هل من حقك أن تزدري الدين الذي لا تؤمن به؟ أن تسخر من صلب الله في المسيحية، أو طيران محمد على ظهر بغلة؟ أن تسخر من تقديس البقرة لدى الهنود؟ أن تسخر من معتقد اليهود أنهم شعب الله المختار؟

الحرية.. غاية أم وسيلة؟

أنت شخص في مجتمع حر «هذا افتراض، فكونك عربيًّا فقولي ذلك لك هو محض تخيل، ولا يمت للواقع بصلة»، وتفعل به ما تريد، ثم تولت البروليتاريا الحكم، ودخلت في حروب مع دول مجاورة، وقيدت الحريات، وكونك شخصًا حرًّا طوال السنين الماضية؛ ثرت على الحكم، وخرجت داعيًا إلى المظاهرات، ولأن لك شعبية جماهيرية عظيمة؛ لم تقدر الحكومة على احتجازك، فعرضت عليك فتيات بجمال الحور العين، وطعامًا بجمال طعام الفردوس؛ كي تتنازل عن حريتك وعن حرية الشعب، مع ضمان بروزك السياسي، وحصولك على الاهتمام، وبقاء حب الناس، عن طريق بعض الكلمات الخلابة في الإعلام، هل ستقبل؟! هل ستضع حذاء النظام بين فكيك الحرين؟! لو كانت إجابتك نعم؛ فهذا لا يغير أن هناك ثوار يناير (كانون الثاني)، وثوار فرنسا، وغيرهم ممن قالوا لا ثم لا! ومعنى كون هناك إجابة هي لا؛ فهو بالضرورة معناه أن الحرية هي الغاية، حتى لو كانت آتية من أوهام العزة البشرية، كما يقول جون ديوي في كتابه الحرية والثقافة، لكن حالها كحال كل الغايات «المسماة بالغرائز» كالجنس أو الإيمان بالقوى العليا، كما أوضحت في مقال «نفي الغريزة.. ماذا لو كانت غريزتنا وهمًا؟» وسائل في باطنها للبقاء.

نطاق الحرية

من المضحك أن تسمع عبارات توضح مفهوم الحرية، مع أن الحرية في حد ذاتها في معناها اللغوي هي أن تضع أنت لنفسك حدودها «لنفسك، لا على البشر جميعًا، لنفسك فقط!»، فمثلًا إذا كنت مسلمًا؛ فأنت ترى أن نطاق حريتك حتى الأشياء التي حرمها دينك، واعذرني لذكري لفظة «نطاق» مع لفظة «حرية»، فهذا النطاق يتوقف على مبادئ حرية الشخص بذاته، فمثلًا بالنسبة لشخص عدمي يكون نطاق حريته حيث لا نطاق، ويرى الوجودي أن نطاق الحرية حيث لا يؤذي البشر ولا يعيقهم، ويرى الفرويدي والكانطي أن نطاق الحرية ينحصر في الأفعال المخصصة لإعلاء القيمة البشرية وسبب الوجود، لكن هل هذا يعني أنك إذا كنت في مجتمع يجتمع على نطاق للحرية، فيجب عليك أن تلتزم بهذا النطاق؟! بالطبع لا، فهذا يتعارض مع مفهوم الحرية من الأصل!

من يزعم أن الحرية هي مصطلح إنساني فهو واهم؛ بل هو أشد المصطلحات حيوانية، الحرية معناها أن تضع كلمة الحرية وتليها بحرف «في» ثم أي كلمة تريدها، مثلًا «الحرية في القتل»، «الحرية في الاغتصاب»، «الحرية في السرقة»، الحرية في أي شيء، وحرية رد الفعل في أي شيء، فمثلًا إذا اغتصبت فتاة تحت مسمى الحرية؛ فمن حرية أخيها أيضًا أن يأتي ليقتلني! أما الحرية التي تليها كلمة معرّفة، هي اجتزاء لمعنى الحرية، فمثلا قولك «الحرية الإنسانية» هو اجتزاء لمعنى الحرية في نطاق إنساني، وهي التي سأضعها محل نقاشنا هنا كي نصل إلى غايتنا من هذا المقال اللعين، لكن كي نتناقش عن الحرية الإنسانية، يجب أولًا أن نعرف معنى «الإنسانية» كي نعرف نطاق الحرية المعني.

دعنا نتفق -كما يقول ديوي- أن المجتمع الديمقراطي الحر لم ينشأ حتى الآن إلا على الورق، و-في نظري- لن ينشأ أبدًا، فالحرية في مجتمع تتخلله المنظمات الدينية التي تقيد أدمغة البشر عن التفكير، عن طريق وضع البشر في خانة ضيقة من التفكير: فلا يصح أن تفكر فيما بعد الله مثلًا، ولا يصح أن تفكر في وجوده، وفي وجود الحكام الذين يستغلون الأزمات في كبت الحريات ليفسَدوا ما شاءوا، كرواية 1984 لأورويل، وفي وجود تعارض في جذور التفكير بين البشر، وفي جعل القوانين رزمة «أعني الدستور»، إما الموافقة عليها كلها، وإما رفضها كلها، وفي تطبيق تلك القوانين من الأصل على الجميع، يستحيل وجودها بمعناها التام الذي يتضح من مسماها.

الإنسانية

الإنسانية مصطلح وهمي في نظري، فالإنسان ليس إلا حيوانًا في الواقع، وأنا لم أسمع الحيتان تردد من قبل «الحوتانية»، ولم أسمع القرود تردد يومًا «القردانية»، لكن عليّ أن أتعامل مع الواقع الفرضي الذي يؤمن به الآخرون؛ كي أخرج نتائج يعترف بها أولئك الموهومون -في نظري أيضًا-.

الإنسانية هي شيء لا أعلم معناه في الحقيقة، من المضحك أن أخصص فقرةً في المقال عن شيء ليس له معنى! كل شخص يفهمها كما يريد أو يعتقد، هناك ديني يزعم أن الإنسانية هي أحكام دينه، هناك ماركسي يزعم أن مبادئه هي الإنسانية، هناك هيجلي أو تابع لسبنسر أو كانط يزعم أن أفكارهم هي التي تمثل الإنسانية.

للأسف كانت تعارضات الإنسانية سببًا في انهيار منظومات علم الكلام الرئيسية، فالسفسطائيون انهاروا أمام سقراط؛ لأنه دحض مفاهيمهم، ومنظمة سقراط في النقاش انهارت أمام نفسها في تناقضها في توضيح المعنى الإنساني، ومنظومة ديكارت -المشتبهة من سقراط- انهارت للسبب نفسه، مثلًا من حق الإنسان الإنساني «الإنساني التخيلي بالنسبة للبعض» أن يسخر من المعتقدات الدينية للهندوس؛ لأنه يراها مضحكة في نطاق حرية التعبير، بينما الأمر بالنسبة للهندوس انتهاك للمقدسات، وإذا نظرنا من أعلى ففعلًا معتقدات الهندوس مضحكة «بالنسبة لغير الهندوس»، ومن حق غير الهندوس أن يعبروا عن ذلك، بينما الأمر في الوقت نفسه جارح لمشاعر الهندوس بشكل ما؛ فإيمانهم بأمر ميتافيزيقي أعلى ليس بالشيء الذي يحتمل سخرية الآخرين، ومن التعامل الإنساني؛ فلا يجب جرح شعور الآخرين! الإنسانية تتعارض بين الفئات من لا ديني إلى ديني إلى عدمي إلى وجودي… إلخ، وتتعارض داخل تلك الفئات أيضًا؛ لذا استخدام لفظة حرية إنسانية كمصطلح له المرجعية هو شيء خاطئ ولا معنى له!

نقطة

قد أنسيتك سبب كتابتي لهذا المقال، وهو نطاق حريتك الإنسانية من عدمها، ولعلني الآن توصلت إلى الإجابة، إلى أكثر الإجابات حيادية وهي:

لا أعلم

حقًّا لا أعلم، لن تستطيع تحديد معنى الحرية، لن تستطيع أن ترضي كل الأطراف من اختلافات عقائدية وفكرية؛ لذا اقترح عليك عزيزي خيارين، إما أن تكسر الشاشة التي تقرأ منها هذا الهراء وتأخذ شظية من شظاياها الحادة وتقطع بها شريانك، وإما أن ينقسم العالم إلى مجموعات متطابقة الأفكار، فتكون حرياتها واحدة، ودساتيرها متفق عليها من كل أفراد المجموعة، وتكون صلة تلك المجموعات بعضها ببعض هي صلات اقتصادية فقط، عندها ستنشأ يوتوبيا في عين كل فرد في كل مجموعة، إذ تكون كل مجموعة في قطعة أرض محددة كأنها كوكب، على شرط التقسيم العادل حسب العدد والاحتياج، الأمر ليس بالصعب كما تتخيل، هو فقط يحتاج إرادة عالمية شاملة وخيّرة، يجب إحباط رغبة الفلاسفة والدينيين في توحيد الفكر البشري، يجب عليهم مواجهة الواقع، مواجهة حقيقة اختلافنا واختلاف الحق والحقيقة في صورهما، واختلاف المبدأ مع المبدأ في حين صحة كلهما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد