إن صفقة القرن التي أعلنت عنها الإدارة الأمريكية مع مجيء ترامب أصبحت أكثر تجليًا ووضوحًا يومًا تلو الآخر مع إعلان القدس عاصمة موحدة لإسرائيل في 6 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وهو ما تم رفضه بشكل قاطع من قبل الكل الفلسطيني لأنه يتعارض مع القوانين والشرعية الدولية والحقوق الفلسطينية الثابتة بها.

ومنذ ذلك الحين تبين لنا بشكل أكبر مدى حجم الانحياز الأمريكي الفاضح لإسرائيل على حساب القضية الفلسطينية غير أن الولايات المتحدة لم تكتف بذلك، فاليوم وبحسب المصادر الإخبارية فإن الإدارة الأمريكية ستعلن في الأيام القادمة عن إلغاء حق العودة من خلال تصفية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» من خلال اتباع عدة إجراءات خاصة لتنفيذ هذه السياسة والتي تشتمل على ما يلي:

1- إلغاء الاعتراف والتفويض الأمريكي الممنوح للأونروا بحجة أنها تديم مشكلة اللاجئين، وهذا ما يريده نتنياهو، وبالتالي تكون هذه القضية الثانية التي قد أزيحت من قضايا الوضع النهائي بعد القدس لصالح دولة الاحتلال.

2- الاعتراف بأن عدد اللاجئين الفلسطينيين نصف مليون لاجئ فقط، مع العلم بأن عدد اللاجئين الفلسطينيين في جميع أنحاء العالم 14 مليون، وفي المناطق الخمسة المشمولة ضمن عمليات الأنونروا 5.9 مليون لاجئ، وبذلك تكون الغطرسة والبلطجة الأمريكية هي من تتحكم في السياسة الخارجية بعيدًا عن حقوق الشعوب المعترف بها دوليًا.

3- وبحسب ما كشفت عنه بعض المصادر فإن ترامب سيطلب من إسرائيل بحث موضوع تفويض الأونروا وعملها في الضفة الغربية، ويقوم بدوره بوقف التمويل الأمريكي بشكل تام، بالإضافة للضغط ومنع الدول من التمويل لسد العجز، ولكن نعتقد يمكن للسلطة الفلسطينية اللجوء للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لزيادة حصصهم في الدعم –خصوصًا أن التبرعات التي تقدم للأونروا طوعية- والسعودية والتي تعتبر ثالث أكبر ممول لها، بالإضافة لإطلاق حملات التبرعات في جميع أنحاء دول العالم، بحيث تستطيع المحافظة على وضع الأونروا في ظل المؤامرة التي تتعرض لها.

4- الإعلان إن صفة لاجئ لا تورث، ولكن ألا يدري ترامب بأن كل المعاناة الفلسطينية كان سببها الاحتلال الذي أوجد مشكلة اللاجئين،إذا فالقضية قضية احتلال سبب مشكلة يكون حلها بإنهاء ذلك الاحتلال وإرجاع الحق لأصحابه، لا أن يتم قلب الأمور بما يتناسب مع مزاج ترامب ربما لمصالح اقتصادية ربطته برجال أعمال يهود مولوا حملته الانتخابية.

5- تحويل اللاجئين الفلسطينيين من الوكالة المتخصصة 1949 الشاهدة على الاحتلال وجرائمه وما سببه من هجرة لمواطنين من أوطانهم الأصلية إلى المفوضة السامية للاجئين 1951 وهي مفوضية عامة تقدم خدمات إنسانية وأخلاقية لجميع من يحتاجها في جميع أنحاء العالم، وبذلك تتضح المؤامرة بأن القضية الفلسطينية كغيرها من قضايا العالم ويتم حل مشاكل اللاجئين من خلال مفوضية عامة كباقي قضايا أفراد العالم، ولكن هذا إجحاف أمريكي غير قانوني تسلطي لا يوجد الفلسطيني الذي يمكن أن يقبل به، بالإضافة للعمل على توطين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم دون حق العودة أو التعويض، وإن تم هذا فإن بعض الدول ستعاني من ذلك، خصوصًا الأردن سوريا ولبنان، لوجود العدد الأكبر من الفلسطينيين في تلك الأماكن.

نعتقد أن هذه الإجراءات قد جاءت بعد رفض السلطة الفلسطينية العودة لطاولة المفاوضات –المتوقفة أصلا منذ 4 سنوات – خصوصًا بعد الاعتراف الأمريكي بأن القدس عاصمة لإسرائيل، وهو ما صرح به المفوض العام للأونروا كرينبول، وعدم القبول بها وسيطًا لتحقيق السلام بعد ذلك الحين، وبأنها مزدوجة المعايير منحازة لا تستطيع أن تكون حيادية، وتأتي هذه الخطوة لتبين لنا مدى الابتزاز المالي الأمريكي والمساعدات المشروطة وسعيهم بشكل غير أخلاقي ينتهك سيادة الدول، التدخل في الشؤون الداخلية الخاصة لتحقيق سياسات ومصالح أمريكية خاصة، بالإضافة إلى أن السياسة الأمريكية وما تكشفه الأيام هي سياسة متقاطعة متماهية بشكل لا حدود له مع السياسة والأهداف الاسرائيلية، كشرعنة الاستيطان واستخدام الفيتو لصالح إسرائيل، واختراع صفقة لتصفية قضية وطنية فلسطينية تضرب في جذور التاريخ.

ولا بد من التذكير أن هذه الإجراءات المنوي الإعلان عنها جاءت بعد تقليص الدعم الأمريكي للأونروا بشكل غبر مسبوق وهو ما أدى لعجز في الميزانية، أدى لتقليص الخدمات وفصل مئات الموظفين، بالإضافة لإحداث بلبلة وعدم استقرار وظيفي مجتمعي، بالإضافة لإعلان وزارة الخارجية الأمريكية بناءً على تعليمات من ترامب، تغيير وجهة 200 مليون دولار كانت مخصصة لمشاريع في غزة والضفة الغربية إلى أماكن ومشاريع أخرى تتناسب مع المصالح الأمريكية، وهذا ما سيشكل عبئا اقتصاديًا كبيرًا على الحكومة التي ينبغي لها أن تتبع سياسة تقشفية بشكل متزن، والمواطن الذي يعاني أصلًا، حيث تؤثر سلبًا وتؤدي لوقف مشاريع كانت مقررة وبالتالي زيادة البطالة والفقر، لذلك لا بد من الحكومة والمنظمات الفلسطينية المعنية أن تبحث عن علاقات وشراكات وأن تفتح أفقًا مع دول قد تكون أكثر وقوفًا ودعمًا للقضة الفلسطينية كدول الاتحاد الأوروبي.

الأونروا التي تأسست بقرار من الأمم المتحدة، أصبحت مهددة وتتعرض لضغط وابتزاز مالي أمريكي في محاولة للتخلص منها وتلقائيًا من حق العودة «لأن الأونروا التي ترعى اللاجئين إلى حين العودة لأراضيهم التي هجروا منها قد تم إنهاؤها» كونها الشاهد على مأساة اللاجئين الفلسطينيين ومن ثم المضي قدمًا في تحقيق «خُرافة القرن» الأمريكية التي لن تتوقف إلا وقد حققت ما يرضي شهوات إسرائيل.

لذلك المطلوب من القيادة والفصائل الفسطينية ما يلي:

1- تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية بشكل فوري وفعلي، حتى يمكن مواجهة تلك المؤامرات باستراتيجية وطنية واحدة تكون قادرة على حمل عبء المرحلة، والوحدة مطلوبة قبل فوات الأوان حيث تستمر الإجراءات والقرارات المؤدية لتحقيق ما يسمى صفقة القرن في الوقت الذي يستمر فيه الانقسام، وهو ما سيؤدي إن لم تتم الوحدة إلى ازدياد التكالبات والاستفراد بالقضية الفلسطينية.

2- بما أن الولايات المتحدة الأمريكية الراعي السابق لعملية السلام قد فقدت مصداقيتها ولم تعد مؤهلة لأداء مثل ذلك الدور، خصوصًا أنها تنسف بإجراءاتها أسس وثوابت القضية الفلسطينية، لا بد من البحث والتوجه لدول أخرى لها وزنها في العالم مع عقد صداقات وعلاقات تؤثر إيجابيًّا بصف القضية الفلسطينية.

3- العمل على إثارة الرأي العام في الداخل والخارج والشتات بشكل متزامن بين حميع طبقات الشعب ومن خلال وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي، ومن خلال إعلان وبكل اللغات بحيث يجعلون القضية الفلسطينية والمحاولات الأمريكية الخبيثة لتصفية حق العودة وفرض إملاءات لأهداف عنصرية احتلالية قضية الرأي العام العالمي بشكل يؤدي لفضح تلك السياسات مؤديا لمقاطعة عالمية لها ولأصحابها «عزلة دولية».

4- والحقيقة المطلوب تفعيل وانضمام جميع الأحزاب والحركات لمنظمة التحرير الفلسطينية لتقوم باتخاذ خطوات جادة فعلية تكون بحجم تحديات المرحلة الحالية والقادمة، فمثلًا سياسة الشجب والاستنكار لم يعد لها إعراب في عالم الغطرسة الأمريكية، وما دامت الولايات المتحدة غير ملتزمة بعملية السلام وإسرائيل مستمرة في الخطوات الأحادية وسرقة الأراضي، فالمطلوب خطوات أكثر وضوحًا تتدرج إن استمر مسلسل المؤامرات والتصفية الأمريكي إلى العودة للكفاح المسلح، مع أن إسرائيل نووية ولديها إمكانيات ووسائل متطورة لكن لا يمكن إن استمرت هذه الحالة إما أن نكون في إحدى الموقفين:

1- موقف المتفرج: وفي هذه الحالة ستستمر إسرائيل في عدوانها وسرقتها دون رادع.

2- موقف المُدافع: وفي هذه الحالة يُسجل على الأقل بأن هذا الشعب جعل كفه تقاوم المخرز ولم يستسلم، وفي هذه الحالة ربما تشعر إسرائيل خصوصًا إذا تعرضت لعمليات عسكرية وخسائر بشرية بأن هناك أمرًا واقع لا بد من الأخذ به عند محاولة إيجاد حل من خلال عملية مفاوضات.

5- اللجوء للأمم المتحدة والمطالبة بتفعيل وتطبيق قرارت الجمعية العامة الخاصة بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم كقرار 1974، وقرار 194 لسنة 1984 بضرورة العودة والتعويض وفقا لمبادئ العدالة والقانون الدولي والمطالبة بحماية ودعم القرار 302 لسنة 1949 الذي اتخذته الأمم المتحدة الخاص بإنشاء الأونروا حتى تستطيع البقاء ريثما يعود اللاجيء الفلسطيني لوطنه.

لابد لنا أن نعترف بأن الولايات المتحدة الأمريكية أكبر وأقوى دولة في العالم تستطيع أن تفعل كل شيء، تفرض عقوبات على روسيا والصين والاتحاد الأوروبي وتركيا، ولكن نستطيع نحن أيضًا من خلال الوحدة الوطنية الحقيقية أن نفعل الشيء الكثير لإعادة الاعتبار – بعدة طرق – للقضية الفلسطينية، فالقضية الفلسطينية اليوم لمواجهة تلك التحديات تحتاج لضخ دماء جديدة لإعادة الروح والحيوية لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

gaza, unrwa, فلسطين
عرض التعليقات