3,498

لم تكن حرب البسوس بين العشائر بكر وتغلب، والتي استمرت لـ40 عامًا، قبل 1600 سنة، مجرد عشائر تنازعت بأمر ناقة، بل كانت صراعًا على موارد المياه عصب الحياة الاقتصادية لعرب الجزيرة آنذاك.

والأمر ذاته يتكرر اليوم، فالعربية السعودية يقوم اقتصادها بما يقارب 98% على الوارد النفطي، وكان على المملكة تحمل أعباء الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم منذ 2008، ولم تكد تلتقط المملكة أنفاسها حتى ضربت سوق النفط حمى انهيار الأسعار التي سجلت أدنى مستوياتها في يناير (كانون الثاني) 2017، والذي انحدر عن 30 دولارًا للبرميل الواحد.

في الوقت الذي رفع المجتمع الدولي العقوبات الاقتصادية عن إيران؛ مما يعني زيادة في معروض النفط في الأسواق، ذلك المعروض المتخم أساسًا، ومن المتوقع أن تبلغ إيران ذروة الإنتاج في عام 2020، وفي إطار استعادة الإمكانات النفطية عقدت إيران اتفاقية مع شركة توتال مؤخرًا، ووفقًا للتصريحات الرسمية فإن الطاقة الإنتاجية للمشروع ستصل إلى ملياري قدم مكعبة يوميًّا، أو ما يعادل 400 ألف برميل من المكافئ النفطي.

فلم تكد المملكة إسكات هدير مكنات النفط الليبية والسورية والعراقية لدعم أسعار النفط؛ حتى انطلقت من إيران، كما أن العودة السريعة لضخ النفط الليبي النيجري مؤخرًا خيب الأسواق السعودية مرة أخرى، إذ دأبت المملكة على تعزيز الصراعات العسكرية في كلا البلدين من خلال دعمها لجماعة «بوكو حرام» الإرهابية، وجماعات إسلامية في ليبيا؛ لتعطيل تصدير النفط، ولكن ما لبثت تلك الدول أن استعادت جزئيًّا قدراتها الإنتاجية، والأمر الذي زاد الطين بلة، ظهور النفط في السواحل اللبنانية؛ مما دعا المملكة لافتعال استقال رئيس الوزراء اللبناني في عملية هي الأعجب من نوعها في التاريخ العربي المعاصر، وكان الهدف الواضح هو استجرار «إسرائيل» للتحرك وقطع دابر أي قطرة نفط لبنانية، وإن لم تفلح تلك المحاولة إلا أن فتيل الحرب لا زال قائمًا، ولا تعدم الدول المستفيدة الأسباب.

تفاقم العجر في الميزانية السعودية، وأشارت التحليلات إلى أن المملكة ستعلن إفلاسها في 2020؛ إذا استمرت الحال على ما هو عليه، فكان لا بد من فرض التقشف لإنقاذ البلاد، وفعلًا أطلق ولي ولي العهد حينها مشروع 2030 الذي يقتضي إلغاء بدلات الموظفين، وتسريح العمال الأجانب، وانهارت مباشرة المشاريع الخاصة، وسرح الآلاف من العمال الأجانب، ودخلت البلاد في دوامة التفقير، إلا أن أزمة الحكم السعودية حالت دون استمرار المشروع، فكان على محمد بن سلمان استرضاء الناس بعد انقلابه على عمه، بأن أعاد البدلات بأثر رجعي، وحسب وزارة المالية السعودية فقد كلف الأمر 1.3 مليار دولار إلى 1.6 مليار دولار.

فلم يبق للمملكة إلا خيار وحيد لضمان استمرار الحروب في الشرق الأوسط وإشعال ما أمكن منها، فلم تكف المملكة عن شيطنة الجانب الإيراني، كما جرت المنطقة لحرب ضروس على اليمن، ولم يكف الإعلام السعودي عن نعت تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بالثوار حتى وقت قريب، ولم تأل جهدًا عن دعم أي جماعة مسلحة في سوريا تعلن دعمها للبرنامج السعودي المناهض لإيران، وقد صرح محمد علوش قائد جيش الإسلام بأن ثورة الشعب السوري كانت ضد إيران وعملائها في إشارة إلى النظام السوري، كما امتنع علوش وجميع الفصائل المرتبطة بالسعودية عن المشاركة في أستانة، والتي قد تمهد لإيقاف الحرب؛ وبالتالي عودة السوق النفطية السورية للعمل من جديد، بالإضافة إلى حشدها المعارضة السورية في هيئة تفاوض عليا، ليس لها مهمة إلا تعطيل العملية التفاوضية بأي شكل؛ نزولًا على رغبة الخارجية السعودية، سواء في جينيف أو أي فرصة تفاوضية، ولكأن الهيئة المذكورة أعلاه هي مجرد هيئة تعطيل المفاوضات!

وتبدو أمور الجبهات لا تسير على ما يرام، والهزائم تلاحق الفصائل السعودية في كل مكان، فما كان أمام السعودية من خيار إلا فتح جبهة جديدة وهذه المرة ضد شريكها التاريخي في الدوحة، فالناظر للمطالب السعودية لدولة قطر لا يجدها منطقية على الإطلاق، ولا سيما في مسألة الإرهاب التي دأبت الدولتان على دعمها وبتنسيق عالي المستوى، بينما كانت السعودية الداعم الرئيس لحركة الإخوان المسلمين في سياق صراعها مع مصر الناصرية، ولا تزال حركة الإخوان اليمنية تتخذ من الرياض مقرًا لها، ولعل الطلب الأخير كان فرضًا من مصر لتحقق السعودية أكبر دعم إقليمي لها ضد قطر، كما كان حشر حركة حماس استرضاءً لدولة «إسرائيل»، بينما كلف الموقف الأمريكي الداعم للسعودية 400 مليار دولار! والمطلب الوحيد المنطقي هو تسيّد السعودية على السياسة الاقتصادية للخليج العربي، الأمر الذي يمنح المملكة القدرة على التحكم في أسعار النفط، ومنع تدهور أسعارها الجنوني، بالإضافة إلى ذلك فإن التحكم السياسي في الخليج سيمكن السعودية من فرض تخفيض الإنتاج؛ وبالتالي رفع الأسعار.

لم تتوقف الحملة السعودية ضد قطر في فتح ملفات الإرهاب، ودعم التنظيمات المسلحة، وزعزعة أمن المنطقة، وشرعية حاكم الدوحة؛ بل اتخذت السعودية إجراءات اقتصادية، إذ دخلت شركة أرامكو السعودية الأسواق الروسية بهدف الاستثمار في دول الكارتل (جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق)، والاستثمار في الغاز الطبيعي، ونقل تكنولوجيا روسية متطورة لتعزيز استخراج الغاز من المملكة، ولتدخل بذلك سوق الغاز منافسة لقطر، وهذه الأخيرة تعتمد بشكل أساسي على تصدير الغاز المسال، وبالتالي يهدد سوق الغاز السعودية قطر في الصميم.

ولكن لقطر أوراقها المهمة لتلعب بها أيضًا، فلا تزال قطر سوقًا مهمًا للغاز الطبيعي، فقد ردت على العقوبات بإعلان عزمها على تطوير مشروع جديد في القطاع الجنوبي من حقل الشمال، أكبر حقل للغاز في العالم، مستهدفة زيادة الإنتاج بنسبة 10%، كما وقعت شركة «قطر غاز» اتفاقًا مع شركة «شل» لتوريد ما يصل إلى 1.1 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًّا مدة خمس سنوات. كما أن ملف دعم الإرهاب مفتوح على الجانبين، والتقارير الدولية تتحدث عن دعم السعودية للإرهاب، الأمر الذي أثار المعارضة البريطانية مؤخرًا ضد العلاقات مع المملكة، كما أن لعشيرة تميم والتي ينمي إليها أمير الدوحة امتداداتها داخل السعودية، والتي يمكن أن تألبهم ضد آل سعود، ولا ننسى أن لقطر القدرة على تحريك مواليها السعوديين المتعاطفين مع تنظيم القاعدة، كما تستطيع قطر إيصال الإمدادات الإيرانية للمنتفضين الشيعة في الأحساء السعودية، والتي تربطها حدود مشتركة على المناطق الشيعية السعودية برًا وبحرًا، والأمر نفسه تملكه قطر إزاء البحرين، وإن كان الخيار الأخير صعبًا، إلا أنه قد تقدم قطر عليه في حال تضييق الخناق أكثر.

وهذا يعني أن استمرار الأزمة الاقتصادية في السعودية إلى جانب أزمة الحكم فيها، سيعني غرق المملكة في دوامة العجز والإفلاس، والذي سيفضي حتمًا إلى خسارة آل سعود حكمهم على شبه الجزيرة العربية نهائيًّا، ولهذا ستعمل المملكة بقيادتها الجديدة على تحشيد أكبر قدر ممكن من الدعم الإقليمي والدولي لمشاريع الحرب والصراعات في المنطقة، وضمان استعارها، ولن تتوانى عن التطبيع مع «إسرائيل» وأي تنظيم مسلح قادر على إثارة الحروب الأهلية. كما أن التمظهر السياسي للخلافات الاقتصادية يمر عبر الحالة الحضارية التي تعيشها الدول المتنازعة، ولذا لوحظ المستوى البالغ السذاجة في إدارة الأزمة الخليجية، وتلحظ ذلك في الخطاب الإعلامي الرديء، والسلوكيات الارتجالية من كلا الجانبين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك