المفاهيم الأساسية عن حقيقة هذا الوجود

الإنسان كائن فضولي يتوق بكامل قلبه وعقله إلى المعرفة، وأحد الأشياء التي شغلت هذا العقل منذ أمد بعيد هي حقيقة هذا العالم الذي نعيش فيه، وفي هذا الميدان تصارع الفلاسفة والمفكرون والعلماء التجريبيون والمعركة ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا وإلى الآن لم يحسم هذا الصراع، فمنهم من قال بعدم وجود عالم خارجي ومرد كل هذه الإحساسات التي نشعر بها وندركها إلى العقل البشري، تمامًا كما نرى أشياء كثيرة في المنام وحقيقتها مجرد صور داخل الرأس وليس لها وجود حقيقي ملموس، كذلك كانت نظرتهم لهذا العالم الخارجي، وإذا سقط الإدراك والوعي البشري سقط معه كل هذا الوجود وذهب إلى العدم، ومنهم من قال بوجود العالم الخارجي بكافة محتوياته باعتباره حقيقة ساطعة ولكنهم اختلفوا على شكل هذا الوجود والمصدر الذي جاء منه هذا العالم، فخرج علينا الماديون الذين قالوا إن المادة هي سبب هذا العالم ولا شيء غير المادة، وفي الجهة المقابلة لهؤلاء نجد الميتافيزيقيين الذين يؤمنون بوجود صانع لهذا الكون يتعدى حدود الطبيعة والمادة كلها.

لِمَنْ سيُحسَم هذا الصّراع في نهاية المطاف؟

برأيي الشخصي الصراع حول حقيقة هذا العالم وسر هذا الوجود بين مختلف المدارس العلمية والفكرية والفلسفية هو صراع عبثي لا معنى له، ولا يمكن لأي طرف من الأطراف أن يقنع الآخر، والسبب في ذلك هو أنَّنا لا نملك إلا أداة واحدة لدراسة هذا العالم وهي العقل البشري، والعقل البشري عبارة عن أداة لا يمكن ولا بأي شكل من الأشكال أن تنفك عن هذه الجبلة الطينية البشرية، فكل معلوماته مرتبطة بالسمع والبصر والشم والذوق واللمس وبناء عليها يكون العقل نظرته عن هذا العالم، حتى أشد النّاس عبقرية هو في النهاية إنسان خاضع لقوانين التركيبة الطينية وعبقريته وتميزه كانت على مستوى البشر فقط ولن يخرج عن الدائرة البشرية مهما بلغ من عبقرية.

وحتى نصل إلى الحقيقة المطلقة نحن بحاجة حتمًا إلى طرف آخر غير بشري، وبالتحديد هذا الطرف يجب أن يكون الصانع، فنجلس معه ونتحاور ومن خلال هذه الجلسة سوف نعرف الجواب على السؤال الجوهري للقضية كلها، هل رؤية هذا الصانع للأشياء هي نفسها كما نرى نحن وندرك؟! عندها سوف نصل إلى الحقيقة المطلقة للوجود، وحتى أبسط هذا الموضوع سوف أضرب مثالًا على ذلك، لو أخذنا الإنسان نفسه، الإنسان مكون من يدين ورجلين وقامة منتصبة بطول معين وعيون بلون كذا وأنف وفم …إلخ. والسؤال الذي يطرح نفسه هل هذا الرسم الذي نراه للإنسان يعبر عن الحقيقة المطلقة للشكل الإنساني؟!

في الحقيقة لا يوجد جواب أكيد على هذا السؤال أبدًا ولا عند أفخم عقل عرفه تاريخ البشرية كله، فحتى تكون هذا السَحْنة هي الشكل الحقيقي للإنسان فينبغي أن تراه كل الموجودات كما نراه نحن، بمعنى عندما تنظر أنت إلى فلان الفلاني صاحب العينين الزرقاوتين بوزن 80 كج وطول 180 سم … حتى تكون هذه الصفات حقيقية يتوجب أن تراه كل المخلوقات بهذا الشكل، وإنْ حصل ولم يره مخلوق واحد فقط بهذه الهيئة، فشكل الإنسان الذي نراه عبارة عن شيء وهمي خاص بالبشر فقط، ولكن أنَّى لنا أن نعرف كيف يرانا الحصان أو الصرصور أو النملة أو الجن أو الملائكة… إلخ! ربما نحن بالنسبة إلى بعض المخلوقات مجموعة من الأسلاك وقد يكون شكلنا بالنسبة إلى مخلوقات أخرى كشكل الشجرة أو مجرد كتلة طينية كالحجر.

نحن نرى وندرك الواقع الموضوعي الخارجي من جبال وأنهار وبحار ووديان وسهول وهضاب وحيوانات وحشرات ونباتات…إلخ على هذا الشكل، لأن تركيبة الإنسان مهيئة لأن تراها كذلك، ولكن هل الباب الذي نراه بشكله المستطيل هو الحقيقة المطلقة للباب، ربما لو غير الصانع التركيبة البرمجية للإنسان لانقلبت المفاهيم رأسًا على عقب، ستنظر إلى الشحرة فيفسرها عقلك على أنها حصان، وسوف تنظر إلى الجبل فتراه بحرًا، وإلى الديناصور فتشاهده أصغر من النملة، والقضية كلها طلاسم بطلاسم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات