بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، خاتم النبيين، المبعوث رحمة للعالمين، جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.. الذي بعث لينقل الناس أجمع من الجاهلية إلى الإسلام.. وبعد، فعندما جاء نبينا المختار – صلى الله عليه وسلم – ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وقد كان حينها حال العرب يرثى له، فليس في أيدى العرب من بلادهم إلّا نجد والحجاز، وباقى البلاد إما فى أيدى الرومان أو الفرس.

والبلاد التي في أيدي العرب كانوا يعيثون فيها فسادًا، يتقاتلون على لا شيء.. ويشركون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم، ويحتكمون لغير الله في كل أمورهم، وقد كانوا من قبل على دين التوحيد على ملة إبراهيم – عليه السلام – ثم أشركوا مع الله آلهة أخرى!

 وانتكست فطرتهم، وفسد حالهم.. وما أشبه حالهم بحالنا، وما أقرب واقعهم بواقعنامع اختلاف المسميات والممارسات والمظاهر، كانوا يشركون مع الله آلهة: كاللات والعزى ومناة، ويقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. والآن يشركون بصورة مختلفة؛ فيذهبون للأضرحة؛ يتبركون بها من دون الله، وينذرون لها من دون الله، كانوا يأخذون تشريعاتهم من أكابرهم وساداتهم، والآن نأخذها من قوانين ما أنزل الله بها من سلطان.

حرفوا في شريعة سيدنا إبراهيم – عليه السلام – فأحلوا الحلال وحرموا الحرام، نحن فعلنا مثلهم؛ فأصبحنا نوالي الكفار، ونستعين بغير الله، بل نُحِلُّ ذلك، فبلادنا أصبحت مرتعًا لكل ألوان وأشكال الانحلال والفساد، أصبحت نموذجًا آخر للجاهليه، ولكن وفي وسط هذا الصخب، وفي وسط هذه المفاتن، هناك من قرر أن يتخلى عن كل ذلك، وأن يبحث عن طريق الراحه والسعادة و النجاة، وهناك من قرر أن يجد ويبحث عن إجابات لأسئلة لم يفكر فيها في يوم من الأيام.

من أنا؟ ولمَ خلقت؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين أذهب؟ وهناك من قرر أن يسلك طريقًا يعلم جيدًا أنه ليس بسهل، ولكن يعلم جيدًا أيضًا أن نهايته أجمل نهاية.

هناك من قرر أن يسير على طريق الله – جل وعلا – هناك من قرر أن يخوض رحلة طالما خاضها، ويخوضها الكثيرون غيره، رحلة من نوع آخر، رحلته من الجاهليه إلى الإسلام!

 وفي هذه الرحلة عدَّة مراحل قل من يصل إلى آخرها. ومن ضمن مراحل هذه الرحلة توجد المرحلة الأكثر خطورة.. وهي الجاهلية الثانية، وما أكثر من يمرون بهذه المرحلة. هذه المرحلة في رحلة الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام تعد أكثر المراحل خطورة، بل أكثر من الجاهلية الأولى، والأسباب عدة..

فإنك في هذه المرحلة تظن أنك قد وصلت إلى الإسلام أخيرًا.. إلى الالتزام – كما يقولون – وتبدأ في تزكيه نفسك محاولًا جعل نفسك كاملًا، ترتقى من مراتب الإيمان إلى الإحسان، وأنت في الأصل في منتصف الطريق، ولم تصل إلى تصور الإسلام الصحيح الكامل بعد.

وهنا تكمن المشكلة.. وهي أن لديك تصورًا غير كامل، وتريد الكمال الذاتي والقلبي، كتلك التي تواجه من اشترى حاسوبًا، ويصر على تشغيله، وهو يعلم أنه ليس لديه كهرباء.

وهنا يحدث شيء من ثلاثه: إما أن تتراجع عن الطريق برمته؛ لشعور منك، وتوهم أن هذا الطريق لا يناسبك. وإما أن تظل كما أنت ولا تحرك ساكنًا، وتعتقد اعتقادًا جازمًا أنك الآن قد وصلت إلى القة، وتتعامل على هذا الأساس، وهنا ستكون أنت مشكلة لمن مروا بما أنت عليه، ثم وصلوا إلى المرحلة الثالثة، أو أن تكون عقبة في وجه كل مقبل على هذه الرحلة حديثًا، وإما أن يمن اللَّه عليك بمعرفة أنك لم تصل بعد، وأن للطريق بقية، وأن يفتح اللَّه عليك بمتابعة السير؛ لتصل.. لتصل إلى طريق اللَّه عز وجل، لتكتمل لديك صورة الإسلام، وستعلم حينها أن اللَّه رزقك بأعظم شيء على الإطلاق!

رزقك الطريق المستقيم، وأرشدك للوصول إليه، وستعلم حينها أنك قمت بأعظم رحلة، وأمتع رحلة على الإطلاق.. رحلة ذهبت معها لتبحث فيها عن الإسلام؛ فوجدت فيها نفسك، وخرجت فيها من الظلام إلى النور، وأصبحت عبدًا لله فقط. وهنا عليك أن تختار: إما أن ترضى بنصف الطريق، أو تتحمل حتى تصل إلى آخره.

واعلم أنه قد يقع هذا الشخص الذي ارتضى بمنتصف الطريق في أشياء أكبر منه.. فمثلًا إن تولى منصبًا ي إحدى المراكز أو الجامعات أو الجماعات أو المجتمعات المسلمة فسيُضَل ويضِل، أو أن يتولى تعليم أحد المقبلين على الإسلام حديثًا؛ فسيضَل ويضل،وعندما يكون مثل هذا كثيرون؛ فيصبح الحال كما هو عليه الآن.. نشأة جيل بالكاد يعلم أركان الإيمان والإسلام، ويعد لديهم حافظ القرآن شيخ العصر والزمان.

وهنا تبدأ الأمة كلها بالوقوع في الجاهلية الثانية. بمعنى أن يكون المفهوم السائد عن الإسلام لدى المسلمين هو أن تصلى وتصوم، ويا حبذا لو أخرجت الزكاة، وذهبت للحج، كأنه تفضل منك، والبعض يحصر مفهوم الإسلام على زىّ معين أو أشخاص معينين، وهذا من الجهل بمكان. ولكن الإسلام لم يأت لذلك فحسب، بل كما قال ربعية بن عامر للفرس: جئنا لنخرج الناس من عباده العباد إلى عبادة رب العباد.
وصدق الشاعر حين قال:

يظنون أن الدين لبيـــك في الفلا … وفعل صلاة والسكوت عن الملا

وسالم وخالط من لذا الدين قد قلا … وما الدين إلا الحب والبغض والولا

 كـــذاك البرا من غاوٍ وآثم.

فهذا الذى يصوم ويحج كل عامين، ويؤدى العمرة عدّة مرات في السنة، من الممكن أن يكون مواليًا للكفار؛ فيحبط كل ما يفعله، ومن الممكن أن يشرك مع اللَّه إلهًا آخر!

فمثلًا، ما يحدث هذه الأيام، من تقديس وحب لأشياء تتنافى مع مراد صاحب الشريعه؛ فتفسد الدنيا والآخرة، فمعظمنا يقع في الشرك، دون قصد بسبب عدم اكتمال صوره الإسلام في أذهاننا.. كم مرة تركت طاعة من أجل بشر ونسيت حق اللَّه جل وعلا! كم مرة عصيت اللَّه من أجل بشر، ونسيت حق الله جل وعلا! كم مرة خذلت المسلمين بحبك لمن يعاديهم، ونسيت قول النبي – صلى اللَّه عليه وسلم – المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه! وكم مرة رأيت منكرًا، ولم تنكره، ولو بقلبك! بل من الممكن أنك أقررته أيضًا!

هذه كلها مظاهر للجاهلية الثانية، وهي حال وسط بين الجاهلية والإسلام، هي قول لا إله إلا اللَّه، دون العمل بها.. هي آداء الصلاة، ثم موالاة الكفار.. وقد تصل إلى النفاق أحيانًا، وهو قول لا إله إلا الله، وكُره تحكيم شرعة، وإن كانت كلمة كُره قاسية على البعض، فمن الممكن أن نقول: غير محبذ، كما يزعم البعض.. أن يقول لا إله إلا اللَّه، ويكره أن يدعو لمن يجاهد في سبيل إعلاء هذه الكلمة.. أن يقول لا إله إلا اللَّه ويحب من يعاديها، هذا ما وصلنا إليه الآن.. لا سيما في وسط من يسمون بالملتزمين، فكلنا في جاهلية ثانية.
ليس في الإسلام مجال أن يأخذ جزء منه ويُترك الباقي، فالإسلام يُأخذ جملةَ واحدة، ولا مجال للتفاوض فيه، وقد قال تعالى تعالى: أفتؤمنون بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكفرُون بِبَعض! البقرة (٨٥).. فطوبى لمن خرج من هذه البوتقه، وطوبى لمن أخرج نفسه من هذا الصندوق؛ ليدرك أنه ما زال يحبو، وأن عليه أن يقف ويكمل السير ليشتد عوده، ولتقوى شوكته، وليحمل بداخله حلمًا كبيرًا.. أن يعيش للإسلام.. وبالإسلام، وطوبى لمن لم يقف عند منتصف الطريق وأكمل السير.. وطوبى لمن كسر القيود الفكرية تلك؛ ليطلق العنان لتفكير حر، وليصل إلى طريق اللَّه – جل وعلا – وطوبى لمن سار في الطريق إلى اللَّه؛ ليكمل البيع الرابع ويشري نفسه للَّه – عز وجل – ليربح الغاية الكبرى.. إن اللَّه اشتَرَى مِنَ المُؤمنين أَموَالَهُم وأَنفُسَهم بأنَّ لَهم الجَنَّه. التوبة (١١١). فطوبى لمن سار في طريق المكاره، وابتعد عن الشهوات والشبهات.. فطوبى للغرباء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد