«نظرًا لعشق المصريين القدماء للفكاهة والضحك, يقال إنهم اعتقدوا قديمًا أن العالم خلق من الضحك، فحين أراد الإله الأكبر أن يخلق الدنيا أطلق ضحكة قوية فظهرت السماوات السبع، وضحكة أخرى فكان النور، والثالثة أوجدت الماء إلى أن وصل إلى الضحكة الأخيرة ومنها خلق الروح».

«بس» إله الضحك والمرح عند المصريين القدماء

ونظرًا لاهتمام المصري البالغ بالفكاهة والهزلا، فقد خصصوا إلهًا للضحك والمرح وهو الإله «بس» بكسر الباء، والذى كان يصور على هيئة قزم منتفخ الوجنتين، وله ذقن تشبه المروحة، وترتسم على وجهه علامات الوجوم لتثير الرعب في نفوس الأشرار، وكان يحظى بشعبية كبيرة خلال الدولة الحديثة وحتى وصلت الفكاهة إلى قمتها في عصر الملك إخناتون، نظرًا للحرية الشديدة في الرسم والتصوير.

طالما سمعنا عن طابع المصري الساخر «ابن النكتة»، الكوميديان في الفرح والحزن! ساخرًا من نفسه في صورة نكتة أو لغة جسدية وحركات تعبيرية.

ساخرًا من المشكلة، فدومًا لديه البديل ولديه الحل. وهو من جاء للعالم بلقب «الفهلوي»، أي الساخر سريع البديهة والملاحظة ورد الفعل. وهو من لا يسمح لأحد أن يسخر من شخصه أو ثقافته عن ازدراء أو تحقير فحينها يكون بطل العالم في «الإفيه» وسرعة ابتكار أسماء وردود ساخرة تليق بمن يسخر منه.

وهكذا كانت السخرية طابعًا وسمة أساسية من سمات الشعب المصري، وإن خرجت أو انحرفت في أوقات عن مبادئ «السخرية البناءة» التي ينتقد بها حماقته وحماقة المجتمع ككل بصورة مضحكة من أجل التقويم.

فكلما انحرفت السخرية عن مفهومها الحقيقي تجد من يسخر قد بدأ يتجه إلى الاستهزاء بشخص أو شعب أو إعاقة ليس لعقل إنساني إرادة فيها! فغرض السخرية الحقيقية نقد الأفكار والمواضيع دون «شخصنة» أو هجو أو تسخير السخرية لأهداف شخصية على حساب مصلحة وطن. فقد كان التاريخ شاهدًا على تفوق المصري في استخدام «سلاح السخرية» بعبقرية ودهاء أفقدت الكثيرين من الحاقدين ثقتهم في أنفسهم وفيما يمتلكون من قوى.

فسخرالمصري من خصومه فأصابهم بعقد نفسية. فهو كما يقولون «مالوش كاتالوج» أي أنك لن تستطيع أن تتنبأ بردود أفعاله لقدرته على تخليق البديل بقدرات عقله في «التفكير الإبداعي».

فالسخرية طبقًا لأحدث الأبحاث تعمل كعامل «محفز» لقدرات «التفكير الإبداعي» و«التفكير التجريدي». فكان بإبداعه صاحب الحلول والبدائل والردود الصادمة، وكان بتجريده موضوعيًا صاحب ظل خفيف لا ينقد شخصًا بعينه وإنما ينقد فكرة.

أما عن استخدام قدرات السخرية إما إيجابية أو سلبية، فتحده وتوجهه المبادئ الأخلاقية والاجتماعية السائدة. فكلما قل الوعي وضعفت المبادئ انحرفت السخرية عن الاتجاه الإيجابي لها بوصفها أداة قد تستخدم إيجابيًا أو سلبيًا وفي الوقت الملائم لذلك. ومع زيادة الوعي  يزيد قدر وأهمية سلاح «السخرية» باعتبارها عاملًا من عوامل «التقويم» والتنبيه و«صد الغزو النفسي».

فـ«المصري الساخر» قد بنى بتفكيره الإبداعي والموضوعي حضارة لم تزل فريدة شاهدة على عبقرية وإبداع. وكذلك صد غزوات نفسية بالسخرية، فقد تمكن من التتار رغم استخدامهم للحرب النفسية «كالشائعات» ودخلوا البلاد دون حرب إلا «مصر»، فقد كان المصري الساخر في انتظارهم. هم ينشرون الشائعات عن قدراتهم ووحشيتهم والمصري منهم ومن قوتهم «ساخر».

فـ«المصري الساخر» وقت الحروب يلبس البيادة ويحمل سلاحه ويتحول إلى «الجندي الساخر». ساخر من الأعداء ومن الموت في سبيل وطنه .ساخر ثابت الخطى يمشي ملكًا!

فما بالي ما عدت أرى «المصري الساخر» إلا في قليلين وأكثرهم آخرون أهانوا السخرية بانحرافهم عن موضوع السخرية إما لزيادة عوامل التجهيل، أو لتوافر بيئة يرقى فيها السفيه ممن لا يعلم الفارق بين الجهل والأمية ويحارب فيها المجتهد الذي يسعى إلى الجمال والخير والحق.

ولكن أصبح سرعان ما يتقلد السفهاء مراكز المسؤولية كالإعلام والهيئات الرقابية التي تعد إحدى أهم مسؤولياتها هي «حماية الوعي» وتنويرالعقول والوقوف ضد التجهيل والتضليل «الذي أصبح هو الحال الآن».

حينها تتحول قدرات السخرية الفكرية من سلاح «معك» إلى سلاح «ضدك». فيكون باسم السخريةِ الاستهزاءُ والتحقير من شخص الآخرين ، و(السخرية مما يحدث هنا براء).

فيسود في النفوس الغل والأحقاد حتى تنقاد ضد بعضها البعض في خناقات ثم صراعات تتحول إلى معارك «قبلية» طائفية.

فما لي ما عدت أرى «المصري الساخر» صاحب المبدأ في سخريته، ذا الشهامة في سخريته، ذا هدف راق في سخريته؟!

فأصبح الساخرون أو من يمتلكون حس الفكاهة دون مبادئها يستخدمون حيلها بإبداع ومنطقية في ضرب المصريين في أنفسهم. وأصبح الساخر السياسي يتفوه عن «تضليل وتجهيل وشخصنة وتشتيت» في سبيل «المصلحة الشخصية».

ولكن يظل دومًا «المصري الساخر» صاحب الكاريزما الأقوى حين يتمسك بمبادئه «مبادئ السخرية» وكذلك هم «العظماء» الذين لم يسخروا من أجل مصلحة شخصية على حساب وطن. ولذلك إن ظهر «المصري الساخر» اختفى بجانبه «الساخرون الخاسرون».

ومع زيادة الوعي في أدمغة الناس عن ماهية «السخرية» وما هي قدرات المصري الساخر الإبداعية يقل استساغة الساخر الخاسر ويزيد تقدير المصري الساخر. ومع زيادة المعرفة بمهارات المصري في التفكير والانتقاد وتحليل ما يقال وما يحدث، يكفي حينها التوجيه وتوفير البيئة المناسبة حتى ترعى بذور الإبداع ويتم الاستفادة منها في حل المشكلات و«إدارة الأزمات».

خاصة في فترات الحروب وزيادة الضغوط التي تستهدف كسرالنفوس وتوصيلها إلى حد اليأس والإحباط، وبالتالي الوقوف أمام استغلال قدرات السخرية المصرية واستخدامها من قبل مدعي الوطنية ضد المصريين، وضد قيمهم ونقاط قوتهم وثقتهم «عن جهل أو عمد»!

فكما كانت السخرية دومًا حائط صد وأداة إبداع، يمكن تحويلها لأداة دمار شامل ضد من اخترعها!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد