أَبغض تَوَجُّسٍ قد يَقُضُّ مضجع الفنان هو الخوف من أن يجفّ إلهامه، وينقطع نِتَاج فنِّه مَغَبَّة ذلك الجفاف. لذلك هو يجاهد في التنقيب عن توافه الأمور التي قد تشعل جذوة إلهامه فتفجر إبداعه فيما يتقنه من فنون، تمامًا كما تتسبب الشرارات الخافتة في إضرام الحرائق المستعرة.

ينبش الفنان دائمًا بين تفاصيل حياته عما يصلح لتجسيده في فنه، فالكاتب تجذبه الشخصيات المتباينة في تكوينها النفسي والجسدي، والمصور يرى الوجود حوله من خلال عدسة كاميرته ويَعبُّ منه قدر ما يستطيع من مشاهد تراه عينه، أما الرسام فكل الأشياء تذوب في بصره لتتشكل ألوان متفاوتة الدرجات وتتمازج فيما بعد لوحةً بهية، وغير ذلك الكثير.

هؤلاء لا يحيون كغيرهم ممن حولهم، بل يعيشون كل لحظة ممعنين فيها ومتمحصين أبخس تفاصيلها في أذهانهم حتى يستخرجوا منها شيئًا يخزنوه في ذاكرتهم ليسترجعوه لاحقًا خلال عكوفهم على عمل فني جديد.

لكن آفة الإلهام شُحُّهُ، فهو ناضب معظم الوقت، ولا يغشى الفنان حينما يحتاجه وإنما يبرق في ذهنه على حين غرة وبعدها يخمد فجأة، فبات استحضاره عملًا شاقًا.

قال الفيلسوف الألماني فريدرك نيتشه: «كل الأفكار العظيمة تولد أثناء المشي». وما زلت أستشعر صدق قوله كلما مشيت للصلاة أو اتجهت لصديق لي على قدمي. لا أعلم أي سحر يحمله المشي في جعبته ليجعل العقل يفكر بعمق هكذا، فتولد الأفكار ويداهم الإلهام الوجدان ليزرع بذوره وتثمر أشجاره فنًا يانعًا فيما بعد.

ولكن من الزلل ركون الفنان للإلهام فقط وانتظار مجيئه دون بذل أي جهد، بل يجب عليه السعي إليه، أن يناديه حتى يأتيه، غير ذلك فلن يجني الفنان سوى طول الانتظار. وإن كانت آفة الإلهام شحه فآفة الفنان تقاعسه وركونه لذلك الإلهام العبثي.

ولنا في الأديب المصري نجيب محفوظ أسوة حسنة، فقد حتمت عليه حياته الروتينية كموظف حكومي أن يعتبر الكتابة كمهنة ذات مواعيد محددة ومسؤولية يجب التعامل معها بجدية، ورفض ما يسمى بالبوهيمية في الفن، وأثر ذلك متجسدٌ في غزارة إنتاجه الأدبي وروعته.

كما نهج على منواله أيضًا الكاتب الأمريكي ستيفن كينغ، فيذكر في أحد لقاءاته أنه يجبر نفسه على كتابة ألفي كلمة يوميًا! تدفق إنتاجه الأدبي أجبره – في أحيان كثيرة – أن ينشر مؤلفاته تحت اسم مستعار لفيض السوق بأعماله السابقة.

والعظة من ذلك هو لزوم الجد والكد في تعامل الفنان مع فنه إن أراد إظهار اسمه للعيان وإرساء قدميه في الساحة الفنية التي يخوض فيها. إلا أن الجانب المقيت من الإفراط في الجدية هو أنه يحوِّل الفن من متسع للتعبير والتنفيس عما بدواخلنا إلى عبء ثقيل منفر، فلا يكاد الفنان يهرب من ضجر الحياة وإجهادها حتى يُنهِكهُ ضغط جديته ومثابرته فيما يصنعه.

لذلك خير ما يصنعه الفنان هو أن يعدل بين الجانبين، فلا يجعل من الفن حملا ثقيلا يتجشمه حتى ييأس منه، ولا يتهاون ويتكاسل فيه حتى يستشري التثاقل والتقصير في عمله.

في النهاية لا أرى الإلهام يأتي من العزلة كما هو متعارف عليه، وإنما يأتي من خوض التجارب والتنقيب بين حيوات البشر، فمن أراد نيله يجب عليه أن يخرج للعالم مستكشفًا كل صغيرة فيه، والتحلي بأدنى المهارات الاجتماعية إن لم يكن كلها، فـالعزلة لا تريك إلا نفسك فقط، ورغم ذلك تظل هناك جوانب خفية منها لا تراها إلا في أعين الآخرين وفي ممارسة التجربة، كما أنني لا أظن أن نفس الفنان وحدها كافية، إلا إذا أراد إنتاج عمل واحد فقط، ولو قرر صنع أكثر من عمل عن نفسه فلن تكون سوى نسخ مكررة لن يقدم فيها الجديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد