الخليفة، كما يطلق عليه أتباعه، والمطلوب رقم واحد على مستوى العالم، صاحب لقب الإرهابي الأشد خطورة، وزعيم أكثر التنظيمات الإرهابية دموية وانتهاكًا لكل حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليًا ودينيًا وأخلاقيًا، كما تصفه وسائل الإعلام العالمية، أبو بكر البغدادي، سيشعر من يتطلع إليه للوهلة الأولى، بذلك المظهر المصطنع، من ملابس وساعة رولكس، ومن المُفترض أن من هم في مكانته لا يرتدون مثل تلك الأشياء؛ فأين مفهوم التقشف الذي يصاحب مفهوم الجهاد، ولا يمكن الفصل بينهما، إنه يشاهد إحدى شخصيات سلسلة أفلام Lego Batman الشهيرة مع بعض الفروق الثانوية، كتغير اللغة والملابس، وأن الأداء مباشر بين الممثل والجمهور المتلقي، بدون عناء تقمص دور شخصية كرتونية، لن تشعر بتلك الهيبة التي يجب أن تحيط بمن هو في مكانته، لن تستطيع أن تكمل أكثر من دقيقتين على الأكثر في الاستماع إليه، هو لا يمتلك لغة الخطاب المؤثرة كبقية الزعماء الروحيين للتنظيمات الدولية المعروفة: القاعدة، حماس، الجهاد الإسلامي، حزب الله الشيعي، وغيرهم. اختلفنا أو اتفقنا عليهم، لكن زعماءهم يمتلكون قدرة خاصة على الخطابة، ولغة ذات تأثير في أتباعهم، ومن يستمع إليهم، تلك القدرة التي يفتقر إليها زعيم «تنظيم الدولة الإسلامية»، كما يطلق عليه أتباعه، أو (داعش)، كما هو معروف دوليًا.

من أين أتى قادة تنظيم الدولة بين ليلةٍ وضحاها؟ وهل هو كما يصوره الإعلام، وتصريحات المسئولين السياسيين، والعسكريين الغربيين على حدٍ سواء، من أنه أكثر التنظيمات الإرهابية دموية، وأنهم غير قادرين بصورة فعلية على التخلص منه، ومن خطره المتنامي يومًا بعد يوم؟ وهل ذلك التصور حقيقة أم مجرد صورة ذهنية مُصطنعة، تحاول الحكومات الغربية ترسيخها في وجدان شعوبها، ومن ثم بقية شعوب العالم؟

بحسب أقصى الروايات تطرفًا، فإن زعيم تنظيم الدولة الإسلامية، أبا بكر البغدادي، هو عميل للموساد، قضى أكثر من 18 عامًا يعمل متخفيًا في دول عربية مختلفة، وقد نُشرت تلك الروايات منسوبة لوثيقة مُسربة عن طريق إدوارد سنودن (Edward Snowden) الخبير التقني السابق بوكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA)، وصاحب أكبر تسريب معلوماتي لوثائق وصفت بالسرية التامة في العقد الأخير، والمطلوب دوليًا من قبل جهاز المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، وقد تداول ذلك الخبر عدة مواقع عالمية كالجلوبال رسيرش (global research) الذي نسبها بدوره لجولف نيوز و(veterans today)، وذلك في النصف الثاني من عام 2014، ثم أعادت الديلي ستار (daily star) نشر ذلك الخبر أيضًا في النصف الثاني من العام الماضي 2016، مع نفي صحة وجود تلك الوثيقة، وأنها لم تُنشر من قِبل سنودن، وذلك بحسب ما صرح به محاميه بن ويزنر (Ben Wizner)، ولكنها عادت وقالت في الجزء الأخير من الخبر بأن نفي سنودن لا يعني كذب تلك المعلومة بالكامل، خصوصًا وأن هناك أدلة تدعم تلك النظرية القائلة بعمالة البغدادي لإحدى أجهزة المخابرات الغربية، وذلك بحسب تصريحات من وصفتهم بالباحثين عن الحقيقة.

وبغض النظر عن صحة تلك الوثيقة من عدمها، فهناك أدلة فعلية قد تدعم تلك النظرية القائلة بأن البغدادي ما هو إلا عميل لإحدى أجهزة المخابرات الغربية، ليس بالضرورة أن يكون للموساد، ولا أن يكون عميلًا متخفيًا لأكثر من 18 عامًا، كالرواية الأولى، ومن أبرزها ما صرحت به سجى الدليمي، زوجته السابقة، ذات الأصول العراقية، في حديث لها مع إحدى وكالات الأنباء العالمية، عقب الإفراج عنها عقب صفقة لتبادل الأسرى بين لبنان وجبهة النصرة في النصف الأول من العام الماضي 2016، أنه كان يعمل أستاذًا بالجامعة، وكان يُدعى هشام محمد، وذلك عندما تزوجت منه في عام 2008، هنا لا يمكن تجاهل علامات الاستفهام عن كيفية أن يكون البغدادي هو المسئول السابق عن تنظيم القاعدة في العراق بعد مقتل زعيمها أبي مصعب الزرقاوي في عام 2006، كما يقول أتباعه، وكما تدعي المعلومات المُتداولة عنه، وعن تاريخه المتعمق في قيادة التنظيمات الإرهابية، وذلك التصريح القائل بأنه كان يعمل كأستاذ في الجامعة؟

وكيف استطاع الزواج منها بدون مُلاحقات أمنية، وهي لا تعرف حقيقة من يكون؟ وكيف أنها لم تتعرف حتى على اسمه الحقيقي؟ ولم تكن على علم بأي شيء يقوم به حتى رحيلها عنه بعدها بعدة أشهر؟ وكيف له أن يترك زوجته؟ وكيف تركتها أجهزة الاستخبارات العالمية تتجول بين المدن العراقية في ذلك الوقت؟ هذا بالإضافة لما تمثله معلومة زواجه من سجى الدليمي من نفي قاطع لتلك الأخبار التي تدعي بأنه كان مُعتقلًا في معتقل بوكا التابع للقوات الأمريكية في الفترة بين عامي 2005 إلى نهاية عام 2009، خصوصًا وأن الدليمي لديها طفلة تُسمى هاجر، تبلغ من العمر سبعة أعوام، وأثبت تحليل الحمض النووي (DNA) الذي تم إجراؤه لها في لبنان عقب اعتقالها مع والدتها وشقيقيها في العام 2015 أنها بالفعل ابنة البغدادي، وهنا علامة استفهام أخرى: كيف توصلت أجهزة المخابرات العراقية إلى ذلك الحمض النووي؟

ومما يمكن اعتباره خيطًا آخر لفك لغز علاقة قيادات تنظيم الدولة بعالم المخابرات، وظهورهم المُفاجئ من العدم، أو ربما لإثارة المزيد من علامات الاستفهام، وذلك عند التنقيب عن نشأة التنظيم وبدايته في العراق – موطن البغدادي ومهد داعش الأول – ما يحدث دائمًا من تردد أسماء بعض ضباط الاستخابرات العراقية والقيادات التابعة لحزب البعث – الذراع السياسي للنظام العراقي قبل الغزو الأمريكي – ومن البديهيات المعروفة أنه حزب قومي عربي اشتراكي، أي أنه يمثل طرف النقيض لما يعتنقه أتباع تنظيم الدولة ومؤيديهم من فكر جهادي أصولي متشدد، يعتبر كل من لا يؤمن بذلك الفكر وبإمامة زعيمه البغدادي لجموع المسلمين  – بحسب ادعائهم – كافرًا مُهدرًا دمه، لا فرق عندهم في ذلك بين طفل أو شيخ أو امرأة أو رجل، كلهم ضحايا محتملين طالما لم يؤمنوا بتلك الأفكار، ويُبايعوا الخليفة.

 وقد نشرت جريدة الحياة اللندنية تقريرًا مترجمًا عن مجلة دير شبيجل (Der Spiegel) الألمانية في النصف الأول من عام 2015 يكشف الكثير من خبايا بدايات تنظيم الدولة في العراق تحت إشراف عقيد سابق بالمخابرات الجوية في عهد صدام حسين يُدعى سمير الخليفاوي، ويُطلق عليه داخل التنظيم اسم حجي بكر  – الذي أعلن الثوار في ريف حلب الشمالي مقتله في مطلع عام 2014 – وقد وصفته دير شبيجل بأنه العقل المُفكر والمُدبر لتنظيم الدولة. في تقريرها المُطول الذي نشرته، وذلك استنادًا على 31 صفحة – كُتبت بخط اليد – حصلت عليها، تكشف الستار عن خطط وقوائم وجداول تكاد تصل إلى أن تكون وصفًا كاملًا عن كيفية إقامة ما أطلقوا عليه دولة الخلافة في سوريا.

وكيف أن سيطرة تنظيم الدولة على شمال سوريا، كان تحت إشراف بكر، ووفقًا لخطته المُحكمة التي أعدها لذلك، وهي قائمة على استخدام تقنيات، أبرزها المراقبة، والتجسس، والخطف، والقتل، وهي تقنيات كانت مُتبعة بصورة مُمنهجة في عهد صدام حسين.

وفي ذلك السياق ذكرت الحياة أن سيطرة تنظيم الدولة على مدينة الموصل العراقية، واستطاعته التمدد عبرها لاحقًا، لم يكن ليتم، لولا مساعدة وتعاون إحدى قيادات حزب البعث السابقين، وهو عزة الدوري، الذي يتزعم تنظيمًا حاليًا يُطلق عليه الطريقة النقشبندية، وذلك بحسب ما أفاد به الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية د. حسين الغندور.

وهنا يظل التساؤل قائمًا: هل انقطعت صلة تلك القيادات بعالم الاستخبارات كليةً، بعد رحيل النظام الذي كانوا يأتمرون بأوامره، أم أن علاقتهم به قد تشعبت، واتسعت، لتشمل جهات استخباراتية جديدة، وخصوصًا أن أهدافهم لم تعد محلية فقط، كما كان في السابق، بل امتدت لتشمل مخططات وتقنيات شديدة الدقة لتوسيع رقعة نفوذهم والاستيلاء على بلاد أخرى؟

وعند العودة مجددًا لقيادات تنظيم الدولة – متعددي الجنسيات – بداخل الأراضي السورية، فقد أوردت صحيفة الديلي ميل (Daily Mail)، في النصف الثاني من عام 2014، خبرًا عن إعدام القيادي أبي عبيدة المغربي، الألماني ذي الأصول المغربية، المسئول عن العمليات العسكرية والاستخباراتية للتنظيم في أليبو وشمال سوريا، عقب اتهامه بالعمالة لجهاز الاستخبارات البريطانية MI6، وقيامه بنقل معلومات عن تحركات التنظيم بصفة دورية، وكان المغربي هو المسئول عن إعدام الصحفي الأمريكي James Foley، وذلك قبل أن يتم اتهامه وإعدامه هو الآخر، وقد جاء سياق إعدامه فيما يبدو وكأنه صراع بين أجهزة مخابرات أكثر منه مجرد كشف عن عميل، خصوصًا مع مكانته القيادية المتقدمة باعتباره أحد الأربعة الكبار داخل التنظيم، ومما يدعم ذلك التصور القائل باختراق أجهزة استخبارات عالمية لقيادات الصف الأول في تنظيم الدولة.

ومما يعزز ذلك السياق القائم على أن قيادات الصف الأول في تنظيم الدولة الإسلامية ما هم إلا عملاء لأجهزة استخبارات عالمية مختلفة، ما نشرته جريدة الواشنطن بوست (Washington Post) في 15 من الشهر الجاري عن كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (Donald Trump) عن أحد المصادر الاستخباراتية داخل تنظيم الدولة لوزير الخارجية الروسي سيرچي لاڨروڨ (Sergei Lavrov) والسفير الروسي لدي الولايات المتحدة الأمريكية سيرچي كيزلياك (Sergey Kislyak)، بالرغم من أن تلك المعلومة شديدة الحساسية والأهمية، ولا يعرفها سوى القيادات العليا في حكومة ترامب، ولم يتم تداولها بين قوات الجيش الأمريكي، وخصوصًا أن مصدر تلك المعلومة لم يعط الحق للقيادة الأمريكية بتداولها بشكل موسع، فضلًا عن نقلها لجهات أجنبية كروسيا، وأن تسريب ترامب لتلك المعلومة يشكل تهديدًا لذلك المصدر الاستخباراتي، وقد حدث بطريقة غير قانونية وغير مقبولة، قد تخضعه لمزيد من الاتهامات لكشفه عن أسرار حكومية رفيعة المستوى تخص الشأن القومي الأمريكي.

تلك الأخبار والمعلومات التي لا يستطيع الباحث عن بدايات تنظيم الدولة الإسلامية، وظهوره من العدم، أن يغض الطرف عنها متجاهلًا حقيقة عدم وجود تاريخ حقيقي معروف لأي من قادة التنظيم على المستوى النضالي أو الجهادي على وجه التحديد، كبقية التنظيمات الجهادية الأخرى، وتاريخ قيادتها المعروف للقاصى والداني، اتفقنا أو اختلفنا بشأنهم أو بشأن بعضهم، لكن مسار نشأتهم وبذلهم بكل ما لديهم من أجل ما يعتقدون شيء لا يمكن إنكاره أو إخفاؤه، بعكس قادة تنظيم الدولة الذي لا يُعرف من أين أتوا، ولا ما هي أهدافهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Edward Snowden
Global Research article
Veterans Today article
Daily Star article
Arabic CNN interview article
Alhayat News article
Washington Post article
عرض التعليقات
تحميل المزيد