الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، لا أحد يعلم كيف بدأ، ولا أحد يعلم شيئًا عن المقدمات أو الأسباب، أو أي شيء متعلق بالبدايات، سوى دعوة تجمع المهنيين السودانيين التي من المفترض أنها ستجد كمًّا معينًا من الاستجابة، فقط وجدنا الآلاف من جماهير الشعب السوداني محتشدة أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة، في مشهد أعاد للأذهان مشهد السادس من أبريل (نيسان) عام 1985، والذي أدى فيما بعد للإطاحة بجعفر نميري بعد فترة حكم دامت لأكثر من عقد ونصف.

هذا الحدث يمثل نقطة تحول في الأحداث وتطوراتها، والتي بدأت منذ حراك 19 ديسمبر (كانون الأول) نهاية العام الماضي، والحديث هنا ليس فقط عن الدفعة الكبيرة للحراك الثوري، أو إحاطة الخطر بسلطة البشير ونظامه، ولكن الحديث عن الوعي الثوري الذي تطبّع الشعب به ووضوح الرؤية بالنسبة له، وقوة الترابط بين أفراد المجتمع، والروح الوطنية الحقيقية التي لم نرها نحن ولا الجيل الذي سبقنا منذ عقود، الاعتصام بدأ وما زال حتى لحظة كتابة هذه السطور، ولكن التظاهرات تقوم في كل مكان، والناس بمختلف الأعمار موجودة في الشوارع تترقب، حتى أكثر الأحياء بعدًا عن التظاهرات في الخرطوم منذ بداية الحراك لا يمر عليها يوم بعد السادس من أبريل، إلا وقد قامت فيها التظاهرات، ومر بها أكثر من موكب ثوري.

بشكل عام فإن حالة التفاؤل عمت كل المجتمع السوداني لتحل محل البؤس والذي كان مغلفًا بالسخرية المريرة من واقع مر يعاني فيه الجميع، يقابل ذلك من الناحية الأخرى، الدعوة للحوار، والتي في البداية كنا نتساءل عن هوية الشخص أو الجماعة التي ستشغل الطرف الآخر في هذا الحوار، ثم تحول الأمر إلى مادة للسخرية والاستهزاء تحولت فيما بعد إلى كلام سمج سخيف لا معنى له، وبالرغم من هذا الكم من السخافة فإننا نرى كيانًا يسمى «اللجنة التنسيقية للحوار الوطني» يرأس البشير بنفسه آخر اجتماع له، ولدينا وزير الإعلام والاتصالات والمتحدث الرسمي باسم الحكومة حسن إسماعيل يطل على المشاهدين بكذب أقرع عن تمويل بمبالغ تصل إلى ملايين الدولارات لدعم الاعتصام، وهو نوع الافتراء الذي سبقه إليه البشير وصلاح قوش، اللذان استحيا من المواصلة فيه.

نركز على المشهد الأهم وهو تجمع الثوار أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة، والتي تقع وسط الخرطوم في صباح السادس من الشهر الجاري استجابةً لدعوة تجمع المهنيين السودانيين لموكب 6 أبريل، تجمهر الثوار أمام مباني القيادة قبل الموعد الذي حدده المهنيون بساعتين تقريبًا، وفي وقت وجيز توسعت المساحة التي يشغلها الثوار حتى وصلت لمدخل شارع أفريقيا أو شارع المطار، ومن المفارقات أن في هذه المنطقة يوجد مبنى جهاز الأمن والمخابرات الوطني، كانت حالة خدمة الإنترنت ما بين المنقطع تمامًا وبين الضعف الشديد، وتميل أكثر إلى الأول، وكذلك الأمر بالنسبة للاتصالات نفسها، في اليوم الثاني حُظر الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي وساءت حالة الإنترنت والاتصالات أكثر، ومعها كذلك الانقطاع التام للتيار الكهربائي عن المنطقة، حاولت قوات الأمن الهجوم على المعتصمين بغرض فض الاعتصام، ولكن صدتهم قوات الجيش، وفي فجر الثامن من الشهر بدأت قوات الأمن هجومًا مكثفًا على الثوار، باستخدام الذخائر الحية فيه لتقع عدة إصابات من الثوار والجيش، الذي توفي أحد ضباطه متأثرًا بجراحه من ذلك الهجوم.

سادت حالة من التوتر في صفوف القادة العسكريين؛ فمنهم من جاء للثوار مطالبًا إياهم بمغادرة المكان، ومنهم من كان ثابتًا على موقفه بمؤازرة الثوار وحقهم في الاعتصام، الالتحامات بين قوات الجيش وقوات الأمن وقعت خلال الأيام الماضية أكثر من مرة في أكثر من مكان في محيط مباني القيادة ومناطق أخرى مجاورة في وسط الخرطوم، ضحايا الأحداث منذ يوم السبت الماضي، بحسب ما قاله وزير الداخلية (الكفاءة) بشارة أرو، عددهم سبعة، منهم من سقط في موقع الاعتصام ومنهم في أحداث موازية لأحداث القيادة.

أعداد الثوار تتزايد يومًا بعد يوم، والمساحة التي يحتلونها باعتصامهم تضاعفت أكثر؛ فبعد أن كان الاعتصام في محيط مباني القيادة والطرق القريبة منه، وصل الاعتصام إلى الجسر الذي يربط بين الخرطوم وبحري شمالًا وشرقًا، إلى مدخل جسر كوبر وطريق عبيد ختم، وثقتهم في تحقيق المبتغى تزداد مع مؤازرة الجيش لهم وإقامة الثكنات للاستعداد لمواجهة أي هجوم محتمل، امتدت هذه الثقة إلى بقية من هم خارج منطقة الاعتصام؛ لتتكون مواكب ثورية في كل مكان، وكل حي كلها تهتف بشعار «تسقط بس».

صرّح نائب رئيس الجمهورية ووزير الدفاع عوض ابنعوف بالحرص على ضمان أمن الوطن وسلامته، وعدم شق وحدة صف الجيش، وأقر بمشروعية مطالبات المواطنين، وكان كمال عبد المعروف حاضرًا، بعد هذا التنوير بساعات كان اجتماع المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني برئاسة البشير، الذي وعد سابقًا بالوقوف على مسافة واحدة من الجميع، الوعد الذي عده بعض قصار النظر بالطلاق النهائي من الحزب.

عودة البشير لقاعدته الحزبية مع تشديد ابنعوف على وحدة صف الجيش في حضور عبد المعروف، ومع ما يحدث على الأرض من مواجهات بالسلاح بين الجيش وقوات الأمن، التي تعمل كميليشيات تخدم إرادة النظام، كلها تشير إلى أن الجيش بدأ يميل أكثر نحو الثوار، ولا أقصد هنا مجرد حمايتهم من بطش قوات الأمن، ولكن أقصد التأييد الصريح لمطالبات الثوار.

وعلى الرغم من منطقية الطرح الذي يحذر من الميل الشديد نحو الجيش، الذي قد يفعل مثلما فعل الجيش المصري في مصر، وقضى على الحياة السياسية هناك تمامًا، فإن الحل في الوقت الراهن، شئنا أم أبينا، لا يمكن تصوره إلا بيد الجيش، لا يستطيع أن يجزم أحد ما قد يفعله الجيش في حال استلم السلطة من البشير، أو نهاية المشهد الصدامي الحالي بين قوات الجيش وقوات الأمن، في ظل إصرار البشير غير المسؤول على التمسك بالحكم، ولكن الذي أعلمه يقينًا أن هذا المشهد سببه هو وجود السلطة منذ البداية في يد العسكر؛ فالعقلية العسكرية التي تحكم في أي بلد في العالم سيأتيها اليوم الذي تستبيح فيه الدخول في حرب شعواء مع أي أحد، ولو كانت قيادات جيشه، أو حتى شعبه، هذا لأن العقلية العسكرية لا تقبل سوى بالانصياع التام، والخضوع للأوامر، الأمر الذي يصادم كل مبادئ العمل السياسي وأسس الديمقراطية، التي تقوم على الأخذ والرد في أمور الحكم.

قال الصحافي السوداني ضياء الدين بلال: «تسقط الأنظمة بفارق التوقيت، حينما تفقد حساسية اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. ما عليك تقديمه الآن قد لا يقبل منك غدًا، حفظ دماء المواطنين، وحماية أرواحهم، وصون وحدة القوات النظامية، يجب أن يقدم على أي شيء آخر»، هذه الأولوية التي أدركها صحافي مثل ضياء الدين، لن تجد لها مكانًا في قاموس الحاكم العسكري؛ إذ إن بقاءه في السلطة مقدّم على كل شيء، ولو قرر حل كل قادته العسكريين.

الذي فعله الترابي في عام 1989 ليس مجرد انقلاب قضى به على المسار السياسي في الدولة، ولكنه جناية في حق أجيال كانت تدفع ثمنه حتى هذه اللحظة، في فقدها أبسط الأمور التي تجعل للحياة معنى، مثل الحرية، والكرامة، والعزة، الأمور التي يناضل لأجلها الثوار في محيط القيادة العامة للقوات المسلحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد