظرية المؤامرة فتستعمل غالبًا لتفسير ظواهر مجتمعية غامضة، أو أحداث عنيفة تهز المجتمع، أو حتى مواقف خطيرة تحمل في دلالتها وجود تآمر لنسف جميع الحقائق والبراهين والتفسيرات المحيطة بتلك الأحداث، وعادة ما يتم بناء محتوى هذه النظرية بالاعتماد على عواطف وأحاسيس وقناعات مسبقة، تفرضها لعبة المصالح دون أي سند حقيقي أو منطقي، كما ويزيد انتشار نظرية المؤامرة في الفترات المصحوبة بالاضطرابات، كما هو الحال أعقاب الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات والأوبئة، أو خلال الاحتجاجات السياسية والأزمات الاقتصادية والثورات والحروب، وذلك من أجل شيطنة المحتجين وتصويرهم على أنهم عدو، وبالتالي شرعنة استخدام العنف ضدهم لكسر إرادتهم السلمية في التغيير.

لكن الذي يميز المنطقة العربية عن غيرها من المناطق أن نظرية المؤامرة تنتشر فيها كالنار في الهشيم، وتجثم بقوة على التفكير السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يغيب العقول ويفسد الوعي الجمعي فيها، كما ويتكرر سوق نظرية المؤامرة عند كل خطب جلل أو حدث خطير، وذلك من أجل تغييب العقل وتزييف وعي الشعوب لتبرير تخاذل حكام هذه الدول والتهرب من مسؤولياتها، وأيضًا عوضًا عن القيام بفعل شيء ما لإنقاذ الناس من هذه الأخطار الداهمة، أسوة بكل دول العالم التي تحترم نفسها وشعوبها.

أصبح تأليه الزعيم والسلطة يمثل قاعدة كل نظام استبدادي، والجيد في الثورات على الرغم من هزيمتها في أحيان كثيرة، فإنها عملت على تحرير عقل الإنسان من الأوهام بأوجه كثيرة للحقيقة، ومن أسر نظرية المؤامرة التي أصابته بالكسل وشلت قدرته على التفكير واجتراح الحلول، وجعلته يرى الأحداث والأشياء والأمور والقضايا على حقيقتها، فيتصدى لها بالعلم والعمل، كما أن الثورات أنشأت مناخًا طاردًا لعبادة الشخصية والتوريث، لأن الثورة تحاول أن تقوم على اجتثاث الفساد الكائن فينا وفي الآخرين، وذلك حتى نبدأ بتغيير الذهنيات ليتغير المستقبل، فالعبرة ليس في تغيير القادة والزعماء والحكومات، بل في تغيير العقليات، وذلك للوصول إلى عصر جديد بثقافة مغايرة، ترتكز على قواعد الحق والقانون وبناء دول ديمقراطية حديثة، ووضع خطوط حمراء تكون عوائق تمنع أي حاكم أو مسؤول عن عزل من يشاء وتولية من يشاء، وتحول بينه وبين إخضاع القضاء والإعلام والإدارة والأمن لسلطته الكاملة.

عبادة الزعيم وعبادة الصنم تعبير عن عبادة الهوى، وهو ما يحول جماهير الغافلين إلى مغفلين، والجماهير هنا هي تجمع عدد من الناس ممن تذوب وتتفق رؤاهم معا لتكوين رؤية واحدة، والتي قد تختلف عن رؤية الفرد منهم وهو بمعزل عنهم، وهذا يمثل الرغبة الجماعية متجسدة في شخص واحد، والرغبة الجماعية لدى الجماهير الغافلة هي حقوقها التي يتوهمون بأنه سيأتي بها الزعيم لهم ويجعلهم يمارسونها ويستمتعون بها، فالزعيم هنا أصبح هو الإله الذي سيحقق كل أحلامنا ويعفينا من كل الواجبات، وينتصر على أعدائنا.

وهكذا فإننا نلاحظ أن السيطرة على الجماهير والتحكم بها (التنويم المغناطيسي) هدف يسعى من خلاله الزعيم القائد إلى إبعادهم عن واقعهم وصرفهم عن التفكير في حقوقهم، فهو يخدرهم بالوهم فلا يتأملون ما يحدث حولهم، كما ويلقنهم ما يريد ثم يقول بأنهم هم من يريدون وليس هو، ويثير حماستهم بشعاراته ويدفعهم لتحقيق مخططاته، لأن كل ما يقوله هؤلاء الزعماء/الحكام/الرؤساء/الملوك يغزو عقول الجماهير سريعا، بحيث تتجه إلى أن تحوله حركة وعملًا، وقد تندفع لتنفيذه إلى حد التضحية بالنفس، وذلك لأن في الحالة الجماهيرية تنخفض الطاقة على التفكير، وتطغى الخصائص والسمات التي تصدر عن اللاوعي مثل سرعة الانفعال والتعاطف والاندفاع والغضب.

فالجماهير وإن كانت علمانية ولا دينية في تحركاتها، إلا أنها تبقى لديها ردود فعل دينية، تفضي بها إلى عبادة الزعيم والخوف من بأسه وسلطاته، وإلى الإذعان الأعمى لمشيئته، فيصبح كلامه أمرًا لا يناقش، والذين لا يشاطرون هذه الجماهير إعجابها بكلام الزعيم يتحولون إلى أعداء، وكل ذلك سببه الغفلة والاستعداد النفسي للجماهير لتقبل ذلك، فرجعنا بذلك كالشعوب البدائية في السياسة، لهذا يجب العمل على أن تطالب الحشود الجماهيرية دائمًا بالحريات وترفض التطرف القبلي أو الديني أو المذهبي أو العرقي، وأن تدعو إلى التغيير والتجديد ضد الأنظمة الدكتاتورية، لأنه ليس بالأمل وحده تحيا الشعوب، بل بالعمل المثابر والاجتهاد المتحضر وكثير من الأشياء الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد