تداول المجلس الوطني للتيار الديمقراطي المنعقد في دورته 21 بمدينة سوسة يومي 26 و27 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 تموقع الحزب في علاقة بتشكيل الحكومة القادمة وقد عبّر من خلال بيانه الرسمي عن استعداد الحزب للمشاركة في تحمل أعباء الحكم لإنقاذ البلاد متى توفرت الآليات والضمانات الكفيلة بتجسيدها من خلال وضع برنامج حكم معلن يراعي الأولويات الوطنية وتتعهد جميع الأطراف بتنفيذه تحت إشراف رئيس حكومة مستقل عن الأحزاب المشاركة في الحكم ومشهود له بالكفاءة والنزاهة مع تكليف التيار الديمقراطي بوزارات الداخلية والعدل والإصلاح الإداري والوظيفة العمومية كاملة الصلاحيات، لضمان مشاركة ناجعة وتحقيق التغيير الحقيقي الذي يستجيب لانتظارات شعبنا.

1- القرار المؤسساتي بعيدًا عن المساومة

لقد عبرت المؤسسة القيادية في التيار الديمقراطي عن أجندتها المستقبلية وحدّدت سياسة الحزب في مشاورات تشكيل الحكومة وتركت للحزب الفائز بتشريعيات 2019 الخيار بين الرفض أو القبول بالدخول في المفاوضات على قاعدة الضمانات سابقة الذكر، وبالتالي تبيان موقفه من ترتيبات تشكيل الحكومة المكلف دستوريًا بإتمامها.

ويُتهم التيار الديمقراطي زورًا بعدم جديته في إعلانه القبول المبدئي المشاركة في الحكم وتقديمه شروطًا تعجيزية وابتزازًا بسقف عال ويغيب عن مكينة التشويه أن التيار الديمقراطي لا يمكن أن يلعب دور الكومبارس ضمن مسلسل الحكم بالمناولة، ولا يمارس السياسة لعبًا ولهوًا، ويعتبر أنه جاد وجدير بالمشاركة في الحكم، ولا يتملكه الخوف أو ترهبه إدارة البلاد تزامنا مع هذه الفترة الاستثنائية والحرجة التي تتطلب كل الجهود للإصلاح والإنقاذ خصوصًا مع توفر بعض الشروط الموضوعية بتواجد رئيس جمهورية نتقاسم معه الرؤية في الإصلاح ومكافحة الفساد وإنجاز مشروع وطني موجه لبناء الدولة القوية والعادلة.

2- الدعوة لاسترجاع الثقة

نحن وبدون مواربة لا نثق في قدرة جزء ممن يتزعمون دفة القيادة في حركة النهضة على الإصلاح ونعتبر أن الطرف الأهم من مراكز القوى داخلها لم يندمج في روح المرحلة وسيسعى إلى المحافظة على مواقعه وسلطته التي تقاسمها مع المنظومة السابقة على مدى السنوات الماضية وسيحاول الاستعانة مرة أخرى بمطبخ الهواة والمغامرين بعيدًا عن الكفاءات التي تتعامل بمنطق الدولة.

لا شك أن المطلب الأساس اليوم استعادة الثقة مع الحزب الفائز بعيدًا عن الحديث على التحالفات الهشة، كما لا يمكن الإلتقاء على كلمة، سواء دون تدبر الإخلالات السابقة والأخطاء القاتلة في حق المسار الثوري المعقل والإصلاحي.

إن التأسيس لمرحلة قادمة من علاقاتنا المشتركة يتطلب الكثير من الجهد والتأكيد على عناصر بناء الثقة وطالما أن حركة النهضة تبحث عن شركاء حقيقين وستقدم من أجل ذلك تنازلات تثبت جديتها بهدف إنجاح مسار المفاوضات.. فإن مسألة الابتعاد عن رئاسة الحكومة القادمة ليست بتلك الخسارة التي يتخوف منها البعض من قياداتها وحلفائها من الائتلاف.

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نكون في حكومة اقتسام الغنيمة أو ضمن حكومة هجينة «كوكتيل مولوتوف» منتهي الصلاحية، ولكن نقدّر أننا جادون في تشكيل حكومة بعناوين ومضامين كبرى نبحث من خلالها على إنقاذ وطن وليس طلب صدقات لمناصب وزارية لبعض القيادات التيارية.

3- الرؤية الإستراتيجية للتيار الديمقراطي

إن التيار الديمقراطي انطلاقًا من دوره كأداة حزبية مؤسساتية يضع ضمن جدول أعماله قضايا تهم الوطن والمواطنين وهو عاقد العزم على صياغة مقترحات كبرى لمشاريع تحقق تطوير الأداء الحكومي وتعبئة جميع الطاقات الوطنية، سواء من خلال البرامج أو العرض السياسي وبلورة رؤية إستراتيجية تشاركية مع جميع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين للمساهمة في معالجة القضايا الكبرى لبلادنا ذات الصلة بالتنمية ومتطلباتها الاقتصادية والاجتماعية.

ولأنها الملفات الأكثر تغييبًا من صناع القرار وعدم رغبة في الإصلاح طيلة السنوات الماضية فقد طرح التيار الديمقراطي تكليفه بها (العدل، الداخلية، الإصلاح الإداري…) كضمانات للتواجد في الحكومة القادمة.

لن تكون بستان زهر أو طريقًا مفروشة بالورود، بل طريقًا مملوءة بالعمل الشاق والمتعب والعراقيل البيروقراطية، ولكنه حريص أن يخوض معركة إصلاحها ليس بحثًا عن السيطرة على مفاصل الدولة، ولكن ليلعب دوره الطبيعي في تحييدها وجعلها مركز ثقل الدولة القوية والعادلة.

من الأهمية بمكان أن يفهم البعض أننا نعيش على وقع المعركة الأخيرة لفرض استقلالية الجهاز العدلي، رغم تأكيد المشرع منذ 2014 على الدور الأساسي للسلطة القضائية كسلطة ثالثة، لكن الواقع وبعض الممارسات تثبت خلاف ذلك بتواتر الحديث عن تعرض القضاة إلى عديد الضغوطات من الفاعليين السياسيين، أو عبر وزير العدل (رئيس النيابة العمومية والتفقدية العامة) من خلال مسك بعض الملفات التي تدين البعض منهم فسلطوها على رقابهم للهيمنة على بعض مفاصل القضاء خدمة لمصالحهم وضربا لخصومهم.

إن الحكومة القادمة عبر ما سيعهد من صلاحيات لوزير العدل مطالبة بخوض هذه المعركة وفرض الاستقلالية التامة والحياد الحقيقي ولعب دورها كجهاز تنفيذ بإستجلاب ورصد الاعتمادات ضمن الميزانيات القادمة لتوفير التجهيزات الضرورية وتدعيم المحاكم وتطويرها ورقمنة خدماتها والحرص ضمن هيكل الإشراف على التكوين المستمر للقضاة بإخضاع انتدابهم إلى المقاييس الدولية وسن قانون أساسي جديد للقضاء، يتلاءم مع الدستور، وتسريع عرض مشروع مجلة الإجراءات الجزائية الجديدة.

ولا يمكن الحديث عن مكافحة الفساد والجريمة المنظمة والمال السياسي المشبوه وإتاحة الفرصة للأمنيين لبلورة وتطبيق عقيدة أمنية وطنية دون إصلاح وتطوير المنظومة الأمنية وترتيب البيت الداخلي للوزارة، وأن لا تسمح الوزارة القادمة بكل أشكال الابتزاز أو التوظيف السياسي، وتحرص مع وزارة العدل على التنسيق والعمل المشترك والبحث عن فرض تكامل السلطات الثلاث في محاربة الفساد والجريمة وضرب الماكينة التمويلية الفاسدة للأحزاب المتأتية من الداخل أو عن طريق التمويلات الأجنبية المشبوهة لخدمة أجندات ومصالح لوبيات اقتصادية داخلية وعلاقات خارجية.

كما يبدو أن الفرصة اليوم متاحة لإنقاذ الوظيفة العمومية والمنشآت العامة بعد تيقن كل الأطراف أننا ماضون في طريق تدمير المرفق العام، لذا فلابد من إرادة سياسية تسعى لبلورة الرؤية الإصلاحية الجديدة عبر وضع خطة تشاركية تتعلق بالتدقيق الداخلي وإصلاح وحوكمة المؤسسات والمنشآت العمومية من خلال رسم سياسات الإصلاح المؤسساتي والإطار التشريعي والهيكلة المالية وتمويل برامج إعادة الهيكلة وتدعيم الرقابة اللاحقة على أعمال التصرف والتسيير فيها.

إن أوكد المهام للوزارة مراجعة قانون الوظيفة العمومية ونظام الأجور وحسن إدارة وتوزيع الموارد البشرية وتفعيل نظام الحركية والتحفيز على العمل بالمناطق الداخلية وملاءمة الوظيفة العمومية لتركيز اللامركزية وتحديد قواعد تقييم أداء الموظف والتكوين المستمر بالإضافة إلى تعزيز قيم النزاهة، والعمل التشاركي على إصلاح الإدارة، وترسيخ الحوكمة ومكافحة الفساد في أفق إرساء وظيفة عمومية محفزة وناجعة.

4- المشروع الوطني ونجاح العمل الحكومي

إن السياسي – وكما يراه المفكر الفرنسي جاك أتالي – وإن تصدر نتائج الانتخابات، وإن صنع أغلبية وشكل الحكومة، إلا أنه إذا كان لا يتوفر على مشروع إصلاح ورؤية للمستقبل، فإنه يحكم ضمنيًا على البلد بالفشل، وتثبت لنا التجارب المقارنة أنه لا وجود لبلدان محكوم عليها بالتخلف، بل هناك فقط بلدان بدون مشاريع وبدون قيادات نوعية قادرين على حمل هذه المشاريع الوطنية.

برأيي أن نجاح العمل الحكومي وصياغة السياسات العمومية في تونس، يحتاجان اليوم وقبل أي وقت إلى ما أسماه عالم الاجتماع الفرنسي Pierre Bourdieu «قادة ترسخ وتصنع عظمة الدولة».

ترسيخ عظمة الدولة التونسية يتطلب فعليًا نخبًا سياسية قادرة على وضع الإستراتيجيات الوطنية وأن تلعب فيها دور البناة؛ لأن الفعل الحكومي والسياسات العمومية يحتاجان أساسًا إلى وزراء، مهمتهم الأساسية هي القدرة على القيادة وحل المشاكل، كامتلاك ثنائية الكفاءة والفعالية.

فنجاح العمل السياسي صار اليوم مرتبطًا بتنزيل السياسات العمومية وعلى تقييم أثر هذه السياسات على المواطنين.

نحن معنيون بالحكومة القادمة وفي غياب عنصر مما سبق ذكره من الآليات والضمانات سيجعل من الصعوبة بمكان أن نكون طرفًا ضمنها، فالتغيير الحقيقي المنشود، والذي نجده في تصريحات الحزب الفائز لا يتحقق بإطلاق هتافات حماسية في الإعلام، وإنما بالعمل المشترك لوضع الإستراتيجيات الدقيقة، واعتماد تصورات عملية وطرح بدائل جدية برافعة سياسية قوية تمتلك عمقًا شعبيًا، وإلا فنحن وبكل فخر معارضة وطنية مسؤولة، فلا دولة مؤسسات ولا سياسة حكيمة دون رقابة ومعارضة وطنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد