لا شك أنه مر على سمعك في محاضرة أو قرأت بعينك في معرض للكتاب كلمة «أسرار البلاغة في علم البيان»؛ إنه عنوان لكتاب في علم البيان ألّفه الإمام الجرجاني (المتوفى: 471هـ)، والذي يعتبر من أهم الكتب التي أُلفت في هذا المجال.

كلام عبد القاهر عن اللفظ والمعنى

قال المؤلف عن الكلام: (اعلم أن الكلام هو الذي يُعطي العلومَ منازلها، ويبيّن مراتبها، ويكشفُ عن صُوَرها، ويجني صنوفَ ثَمَرها، ويدلُّ على سرائرها، ويُبْرِزُ مكنون ضمائرها، وبه أبان الله تعالى الإنسان من سائر الحيوان، ونبّه فيه على عِظَم الامتنان، فقال عزّ من قائل: «الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ، خَلَقَ الإنْسَانَ، عَلَّمَهُ البَيَانَ»، فلولاه لم تكن لتتعدَّى فوائدُ العلمِ عالِمَه، ولا صحَّ من العاقل أن يَفْتُق عن أزاهير العقلِ كمائمه، ولتعطَّلَت قُوَى الخواطر والأفكار من معانيها، واستوَتِ القضيّة في مَوْجُودَها وفانيها، نَعمْ، ولوقع الحيُّ الحسَّاس في مرتبةِ الجماد، ولكان الإدراك كالذي ينافيه من الأضداد، ولبقيتِ القلوب مُقْفَلةً تَتَصَوَّنُ على ودائعها، والمعاني مَسْجُونَةً في مواضعها، ولصارت القرائح عن تصرُّفها معقولةً، والأذْهان عن سلطانها معزولةً، ولما عُرف كفرٌ من إيمان، وإساءة من إحسان، ولما ظهر فرقٌ بين مدح وتزيين، وذمّ وتهجين، ثم إنّ الوصف الخاصَّ به، والمعنى المثبِتَ لنسبه، أنه يريك المعلومات بأوصافها التي وجدها العلم عليها، ويقرِّر كيفياتها التي تتناولها المعرفةُ إذا سَمَتْ إليها، وإذا كان هذا الوصفُ مقوِّمَ ذاته وأخصَّ صِفاته، كان أشرف أنواعه ما كان فيه أجلى وأظهر، وبه أولى وأجدر، ومن ها هنا يبيّن للمحصل، ويتقرّر في نفس المتأمِّل، كيف ينبغي أن يَحْكُم في تفاضُل الأقوال إذا أراد أن يقسّم بينها حظوظها من الاستحسان، ويعدّل القسمةَ بصائب القِسطاس والميزان، ومن البيّن الجليّ أن التبايُنَ في هذه الفضيلة، والتباعد عنها إلى ما ينافيها من الرذيلة، ليس بمجرَّد اللفظ، كيف والألفاظ لا تُفيد حتى تُؤلَّف ضربًا خاصًّا من التأليف، ويُعْمَد بها إلى وجه دونِ وجهٍ من التركيب والترتيب، فلو أنك عَمَدت إلى بيت شعرٍ أو فَصْل نثرٍ فعددت كلماته عَدًّا كيف جاء واتَّفق، وأبطلت نضدَهُ ونظامه الذي عليه بني، وفيه أفرغ المعنى وأجري، وغيّرت ترتيبه الذي بخصوصيته أفاد ما أفاد، وبنَسَقِه المخصوص أبان المراد، نحو أن تقول في: «من الطويل قِفا نَبْكِ من ذِكْرَى حَبيبٍ ومنزل» منزل قفا ذكرى من نبك حبيب، أخرجته من كمال البيان، إلى مجال الهَذَيان، نعم وأسقطت نسبتَهُ من صاحبه، وقطعت الرَّحمِ بينه وبين مُنْشِئه، بل أحَلْت أن يكون له إضافةٌ إلى قائل، ونَسَبٌ يَخْتَصّ بمتكلم، وفي ثبوت هذا الأصل ما تَعْلم به أنّ المعنى الذي له كان هذه الكلم بيتَ شعرٍ أو فصلَ خطابٍ، هو ترتيبها على طريقة معلومة، وحصولها على صورة من التأليف مخصوصة، وهذا الحُكْمُ – أعني الاختصاص في الترتيب – يقع في الألفاظ مرتَّبًا على المعاني المرتَّبَة في النفس، المنتظمةِ فيها على قضيّة العقل، ولا يُتّصوَّر في الألفاظ وُجُوبُ تقديم وتأخير، وتخصُّصٍ في ترتيب وتنزيل، وعلى ذلك وُضِعَت المراتبُ والمنازلُ في الجمل المركَّبة).

الباعث على تأليف الكتاب

قال محمد رشيد رضا في تقديم الكتاب: (ظهر ضعف اللغة في القرن الخامس، وكانت في ريعان شبابها، وأوج عزها وشرفها، وكان أول مرض ألم بها الوقوف عند ظواهر قوانين النحو، ومدلول الألفاظ المفردة، والجمل المركبة، والانصراف عن معاني الأساليب، ومغازي التركيب، وعدم الاحتفال بتصريف القول ومناحيه، وضروب التجوز والكناية فيه – وهذا ما بعث الشيخ عبد القاهر الجرجاني إمام علوم اللغة  في عصره إلى تدوين علم البلاغة، ووضع قوانين للمعاني والبيان كما وضعت قوانين النحو عند ظهور الخطأ في الإعراب فوضع هذا الكتاب في البيان، ومن فاتحته يتنسم القارئ أن دولة الألفاظ كانت قد تحكمت في عصره، واستبدت على المعاني، وأنه يحاول بكتابه تأييد المعاني ونصرها، وتعزيز جانبها وشد أسرها).

مؤلفات في البلاغة قبل كتاب عبد القاهر

كتب قبل عبد القاهر في مسائل من البيان بعض البلغاء كالجاحظ وابن دريد وقدامة الكاتب، ولكنهم لم يبلغوا فيما بنوه أن جعلوه فنًا مرفوع القواعد مفتح الأبواب كما فعل عبد القاهر من بعدهم، فهو واضع علم البلاغة كما صرح به بعض علمائها. وإن لم يذكر له هذه المنقبة المؤرخون الذين رأينا ترجمته في كتبهم. كان السكاكي وسطًا بين عبد القاهر الذي جمع في البلاغة بين العلم والعمل وأضرابه من البلغاء العاملين، وبين المتكلفين من المتأخرين الذين سلكوا بالبيان مسلك العلوم النظرية، وفسروا اصطلاحاته كما يفسرون المفردات اللغوية.

عبد القاهر هو واضع علم البلاغة

أما كون عبد القاهر هو واضع الفن ومؤسسه، فقد صرح به غير واحد من العلماء الأعلام، أجلهم قدرًا، وأرفعهم ذكرًا، أمير المؤمنين، محيي علوم اللغة والدين، السيد يحيى بن حمزة الحسيني صاحب كتاب (الطراز، في علوم حقائق الإعجاز) فقد قال في فاتحة كتابه هذا وهو من أحسن ما كتب في البلاغة بعد عبد القاهر ما نصه: «وأول من أسس من هذا الفن قواعده وأوضح براهينه، وأظهر فوائده ورتب أفانينه، الشيخ العالم النحرير علم المحققين عبد القاهر الجرجاني، فلقد فك قيد الغرائب بالتقييد، وهد من سور المشكلات بالتسوير المشيد، وفتح أزاهره من أكمامها، وفتق أزراره بعد استغلاقها واستبهامها».

تدريس أسرار البلاغة في علم البيان في الأزهر الشريف

لأهمية هذا الكتاب اختاره مفتي الديار المصرية بعد طبعه ليدرس في الجامع الأزهر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد