لم يجب عليك أن تُخطط للهجرة سريعًا من مصر على الأقل لعدة سنوات قادمة؟

1-
كان يزيد بن معاوية حاكمًا لديه من العسكر الكثير فأرسل جيشًا من 4 آلاف جندي وكان يحارب جيشًا قليل العدد والعتاد من شيعة الحسين ومن معه، وكان النصر مضمونًا، ولكنه زاد في ذلك، فقتله ومن معه، ومثل بجثثهم، وحرق بيوتهم فوق نسائهم وأطفالهم، ولكن هناك من استفزه المشهد فقرر الانتقام.

 

خرج المختار من زنزانته وأقسم على أن يقتل كل من شهد مقتل الحسين، فقتل ما يزيد عن الـ 4 آلاف، وسلخ جلودهم، وقطع أطرافهم، وترك عظامهم للنار تأكلها.

 

ولكن هناك من استفزه المشهد، قرر مصعب بن الزبير أن يحارب المختار ومن معه، حتى قتله، فتبقى 6 آلاف من أنصاره، رجالًا وأطفالًا وشيوخًا ونساءً، فقرر قتل الـ 6 آلاف، ودفنهم في الصحراء.

برأيك، لم كان يجب أن تنصح أصدقاءك حينها بالفرار من تلك البقعة من الأرض؟

 

2-
كان القذافي هو أقوى رجال ليبيا بحكم ما له من مال وسلاح وجيش مُسخر لخدمته، اطمأن لهذا واغتر به، قرر أن يبطش بكل معارضيه، ولكنه لم يكتفِ بسجنهم، قرر أن يزور جامعة طرابلس في كل عام كي يعدم الطلاب المعارضين لحكمه على مرأى ومسمع من الجميع، بل امتد لأنه قرر أن يعدم اثنين من معارضيه نهار كل يوم من أيام شهر رمضان على الهواء مباشرة.

 

ولكن هناك من تذكر هذا المشهد فقرر أن يشارك في سحله بعد ذلك بأعوام، قبل أن يشارك زملاءه بغرس قطع من الحديد في دبره، قبل أن يُنهي حياته قتلًا وسحلًا ورميًا بالرصاص، الشاب المُصراتي الذي قتل القذاقي، قُتل على يد مجهولين بعدها بشهور.

استمر بعدها السلاح في يد كل من يقدر على حمله في ليبيا، استمر اصطياد رجال القذافي، واستمر رجال القذافي بعدها في اصطياد من يصطادونهم.

 

برأيك، لم كان يجب عليك أن تنصح أصدقاءك أن يفروا من ليبيا منذ أن بدأ القذافي نوبته؟

3-
ظن الرئيس محمد مرسي قبل تظاهرات 30 يونيو أنه ثاني أقوى رجال مصر، وأن جماعته تتلقى دعمًا من الرب، وأن خيرت الشاطر يمتلك عقلًا لا يُخطئ، في حين سانده سيادة المرشد محمد بديع وهو في غاية اليقين أن دعوة الشاطر لا تُرد، وظن أصدقاؤنا من شباب التيار الإسلامي أنه سيكمل سبعًا أخرى من السنين يتلوها ثمانية لأبو إسماعيل، هتفوا من ورائه دونها الرقاب وقرروا أن يحولوها إلى ثورة إسلامية، أو هكذا أرادوا تسميتها.

ولكن هناك من استفزه المشهد، فطلب تفويضًا شعبيًا خرج فيه ملايين من المصريين ليعطوه حق إقرار مصير خيرت ومن معه، فقرر أن يفض اعتصام رابعة، ولكنه لم يكتفِ بذلك ففتح النار على الجميع ليموت في يوم واحد ما يتجاوز السبع مئات من المصريين.

 

4-
دائرة الدماء تطال الكل، هناك من استفزه المشهد فقرر أن يبدأ سلسلة من عمليات اغتيال رجال الشرطة والجيش، لينتج عنها 400 قتيل في بضعة من الشهور، وهو ما لم يحدث من قبل في سنين عديدة وأعوام مديدة.

 

الدائرة تتسع لتشمل السلطة القضائية التي يُفترض بها أن تكون نقطة الأمان التي يتوقف عندها رسم كل دوائر الانتقام.

دعني أخبرك أن عدد المحكوم عليهم بالإعدام من المنتمين لجماعة الإخوان في الفترة من يونيو 2013 إلى يونيو 2014 قد تجاوز الـ 1264 بمعدل 3.5 حكم بالإعدام يوميًا.

الدائرة تتوحش لتضم أفرادًا ليسوا من أهل السياسة ولا من أهل الحرب، تتوحش لتهددك أينما كنت، وعلى سبيل الذكر لا الحصر فعدد قتلى طلاب الجامعات قد تجاوز الـ 17 قتيلًا منذ 30 يونيو وحتى هذه اللحظة، وأنا هنا أتحدث عن من ماتوا داخل جدران جامعاتهم، داخل الحرم الجامعي الذي يحرم فيه كل شيء إلا الموت في هذه الأيام.

5-
“لا أستطيع تحمل مسؤولية قطرة واحدة من الدماء أمام الله ثم أمام ضميري ومواطني، خاصة مع إيماني بأنه كان يمكن تجنب إراقتها”.
– محمد البرداعي يكتب رسالته الأخيرة في القاهرة ثم يستقل طيارته إلى فيينا –

 

في دولة يأبى طرفي الصراع فيها الجلوس إلى طاولة المفاوضات ولا يمتلك الطرف الأقوى فيها نقطة يتوقف عندها طواعيةً، ويمتلك الجميع فيها نهمًا دائمًا للثأر والدماء، تغذيهم أفكار عنصرية يتم تسمينها يوميًا عبر منابر إعلامية مختلفة تغني لكل منهم على ليلاه ثم تحتفل بالذبح المقدس بين حين وآخر، ماذا تبقى لديك لتحيا من أجله هنا وماذا يجعلك في مأمن من أن تلتهمك دائرة الدماء؟

 

عليك أن تهاجر فقط لتحمي حقك الإنساني في الحياة.

 

قبل أن تحضر حقائب سفرك وتختار دولة مهجرك بعناية فأنت لا تملك جواز سفر دبلوماسي ولا بيتًا في فيننا كالبرادعي، ألقِ نظرة على “التفكير في الهجرة – الحكاية الأولى”، فربما تغير رأيك وإن غيرته فربما تجد في الحكاية الثالثة والأخيرة ضالتك، الأسبوع المقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد