كيف كان آرثر شوبنهاور على وشك أن يصبح تاجرًا!

آرثر شوبنهاور أحد أعظم الفلاسفة عبر التاريخ، عُرف بفلسفته التشاؤمية والسوداويَّة، يرى الحياة أنها شرٌ مُطلق، وبجَّلَ العدم في كثير من كتبه، مثل كتاب (العالم إرادة وفكرة) وضح بشكلٍ مُباشر مفهومه عن الإرادة الحُرَّة، وهي إرادة الحياة الّتي تُجبرنا على الاستمرار، ومن طُرق الإجبار – حسب رأي شوبنهاور – هي الشهوة والجنس والتناسل، لهذا فسر الكثير من السلوكيات البشرية من هذا المُنطلق.

في عام 1804 كانت الفلسفة سوف تخسر أحد الهامات الفلسفية العملاقة مثل آرثر، وهذا بعد أن أوفى آرثر، الذي لم يكن قد تجاوز السادسة عشر حينها بوعده لأبيه بأن يبدأ التدريب على الأعمال التجارية على يد سيناتور جينيش، أحد كبار التجّار في هامبورغ. وبعد تسعة أشهر من بدء آرثر التدريب حدث الحدث الأكثر مأساوية في حياته، وهو انتحار هاينرش شوبنهاور – والد آرثر – الذي كان يبلغ من العمر الخامسة والستين عامًا بعد رحلةٍ طويلة مع المرض، وذَكر آرثر فيما بعد أنه بالرغم من المعاملة القاسية التي تلقاها من الأب، وتمنيه أن يتخلّص منه ليحظى بحريته، فقد أحدث ذلك بداخله نوعًا من الذنب لم يتخلص منه لفترةٍ طويلة، ولم يخلصهُ منه إلّا الفلسفة، فأدرك أن وجود هاينرش في حياته سوف يسد الطريق أمامه طيلة مسيرته ليكونَ تاجرًا، وليس فيلسوفًا.

وآرثر لم يكن يشبه أبيه فقط في الشكل، بل في التعاسةِ أيضًا، من إحدى رسائل أمه له:

أعرف جيدًا كم أن إحساسك بسعادةِ الشباب قليل، وكم أن مزاجك في التفكير السوداوي الكئيب كبير، الذي ورثته عن والدك.

كما أنه ورث إحساسَ والدهِ بالنزاهة أيضًا، فقد صارع آرثر نفسه في عمله بالتجارة، مع أنه يكره هذا العمل، ولكن لينفذ وصية والده، فشعر أنه مشلولٌ ومقيّد بعد انتحار والده، ولكن سرعان ما أنقذته رسالة من أمّه، لتكون نقطة تحول في حياته، وتصقل هذا الفيلسوف لكي ينطلق في طريق الفلسفة ويترك التجارة، ويتحرر من عبوديته، كُتبت الرسالة في أبريل (نيسان) عام 1807، بعد انتحار والده بسنتين: عزيزي آرثر، لقد تدفقت النبرة الجدية والهادئة في رسالتك المؤرخة 28 مارس (آذار) من عقلك إلى عقلي، وأيقظتني وكشفت لي بأنك على وشك أن تفقد طريقك إلى مهنتك الحقيقية! لذلك يجب أن أبذل كل ما بوسعي حتى أنقذك، وأفعل ما يمكنني. أعرف ماذا يعني أن يعيش المرء حياة تكرهها روحه؛ وإذا كان بالإمكان، فإني سأنقذك ابني العزيز من هذه التعاسة. عزيزي.. عزيزي آرثر طالما كان لصوتي تأثير ضئيل عليك، إن ما تريده الآن كان آنذاك أشدّ أمنياتي؛ فكم بذلتُ من جهدي حتى تتحقق، بالرغم من كل ما قيل ضدّي.. فإذا لم تكن ترغب في الانضمام إلى فئة مناهضي الثقافة المبجلة، فأنا يا عزيزي آرثر لا أريد حقًا أن أضع أي عقبة في طريقك. فعليك أنت أن تبحث عن طريقك وتختاره، ثمَّ علي أن أنصح، أساعد، حيثما وكيفما أمكنني ذلك، أولًا حاول أن تتصالح مع ذاتك.. تذكر أن عليك أن تختار الدراسات التي توفر لك دخلًا جيدًا، لا لأنها الوسيلة الوحيدة التي تمكنك من العيش، لأنك لن تكون غنيًا أبدًا إن قررت أن تعيش من ميراثك فقط. وإذا قررت أي كان قرارك فأخبرني به، لكن يجب أن تتخذ القرار وحدك.. وإن شعرت أنك تملك القوة والشجاعة لعمل ذلك، فإنني سأقدم لك كل المساعدة عن طيب خاطر.

لكن لا تتخيّل أن حياة رجل متعلم ستكون بهيجة جدًا، إني أرى ذلك من حولي يا عزيزي آرثر، إنها حياة متعبة وشاقة ومليئة بالعمل، البهجة في العمل فقط هي التي تضفي عليها سحرها، فالمرء لا يصبح غنيًا من ممارستهِ ككاتب، ويكسب المرء بصعوبة ما يحتاج إليه لكي يعيش.. ولكي تصنع حياتك ككاتب، يجب أن يكون بمقدورك أن تنتج شيئًا رائعًا.. والآن أكثر من أي وقت مضى، هُناك حاجة إلى رؤوس مبدعة. آرثر فكر في الأمر جيدًا، ثم اختر، لكن عليك أن تبقى قويًا، لا تدع دأبك يفتر، عندها ستحقق هدفك بأمان. اختر ما تريد.. لكن والدموع تترقرق في عيني، فإني أتوسل إليك، لا تخدع نفسك. عامل نفسك بجدية وبصدق، إن سعادة حياتك مهددة بالضياع، بالإضافة إلى سعادة أيامي الماضية؛ لأنك أنت وأديل فقط يمكنكما أن تعوضاني عن شبابي الضائع. لم أتحمل عندما عرفت أنك حزين، وخاصة إذا كان علي أن ألوم نفسي لأنني تركت هذه المصيبة الكبيرة تحدث لك بسبب مرونتي الشديدة، كما ترى عزيزي آرثر، فأنا أحبك جدًا، وأريد أن أساعدك في كُل شيء. كافئني بثقتك بي، واتخذ قرارك بحسب نصيحتي لتحقيق اختيارك. ولا تجرح مشاعري بعنادك وتمردك! فأنت تعرف أنني لست عنيدة، وتعرف كيف أتساهل وأصفح بالحجج، ولن أطلب منك شيئًا لا أستطيع أن أدعمه بالحجج.

الوداع عزيزي آرثر، البريد مستعجل وأصابعي تؤلمني. خذ بالاعتبار كل ما كتبته لك ولا تتأخر في الرد عليّ.

واتضح تأثير هذه الرسالة على آرثر شوبنهاور، ففي الشيخوخة كتب عنها:

عندما انتهيت من قراءة هذه الرسالة، فاضت الدموع من عيني.

وفعلًا بعد أن قرأ آرثر الرسالة، ترك مهنة التجارة، واتجه نحو الفلسفة. مع أن علاقته مع أمّه لم تستمر بشكل مُستقر وجيّد، بل كان أكثر قسوة عليها، ومن أقسى تلك الرسائل التي ذُكرت من آرثر إلى أمّه:

جدالاتك الفارغة، وتباكيك على العالم الغبي والتعاسة الإنسانية، تمنحني ليالي مؤرقة وأحلامًا مزعجة.. لا توجد لحظة مزعجة واحدة لا أدين بها إليك.

آرثر كان وليد التعاسة منذ بداية نضوجه، وهذا لا يتوقف على وضعه العائلي الذي طالما كان مضطربًا في طفولته، بل على وضع أوروبا أيضًا، فقد قال وهو في السابعة عشر بعد رحلةٍ في أرجاءِ أوروبا ورؤية التعاسة والألم والمعاناة:

عندما كنت في السابعة عشر بدون أيّ تعليم أدركتُ تعاسة الحياة، مثل بوذا في شبابه عندما رأى الألم والموت والمرض والموت.

وكتب في الثامنة عشر من عمره مقتبسه المشهور:

أيفترض أن يكون الذي خلق هذا العالم هو إله؟ لا، من الأفضل بكثير أن يكون الشيطان هو الذي خلقه.

وبعد أن تفاقمت المشاكل بينه وبين أمه، طُرد من المنزل، وادعى كُلُّ منهم أن الآخر هو سبب الافتراق، وهكذا كانت النهاية، وعاشت يوهنا – والدة آرثر – 25 عامًا، دون أن تلتقي بابنها قط، وعندما بلغ شوبنهاور الشيخوخة كتب ذكرياته عن والديه:

معظم الرجال يسمحون لأنفسهم بأن يغريهم وجه جميل.. وتحثّ الطبيعة النساء على عرض كل ألقهن وجمالهن في وقت واحد، وعرض المشاعرِ والأحاسيس.. لكن الطبيعة تخفي العديد من الشرور التي تحدثها النساء، من قبيل الإنفاق اللامتناهي، رعاية الأطفال، التنعت، العناد؛ وعندما تصبح عجوزًا وقبيحة بعد بضع سنوات، يبدأ الخداع، خداع الزواج، النزوات، نوبات الهستيريا، الجحيم، الشيطان. لذلك فإني أعتبر الزواج دينًا يتعاقد عليه الشباب، ويسدّد ثمنهُ في الشيخوخة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد