جوجل هو الرفيق المميز والمنقذ البطل والمخرج لكل ما يحيرك.

جوجل رافقنا في بحوث الكلية، وفي مناقشات مشروع التخرج، واختيار الجوال الأنسب، والسيارة الأحدث، جوجل ساعدنا في تجديد المنزل، فهو الصديق الأفضل لكل ما يتعلق بحياة المرأة، وقد أثبت جدارة في هذا الأمر، كل ما تريد الفتاة معرفته تجده في جوجل، إذا أرادت أن تصنع أطباقًا مميزة فعليها به، وإذا أرادت التزود بالثقافة النسائية اللازمة فعليها به، لذلك لم أجد سوى “جوجل” ليساعدني على اختيار تصميم مميز لثوب زفافي.

كتبت “ثوب زفاف” وضغطت “بحث”, فأجرى عملياته التي لا تستغرق أكثر من ثوانٍ معدودة جدًا، فأظهر النتائج المتعددة التي تهت وحرت فيها.

حتى جاء ما كسر حيرتي وتوهاني: “للتميز في ليلة الزفاف.. ارتدي البنطلون”!

بالتأكيد كأي فتاة عشرينية اقترب موعد زفافها لا بد أن يلفت نظري العنوان، ولم أفكر كثيرًا في ماهية الموقع الذي تميز بمثل هذا الموضوع، فلا بد أنه موقع “أبو نواف للرسائل البريدية” أو موقع “فتكات” أو “عنيّات” أو “لأناقتك”، أو “لشياكتك”، أو “لبطنك”، أو “لهبلك”، أو “لعبطك”، أو “لسهوكتك”، ولكن ما صدمني أن يكون عنوان في أشهر جريدة تحقيقات استقصائية في مصر!

 

في العصر الحديث البعيد وضعت مدرسة “كولومبيا” للصحافة نظرية مفادها، أن الأخبار المثيرة هي التي تشتمل على واحد من خمسة عناصر وهي: “الدين، السلطة، الجنس، الجريمة، الغموض”، ولخصت العناصر الخمسة في الخبر: “يا إلهي! الملكة حامل! من الذي فعلها؟!”.

ولكي تكتب عنوانًا مميزًا لخبر مميز، عليه أن يشمل على واحد أو أكثر من هذه العناصر، ويا حبذا لو شملها جميعًا، فتكون بذلك قد وصلت إلى قمة الكتابة الصحفية المثيرة، والتي ستجبر القارئ على قراءتك.

الدين

الدين في مجتمعاتنا بطل الأخبار والأحاديث والتجمعات، لو لم يكن هناك “دين” في الحياة لكان العالم مملاً فعلاً! لعشنا بلا جدال ولا اختلاف ولا بدع ولا خرافات، بالرغم من أن الدين جاء ليحارب كل ذاك، ولكننا لسبب غير معروف حولناه إلى مصدرٍ لكل ذلك وذاك!

وقد امتهن علماء الأمة في عصرنا وظيفة الأخبار الدينية المميزة!

اعتزلوا العلم والعبادة والزهد، توقفوا عن توعية الناس وانصرفوا إلى تغميم أعينهم، لعلهم الرفقاء بنا! ففي أي حديث كنا سنتحدث وأي “بوست” كنا سنشاركه لو لم نجد خبرًا مثل أن “الملكة إليزابيث هاشمية من آل البيت” أو “الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، غنى أبو عيون جريئة لمدح الرسول محمد عليه الصلاة والسلام”.

السلطة

سياسة الأخبار المتعلقة بالسلطة في صحافتنا تذكرك بفؤاد المهندس في فيلم “صاحب الجلالة”، عندما كان يهتف بشكل أوتوماتيكي بدون تفكير أو وعي بـ: “طويل العمر يطول عمره ويزهزه عصره وينصره على من يعاديه، هاي هيء”، وذلك كلما ذكر اسم سلطانه المعظم “مارينجوس الأول”.

نمط الصحافة فيما يتعلق بالسلطة هو نفس نمط فريد شوقي عندما كان يقوم بالإجابة على أسئلة الصحفي في نفس فيلم، فعندما سأله: “هل بورينجا دولة زراعية أم صناعية؟”، فأجابه بأنها دولة “ملخبطة”!

وعندما سأله: “ما هي أهم الموارد التي تعتمد عليها ميزانيتكم؟”.

فأجابه: “الشِيَالة”.

فتداركه فؤاد المهندس “الشِيَا لّاه، هو الاسم الذي أطلقناه على المعدن الجديد الذي اكتشفناه في مناجم بورينجا، ونستخرج منه الألمونيوم والتيومونيوم والتريمونيوم”.

وبشيء من السخرية أكمل فريد شوقي :”وقصب السكر والموز والترمس”.

وأكمل أسئلته: “وأين تقع سلطنة بورينجا؟”.

– “والله هي لسة موقعتش بس مسيرها تقع بإذن الله”.

– “هل حكومة سيادتكم شرقية أم غربية؟”.

– “لا شرقية ولا غربية، دقهلية”!

هل كان يدري “السيد بدير” وهو يكتب سيناريو الفيلم أن الصحافة ستنتهج نهج “الشِيَا لّاه”، أم أنها كانت تسير في هذا الطريق على أية حال؟!

الجنس

تطورت الصحافة في عالمنا العربي ليصبح الحديث عن الجنس خارج اختصاص “طبيبك الخاص” إلى اختصاص “الجميع”!

أرقى وأكبر الصحف وأكثرها مهنية ونيلًا للجوائز لا بد لها أن تتداول ما يعادل خبرًا واحدًا يوميًّا على الأقل لـ”هبة قطب”!

لا بد أنه في القريب العاجل غير الآجل سنجد قسمًا خاصًا في كل صحيفة اسمه “هبة قطب”، يعمل فيه أمهر الصحفيين وأكثرهم ثقافة وإثارة!

ومع أن ديننا جاء شاملًا ووافيًا لجميع جوانب الحياة، ولكننا ربطنا كل حديث في الجنس بحديث في الدين! وأصبحت فتاوى العلماء الجنسية هي الأشهر على مواقع الأخبار والأكثر تداولًا بين الناس، وكأن الدين لم يناقش غيره، وكأن الدين جاء فقط ليتحدث عنه!
وعلى مر التاريخ كان “الجنس” هو الأكثر إفسادًا للحياة السياسية، فعندما أرادوا أن يهدموا فكرة “الحرية” سياسيًّا ودينيًّا أدخلوها في قسم “الجنس”، فتهافتت الصحف على تأكيد وجود علاقات جنسية كاملة في ميدان التحرير، وأن رابعة بها جهاد نكاح.

الجريمة والغموض

هما عنصران مرتبطان ببعضهما البعض، فهناك جريمة تحدث، وهناك سؤال يُسأل “من الذي فعلها؟”، وذلك ما يجعل القارئ يتابع الخبر حتى نهايته، حتى يجد من الذي فعلها، في صحافتنا تكثر الجرائم ولكن ليس هناك تساؤل، فالجواب معروف، منذ الخامس والعشرين من يناير جميعنا يعلم من الذي فعلها!

من المسئول عن موقعة الجمل؟

من المسئول عن أحداث محمد محمود؟

من المسئول عن أحداث مجلس الوزراء؟

من المسئول عن أحداث الاتحادية؟

من المسئول عن قتلى رابعة والنهضة؟

من المسئول عن قتل شيماء الصباغ؟

من المسئول عن قتلى الوايت نايتس؟

حسنا ستجد الإجابة دائمًا في الصحافة المصرية: الإخوان طبعًا!

 

جرائم أخرى

يعشق المصريون وضع “التاتش” الخاص بهم، فمهما امتلأنا من جرائم، ستكون الأخبار التي من نوعية: “ذكريات الطفلة “سوزان مبارك”: كنت بلعب استغامية وشوفت حسني كشاب وسيم”، هي الجريمة الأكبر!

أو خبر عن لسان هبة قطب: “الفتاة العذراء عليها ألا تدير زر الرغبة”!

ثم تعمل الحكومة على إدارة جميع أنواع الأزرار، فتقرأ عنوانًا مثل: “بنات إسكندرية يصفون المحافظ الجديد بالمز ونجم هوليوود. هاني المسيري يثير إعجاب فتيات البحر المتوسط.. رافعات شعارات “وداعًا للخناشير ونعم للهجرة إلى الإسكندرية”. وأخريات تتساءلن: مش محتاج متطوعات؟”.

ولأن كيدهن عظيم، لا يمر 24 ساعة حتى تقرأ خبر: “زوجة محافظ الإسكندرية تنشر صورتهما معًا في المنزل ردًّا على المعجبات”.
ثم تمتلئ مواقع الصحف الكبرى بعناوين: “بالفيديو والصور طفلة شبر ونص في خناقة حادة وكوميدية مع والدها”.
“أطفال بيتصوروا سيلفي مش هتقدر تبطل ضحك”.
“ميريام فارس تعود بفستان أسود طويل شفاف عند منطقة الصدر”.
“منى هلا تواصل استفزاز متابعيها وتنشر صور جريئة مع صديقها”.
وكونك تكتب في قسم “المجتمع” لا يعني أبدًا بأن تتحفنا بتقارير عظيمة مثل “اعرف شخصية أصدقائك من صور (بروفايلاتهم)”.
أو “على طريقة “بطوط”.. 6 طرق للتحكم في الغضب”.

وليس من المهم عندي أن أعرف: “شخصيتك من مكان جلوسك في الميكروباص”.

صدقني، كل تلك الأخبار لم أنقلها من صفحات للتسلية على الفيس بوك، أو من موقع “حواء” أو موقع “مطلقات للتعارف”، جميعها من صحف مشهورة ومن المفترض أنها شديدة المهنية!

 

يقول بول فاليري: “يجب تعليم تلاميذ المدارس أن يطالعوا الصحف, ذلك أن الشعب – إذا كان هو الحاكم- فإن للحاكم أن يتسلم في كل صباح تقريرًا عن حالة ملكه وحالة العالم، هذا التقرير موجود في الصحف”.

 

حقًّا؟!!!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد