كيف حالك أيها القلب؟ هل ما زالت تشعر بذلك الألم الذي يعصر روحك من الداخل؟ أم أنك ما زلت تشعر بتلك الوخزة المؤلمة مع كل نفس يمر علي صدرك كأن هناك من يتعمد أن يغرس ذلك الخنجر السموم بصدرك ويخرجه في كل شهيق وزفير؟ وهل زرت الطبيب؟ ولكنه يا صديقي أعلم أنه لن يُفيد لأن ألم الروح والقلب لا طبيب له ولا دواء، وحده الله قادر على أن يشفيك ويرمم حطام قلبك المُهشم ويحيي الفتات والعظام وهي رميم، ولكن تعال معي أيها القلب المريض لتعرف سبب الآلام لعل معرفة الداء تكون أولى خطوات الدواء والعلاج.

أخبرني بصدق يا أيها القلب المكلوم كم مرة تعلقت واشتقت وعشقت شيئًا أو شخصًا أو حتى مكانًا ولم تنعم بما تعلقت به؟

تعال معي وأنا أخبرك سبب ألمك الذي حير الأطباء، السبب يكمن يا عزيزي في تعلقكك بشيء من الأساس لا يجوز لك التعلق به بهذا الشكل، أعلم أنه بغير إرادتك، وأنك تتعلق بدون أن تشعر أو تدرك حتى فالتعلق ساحر لا يُرى ولا يُحس يخطف قلبك منك دون استئذان ولا تشعر به إلا بعد أن يسرقك ويتركك خاوي القلب والروح لا تدري هل أنت تعيش في عالم البشر أم أنك تسير في عالم الأرواح، أم هل أنت ميت وصعدت روحك إلى بارئها أم أنك في تلك البقعة الفاصلة بين عالمين عالم الأرض والبشر وعالم الأرواح الذي لا نعلم عنه شيئًا؟

إن أردت إجابتي سأخبرك أنك لا تعد مع الأموات ولا الأحياء، أنت يا صديقي في المنتصف لا أنت في عِتاد الأموات ولا أنت حي ترزق مع الأحياء، فروحك عالقة بين العالمين، روحك تسبح في ملكوت الله هائمًا تبحث عن نصفها الآخر، وجسد يبدو للعين أنه ما زال ينبض، لكنه لا روح فيه، جسد خاو معتم لا حياة فيه، لا يأكل، لا ينام، لا يُضحكه شيء، ولا يحزنه شيء، لا يستمتع بأي شيء، فقد حتى القدرة على الحياه، فاقد الشغف، فاقد القدرة علي المواجهة والعزم والإصرار على مقاومة الحياة وضُغوطها، فاقد حتى القدرة على التنفس، وحتى ضربات القلب التي تعمل عملًا لا إراديًا يشعر أنها تؤلم روحه ويتمنى لو أن يخلصه الله من هذا العذاب ويتوقف هذا القلب عن النبض والألم، فيا ترى هل هناك دواء أم سيستمر العيش هكذا؟

هل لي أخبرك عن شيء مضحك؟ قال لي أحد أطباء القلوب من قبل «ألم القلب ألم عضوي لا يُعد ألم نفسى أو تهيؤات أو أنه قد يكون قد تعرضت لنوبة برد كمان تقول لك والدتك عندما تشتكي لها من أي ألم، فهو عندها بالتأكيد برد لأنك خففت ملابسك، وهي حذرتك ألف مرة من هذا»، ولكن الطبيب نفى كل هذه الشكوك بداخلي، وأخبرني أنه ألم حقيقي موضعي سيأتي مرارًا وتكرارًا فتعلم أن تعيش معه، فهو كالصداع قد يباغتك فجأة دون أن يمهد لك حتى، وقد يستمر معك لساعات، أو حتى أيام، أو شهور، فتعود عليه حتى يشاء الله له أن يزول.

تعال اترك لي قلبك لعلي أجعله يستريح قليلًا «يا أيها القلب الرقيق أشعر بك كثيرًا وأعلم مقدار ألمك وحزنك ولكن كل هذا سيزول، يقينا بالله الذي رفع السماوات بغير عمد سيجبرك الله جبرًا يتعجب له أهل السماوات والأرض، لكن عليك فقط أن تقوم بشيء واحد عليك أن تملأه بحب الله وحده فهو يغار عليك، فأنت في الأساس مِلكٌ لله الذي فطرك وجبلك على كل هذه المشاعر، ويعلم عنك كل شيء حتى ما لم تستطع عليه صبرًا، وما لم تستطع البوح به لأحد، فهو يعلم الجهر وما يخفى، فلا تحزن رجاء فهو معك، ودائما يشعر بك، الله الذي خلقك لم يُجِدك في الدنيا لتتألم أو تتعذب حاشاه، لكن صدقًا أنت من تَجلبُ الحزن عنوة علي قلبك وروحك، الله أحن علينا من أنفسنا ومن الأمهات بأطفالهن.

وجه قبلة قلبك لله ولا تخف.

اترك الأمر كله لله ولا تخف سيُنجيك منها ومن كل كرب عظيم.

يكمن الحل فقط في التخلي يا صديقي، فمن ترك شيئًا لله عوضه الله عنه خيرًا كثيرًا حتى ولو كان أكثر الأشياء حبًا بقلبك ولا تستطيع العيش بدونه، لكن لو تركتها لله ستعود لك صدقني، الحل يكمن في توجه قبلة قلبك لله الواحد القهار فقط لن يقهرك بعدها شخصٌ أو شيءٌ أو مخلوق فأنت مع ملك الملوك فهل يعقل أن يَضُركَ شيءٌ؟

أحبب من أحببت هوننا فإنك مفارقه.

أعظم قاعدة يمكنك أن تستعين بها أيها القلب وتتكئ عليها هي «الاعتدال»، فالعلاقة بين التعلق والفقد علاقة عكسية كلما زاد عشقك وتعلقك بشيء كلما ستفقده حتمًا، وبالتالي ستتألم لأن قلبك تعلق به كثيرًا، كالطفل الذي ينجذب بشدة إلى شيء قد يؤذيه، ولكنه يراه براقًا كالنار مثلًا يريد أن يلمسها يتحسسها يتخيل كم أنها جميلة ولطيفة ولونها مبهج للعين، ولكن لا يعلم مدى مقدار الألم الذي سيصاب به إن وضع يده عليها، فتبعده أمه عنها بقوة، هل يدرك الطفل هنا أن أمه قد حمته ونجته من خطر عظيم؟ أم يرى كم أن أمه ظالمة وقاسية، وباعدت بينه وبين الشيء الذي يحبه؟ ولله المثل الأعلى فتيقن أن كل ما منعه الله عنك ما منعه إلا لحمايتك في المقام الأول مهما كنت تريده بشدة، ولا حياة لك بدونه، فالحقيقة التي لا تراها حقًا أن حياتك يكمن سرها بدونه.

وإذا نظرت في التاريخ قليلًا فسترى أن الأنبياء والصالحين أكثر الأشخاص تعلقًا، ومع ذلك أخذ الله منهم ما تعلقوا به، فسيدنا يعقوب ابتلي بحب يوسف ففقده، وسيدنا محمد أحب الصبيان فحرم منهم، وأحب السيدة خديجة فحرم منها أيضًا، مريم العفيفة الشريفة ابتليت في عرضها وشرفها، وقالوا لها عندما أتت قومها تحمل نبي الله عيسي عليه السلام: «قالوا يا مريم لقد جئت شيئًا فريًا» وغيرهم كثير من التابعين والصالحين، فهون عليك فأنت لست أول من تعلق من البشر، ولست أول أحد يفقد ما تعلق به، هذا هو «كتالوج» الدنيا، الله وحده يعلم كيف يصلح حال عباده، حتى ولو كانوا سيتألمون وسيفقدون أغلى ما يمتلكون، فهون عليك، وتأكد أن الابتلاء يأتي لك في أحب الأشياء على قلبك، فتأهب.

أعلم من أعماق قلبي أن مقدار الألم بداخلك عظيم يكاد تنشق له الأرض، ولا أعلم كيف لك العيش مع هذا الكم من الألم، لكن تعلم يا صديقي أن التعلق لا يأتي بخير، كلما تعلقت بشيء سيأخذه الله منك؛ حتى تعود له؛ فهو الملجأ الأمن لك من مُهلكات الدنيا جميعها، فلا تستجلب غيرة الله عليك أيها القلب، ومن البداية لا تتعلق بسواه، حينها فقط ستطيب لك الدنيا، وتغدو في نعيم الله على الأرض، وهو الرضا، والسكينة، والسكون، وتعلم يا صديقي أن تجعل قلبك في قبضة يدك واجعل نفسك أنت المتحكم به وبما يهوى ويعشق ولا تجعل به إلا الله وادعو دائمًا أن يقوي قلبك ويحميه من التعلق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد