«وليس الآن فيما يبلغنا أحواله من المعمور شرقًا أو غربًا مدينة هي دار للعلم وموضوع الهجرة إليه من الأقطار مثل القاهرة» (1)، لم تكن هذه الجملة التي تمدح القاهرة من نصيب العصر العباسي، بل كانت من نصيب العصر العثماني الذي تدعي الكثير من الآراء التاريخية اتهامه بالتخلف، فهذه الجملة قالها المؤرخ حمودة بن عبد العزيز التونسي (وُلد 1733م- تُوفي 1788م) في القرن الـ18م.

فلم ينقطع العلم أو التعليم ولم ينتشر الظلام العلمي أو الجهل كما يدعي البعض بدون أدلة، ففي العصر العثماني ظل التعليم عامة في الكتاتيب وبعض المدارس والأزهر كما كان دائمًا في العصور الإسلامية السابقة، وبالنسبة لدراسة الطب وهو الموضوع الذي ستتناوله هذه المقالة فمن الثابت أنه كان يُدرس دراسة علمية في البيمارستان المنصوري طيلة العصر العثماني.

بين الجانب النظري والتطبيقي

كان الجانب النظري من دراسة الطب في أحيان كثيرة يتم تدريسه في الجوامع ( كجامع ابن طولون وجامع الأزهر )، واشترط فيمن يقوم بتدريس الطب أن يكون علی معرفة بطب الأبدان، يعرف الأمراض والأدوية وكانت هذه الدراسة نظرية.

أما الجانب العملي فكان يتم في البيمارستان؛ حيث يقوم الطلبة بفحص المرضی، ولعل هذا الوضع يشبه إلی حد كبير وضع كليات الطب الموجودة في المستشفيات الحديثة اليوم حيث تتاح للطلاب ممارسة الطب السريري في مستشفی الجامعة.

وتجنبًا للنظرة الاستشراقية السطحية التي تمجد كل ما هو أوروبي تاريخيًا وحديثًا علی حساب الشرق الذي في نظر الاستشراق متخلف، فإنه في الوقت الذي كان يوجد في العالم الإسلامي مستشفيات ذات طابع تعليمي، انتظر الغرب حتی القرن الـ18م لكي ينشئ مثلها (2).

دراسة الطب في الأزهر والكشف الطبي على طلاب الأزهر وتدريس الجانب النظري في البيوت التخصصية

أما عن دراسة الطب في الأزهر، فقد أشار الرحالة الأوروبي فرمنال الذي يعتبر الرحالة الوحيد الذي ألقى الضوء علی الأزهر وطلابه وأشاد بدوره باعتباره مؤسسة وجامعة تعليمية، واستلفت نظر فرمنال أن الطلبة كانوا يدرسون فيه الطب كما أشار إلی الكشف الطبي الذي كان يوقع علی الطلاب قبل التحاقهم بالأزهر.

ونفهم من إشارة عابرة ذكرها الجبرتي أن كتب الطب كانت تدرس في الأزهر حتی قرب منتصف القرن الـ19م والدليل علی ذلك أن بعض العلماء والفقهاء أمثال الشيخ أحمد الدمنهوري والفقيه الأصولي علي الطحان قد وضعوا مؤلفات طبية، وكان الطب في القرن الـ18م يدرس أيضًا في بيوت المتخصصين فيه ولا يستبعد أن يكون كل من الشيخ أحمد الدمنهوري والشيخ حسن العطار قد قاما بتدريس الجانب النظري منه في بيوتهما فضلاً عن إحدی حجرات المدرسة الظاهرية.

وقد جمع بعض العلماء بين العلوم الدينية والمعرفة بعلم الطب، ومن هؤلاء الشريف شيخ محمد بن زين (تُوفي 1781م ) وكان واسع المعرفة بالمعقول والمنقول وله معرفة دقيقة بدقائق علم الطب، وكانت وصفاته الطبية تشفي المرضي وتزيل آلامهم، ومن الشيوخ الأفاضل الذين كانت لهم معرفة بالطب الشيخ حسن الجبرتي، الذي كان يحتفظ في بيته بألوان من الأدهان يعالج بها كثير من الأمراض والجراح كما كانت له معرفة بكثير من الآلام وعلاجها، ومن ثم فلم يكن تعارض بين العلم والدين في الإسلام فكانت العلوم العقلية تدرس إلی جانب العلوم النقلية في الأزهر كما مر بنا (3).

الإجازات أطروحات علمية يتقدم بها الطالب إلى رئيس الأطباء

وعندما يتم الطالب دروسه يتقدم إلی رئيس الأطباء الذي يرأس كافة أطباء البيمارستان بما فيهم الجراحين، برسالة في الفن الذي يريد الحصول فيه علی الإجازة لكي يمارس مهنة التطبيب، وهذه الرسالة أشبه بالأطروحات الأكاديمية المعروفة اليوم، وتكون له أو لأحد مشاهير الأطباء المتقدمين أو المعاصرين يكون قد أجاد دراستها فيمتحنه فيها ويسأله عن كل ما يتعلق بما فيها من الفن الذي يريد التخصص فيه، فإذا أحسن الإجابة أجازه الممتحن بما يطلق له التصرف وممارسة المهنة.

وعلی سبيل المثال فقد أجاز رئيس الأطباء (شهاب الدين بن الصائغ ) الشاب (شمس الدين محمد عزام) أحد تلامذة الشيخ ( زين الدين عبد المعطي ) شيخ طائفة الجراحين بالبيمارستان المنصوري علی حفظه لرسالة «نهاية القصد في صناعة الفصد» لـ ( شمس الدين محمد بن ساعد الأنصاري ) المشتملة علی معرفة الفصد وأوقاته وكيفيته وشروطه وما يترتب عليه من المنافع وقد عرضها الطالب عرضًا جيدًا دل علی حسن حفظه لها وكذلك حفظه لغيرها من الكتب الطبية.

وهناك إجازة أخری صادرة من رئيس الجراحين بدار الشفاء المنصوري، ففي بعض الأحيان كان رئيس الجرائحيين يمنح الإجازات في فن الجراحة لمزيد من الدقة في التخصص ففي سنة 1602م أجاز رئيس الجرائحيين الطالب نجيب تخصص في فن الجراحة بعد أن تأكد من كفاءته باختباره له أن يعالج الجراحات التي تبرأ بالبط وأن يقلع من الأسنان ما ظهر له من غير شرط وأن يفصد من الأوردة ويبتر الشرايين وأن يقلع من الأسنان الفاسدة المسوسة وأن يلم ما بعد من تفرقة الاتصال (خياطة الجراح) وطهارة الأطفال وغير ذلك، وأوصاه بتقوى الله في عمله ودوام الرجوع إلی رؤساء هذا الفن المتبحرين والمهرة والأساتذة العارفين (4).

علم الجراحة في مصر

كانت العمليات الجراحية في مصر آنذاك متسقة بالقانون وبالكفاءة الطبية، ففي حالة إجراء عملية جراحية كان أهل المريض يقدمون تعهدًا مكتوبًا بالمحكمة بعدم وجود مسئولية قانونية علی الطبيب المعالج في حالة ما إذا حدث للمريض شيء.

هذا وقد أجريت العديد من العمليات النادرة والخطيرة كعمليات العيون، أو استئصال الأورام التي تقع بمناطق حساسة بالجسم وخاصة القريبة من الغضروف، علی أن أهم تلك العمليات كانت عملية فتح شرج لطفل رضيع عمره أيام ولد بعيب خلقي وهو عدم وجود الفتحة، وذلك بعد إجماع آراء أطباء البيمارستان المنصوري علی ضرورة إجرائها له (5).

وأيضًا ذكر الرحالة الأوروبي براون مقدار المهارة التي تمتع بها الجراحون المصريون في القرن الـ17م، ولا شك أن تلك المهارة التي اكتسبها هؤلاء الجراحون ترجع إلی تقدمهم في دراسة علم التشريح وهذا ما أكده الرحالة براون وجعله يشهد علی هذه المهارة التي فاقت أطباء أوروبا، فقد تجاسر الجراحون المصريون علی القيام بالعمليات الجراحية المعقدة التي لا يستطيع أطباء أوروبا القيام بها، فقاموا بفتح العروق والشرايين وأثبتوا مهارة خاصة في ذلك ولعلاج آلام الرأس الشديدة كانوا يقومون بجراحة في الجبهة والأنف ويعملون علی راحة المريض، كما فتحوا كذلك الأصابع وخلف الأذنين والرقبة وبشكل عام نجحوا ببراعة في إجراء الجراحات في مناطق الجسم المختلفة.

ومما استرعی انتباه براون بشدة عملية استخراج الحصوات من المثانة هذه العملية التي لم يسمع عنها في أوروبا واعتبرها عملاً غير عادي ومن يقوم بها يربح مبالغ طائلة (6).

الطب الشرعي

ولم يقف تعامل الإدارة – آنذاك – مع الطب في ميدانه العملي عند المعالجة المباشرة فقط للمرضى، بل كانوا يعتمدون علی تقارير الأطباء في بعض المسائل القضائية، أو بعبارة عصرية يمكننا القول أنهم وجدوا ما يسمي الآن بـ«الطب الشرعي»، وذلك في بعض الحالات الجنائية فكانوا عند العثور علی أحد القتلي، يأتون بالأطباء ليشخصوا سبب القتل.

أو عند الاختلاف بين البائع والمشتري في حالة وجود مرض بأحد الأرقاء، وهل هذا المرض أو العيب مفسد للبيع أم لا؟ ففي هذه الحالة يركنون إلی تقرير الطبيب (7).

ولدينا مثال علی مهارة الطب الشرعي في القضايا القضائية، فمن ملاحظات الجراح مصطفی والجراح محمد بثغر الإسكندرية وهما يدليان بشهادتهما بعد توقيع الكشف الطبي علی المجني عليهم، وهما يحددان عرض وعمق الجرح بمقدار قيراط عرض ومن قيراطين إلی سبعة قراريط عمق حسب كل حالة وذلك بالملاحظة الظاهرية للجرح.

ولدينا مثال آخر، فأحيانًا كان يتم رتق الجرح المصاب في الحال لإنقاذ حياته كما فعل أحمد حميد الجرائحي الذي قام بخياطة اليد اليسرى لسلامة ولد خاله علي بن محمد بن القاضي الذي كان مصابًا بضربة سكين بخنقة يده قطعت الجلد واللحم وخيطها له بستة غرز (8).

الخاتمة

وهكذا يظهر لنا أن علم الطب في مصر لم يكن راكدًا ولم يتصف بالدجل والشعوذة أو الخرافات، فتظهر لنا المجالس العلمية التي تُدرس الطب سواء الجانب النظري منه في البيوت التخصصية أو في المجالس العلمية في الجوامع الكبرى كالأزهر، أو الجانب التطبيقي منه في البيمارستان المنصوري، وكان الطالب لا بد له من تقديم بحث ويُمتحن فيه مهارته وإتقانه حتى يستطيع ممارسة المهنة، وكذلك رأينا إعجاب الرحالة الأوروبي براون بعلم الجراحة في مصر في القرن الـ17م، ولا ننسى التطبيقات الطبية في المحاكم أي الطب الشرعي.

فتقدم علم الطب كان مقترنًا بقوة الدولة والمجتمع، فيبدو لنا علم الطب قويًا حتى نهاية القرن الـ17م قبل أن يضعف المستوى العلمي نتيجة للضعف الملحوظ للدولة والمجتمع في القرن ال18م، فالموضوع ليس له علاقة بشرق متخلف أو بجينات تعيق التطور، بل هي ظروف يتفاعل معها المجتمع والدولة.


1)أندريه ريمون : المدن العربية الكبرى في العصر العثماني، ص8
2) نهى سعيد زكي : الطب في مصر في العصر العثماني، رسالة ماجيستير سنة 2005، ص49
3) نهى سعيد يوسف زكي : الطب في مصر في العصر العثماني رسالة ماجيستير
لسنة 2005، ص49 – 51
4) نهى سعيد
زكي : الطب في مصر في العصر العثماني، رسالة ماجيستير سنة 2005، ص50 -51
5) هدى جابر : البشر والحجر القاهرة في
القرن السادس عشر، ص108 – 109
6) نهى سعيد يوسف زكي : الطب في مصر
في العصر العثماني رسالة ماجيستير لعام 2005، ص28 و29
7) ناصر عبد الله عثمان : قبل أن
يأتي الغرب – الحركة العلمية في مصر في القرن السابع عشر، ص307 – 308
8) نهى سعيد يوسف زكي : الطب في مصر
في العصر العثماني رسالة ماجيستير لعام 2005، ص30 و29

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد