الفتَنُ كانت وما زالت موجودة على مَرِّ  التاريخ مُنْذُ أن خَلَقَ اللهُ الناسَ أجمعين والجَنّ والعالَمين.

وكما أقولُ دائمًا:

وستبقى والله أعلم إلى قيامِ الساعة والمفلِحُ كُلَّ الفَلاح مَن نَجا مِنْها في حيَاتِه ومَمَاتِه.

ونرجع إلى أصلِ هذه الكلمة وتأصيلِها وبيانِ أمرها في اللغة، والاصطلاح عليها، وأَثَرِها في النَّاس والأشخاص.

أولاً: الفِتنَةُ فِي اللُّغَةِ

قال الأزهري: جماع معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء، والامتحان وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب، أذبتهما بالنار ليتميز الرديء من الجيد.

ومن هذا قول الله عز وجل: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ

أي يُحرَقونَ في النَّار!

(تهذيب اللغة 14 / 296)

قال ابن فارس: الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على الابتلاء والاختبار.  (مقاييس اللغة 4 / 472)

فهذا هو الأصل في معنى الفتنة في اللغة.

ثانيًَّا: مَعَانِي الفِتْنَة في الكِتَابِ والسُنَّة

1- الابتلاء والاختبار: كما في قوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ

أي وهم لا يبتلون كما في ابن جرير.

2- الصد عن السبيل والرد: كما في قوله تعالى: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك

قال القرطبي: معناه: يصدوك ويردوك.

3- العذاب: كما في قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ

فتنوا: أي عذبوا.

4- الشرك، والكفر: كما في قوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ

قال ابن كثير: أي شرك.

5- الوقوع في المعاصي والنفاق: كما في قوله تعالى في حق المنافقين: وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِي

قال البغوي: أي أوقعتموها في النفاق وأهلكتموها باستعمال المعاصي والشهوات.

6- اشتباه الحق بالباطل: كما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ

فالمعنى: «إلا يوالى المؤمن من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به (تكن فتنة في الأرض) أي شبهة في الحق والباطل». كذا في جامع البيان لابن جرير

7- الإضلال: كما في قوله تعالى:  وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ

فإن معنى الفتنة هنا الإضلال. البحر المحيط لأبي حيان (4 / 262)

8- القتل والأسر: ومنه قوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا

والمراد: حمل الكفار على المؤمنين وهم في صلاتهم ساجدون حتى يقتلوهم أو يأسروهم. كما عند ابن جرير.

9- اختلاف الناس وعدم اجتماع قلوبهم: كما في قوله تعالى:  وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ

أي يوقعوا الخلاف بينكم. كما في الكشاف (2 / 277)

10 – الجنون: كما في قوله تعالى: بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ

فالمفتون بمعنى المجنون.

11- الإحراق بالنار: لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ

قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: ويُعرف المُراد حيثُما وَرد بالسياَّق والقرائن.

الفتح (11 / 176)

تنبيه

قال ابن القيم رحمه الله: وأما الفتنة التي يضيفها الله سبحانه إلى نفسه أو يضيفها رسوله إليه.

كقوله: وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ

وقول موسى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ

فتلك بمعنى آخر وهي بمعنى الامتحان والاختبار والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر، بالنعم والمصائب، فهذه لون، وفتنة المشركين لون، وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لون آخر، والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب علي ومعاوية وبين أهل الجمل، وبين المسلمين حتى يتقاتلوا ويتهاجروا لون آخر.

زاد المعاد ج: 3 ص: 170

ما ورد من النصوص الشرعية في اعتزال الفتن والقعود عنها، فمحله: الفتن المُلْتَبَسَة التي لا يظهر وجهها، ولا يُعلم طريق الحق فيها، فهذه يجتنبها المؤمن ويبتعد عنها بأي ملجأ.
أما إذا ظهر له الحق، وتبين الظالم من المظلوم، والمبطل من المحق، فالواجب أن يكون مع المحق، ومع المظلوم ضد الظالم وضد المبطل.
وقد أخرج ابن أَبِي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال:

لَا تَضُرُّكَ الْفِتْنَةُ مَا عَرَفْتَ دِينَكَ، إِنَّمَا الْفِتْنَةُ إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ.

ونجد كثيرًا من النَّاس ممن يُفتنون في مالٍ أو حُكْمٍ أو شَهْوَةٍ أو نساءٍ أو شُهْرَةٍ لا يعرفون جادَّة الصَّواب، ولذلك جاء الإسلامُ دالًَّا الكثيرَ من النَّاس على معرفة الحقّ واتباعه، والتخلي عن الفتن والانعزالِ عنْها حتىَّ كما روى الحديثُ سيّدُنا أبو هريرة – رضي الله عنه- في صحيحِ مُسلِم، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:

بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا.

وهنا بادروا بمعنى سابقوا بالأعمال الصالحة قبلَ أن تقعَ الفِتنُ، والجاهِل لا يرى الفِتَنَ قبلَ وقُوعِها؛ بل يراها عندما تَحِلُّ بِه، والمسلمُّ العالمُ بالله – عزَّ وجلَّ- وبرسولهِ الكريم – صلى الله عليه وسلم- يرى الفتن قبل أن تأتي وقبل أن تقع، فهو يُسابِقُ الفتن بالأعمال الصالحة، ويكون مُسْتعدًا لها. وفي الصحيحين ما رواهُ الصحابي الجليل أبو هريرة – رضي الله عنه- أنَّ النبي – صلى الله عليه وسلم- قال:

سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ.

وهنا معنى الحديث دقيق، إذ يؤكّدُ النبيُّ – صلّى الله عليه وسلّم- أن القاعد بينَه وبين القائم وقت قصير، ومع ذلك إنَّ القاعد في مأمنٍ أكثر من القائم.

ومن تصدى لها بأفكارٍ مُظلِمَة ستهْلِكُه، ومكمن الخطر إنَّ الفتن تُعرض على القلوب! ومن ذلك أنَّ شخصًا إذا كان لوحده وجلس على هاتفه أو حاسوبِه يُشاهدُ منظرًا ضالًا شَهَوِيًّا – جنسيًّا– ثم يقفل هاتفه أو حاسوبه بعد أن قضى ساعة أو ساعتين وهو يُشاهد، ومع ذلك عندما يأتي لينام تأتي المناظر إليه لِتُعْرَض عليه في سمعه وبصره!

كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم- في حديثٍ عندَ الإمام مُسلم والبُخاري – رحمهما الله-:

تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ.

فمكمن الخطر أنَّ الفِتن لا تعرض فقط على الأبصارِ! بل على الأسماع والقلوبِ أيضًَّا. والسبب الآخر من خطورة الفتن أنَّها مرتبطة بالقلوب وتعرض عليها والقلوب تتقلَّب، والنبي – صلى الله عليه وسلم- كان يدعو فيقول:

يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ.

والفتن بالجُملة تنقسم لقسمين وما لَهُا من ثالث!

أولًّا: الشهوات: وأنا لا أعلم زمنًا انتشرت فيه تلك الشهوات كزماننا هذا من خلال التكنولوجيا والاتصالات الحديثة.

قال الله متحدّثًا عنها:

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ

ومن أجمل الأحاديث في هذا الباب حديثٌ في البخاري – رحمه الله-:

فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ.

وهذه يُمكنُ تَدارُكُها بِكثرَةِ الطاعات.

ثانيًَّا: فتن الشُبُهات!

وهذه صَعْبٌ تَدراكها بسبب التباسها على النَّاس آخر الزمانِ؛ مما يقع من أحداث عَظام يَنجُمُ عَنها نهايَة الكونِ، وبذلك ينصرف الناس عن العبادة، ويصبح المجتمع بكل أحواله يتحدّث عنها! وأنت تؤيّده وذلك يُعارِضه! وأنت تأتي بدليلٍ وهو يأتي بدليل! وبسبب ذلك تَقُلّ الطاعة والرغبة بما عند الله؛ ولهذا قال النبي – صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلمٍ – رحمه الله-:

الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ.

رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد