المتابع لحركة المناخ السياسي المصري في الآونة الأخيرة يلاحظ تلك الصدمة، والتي كانت متوقعة إلى حد كبير في مسألة الانتخابات الرئاسية المصرية، وعدم وجود منافس حقيقي حتى ولو كان شخصًا واحدًا فقط، أو حزبًا، يمكنه خوض الحد الأدنى من المنافسة على المقعد الأهم في مصر، بما لها من تاريخ ووزن وأهمية عربية ودولية.

والحقيقة أننا إذا أخذنا هذا الأمر بالفحص والتحليل، لوجدناه أمرًا جد خطير؛ فبلد مثل مصر بعدد سكانها الهائل، وتاريخها وموقعها الجغرافي الهام، عندما لا توجد بها كوادر سياسية حقيقية، فهذا أمر ينذر بعواقب وخيمة على المديين القريب والبعيد.

فالسياسة تؤثر في حياة الإنسان منذ لحظة ميلاده وحتى لحظة وفاته، فنجدها تدخل في جميع أمور حياتنا، حتى لو ظن البعض عكس ذلك أو أنها بعيدة عنه.

فنجد أن السياسة في كل مجالات حياتنا مثل الصناعة والرياضة والموسيقى والزراعة، ودعنا نأخذ الرياضة كمثال، فلربما يتساءل الكثيرون في دهشة: وما علاقة الرياضة بالسياسة؟ والإجابة أنك تجد مثلًا في مباريات كرة القدم، أن الجماهير تقوم برفع اللافتات والرايات والأعلام معتبرة في كثير من الأحيان أن انتصار فريقهم هو انتصار لبلاده على البلد الآخر، بل قد يتحول الأمر إلى ساحة معركة بين الجماهير.

ولدينا مثال تاريخي على ذلك، ففي العام 1969 كانت هناك مباراة كرة قدم بين دولتي هندوراس والسلفادور، في إطار تأهلهم لنهائيات كأس العالم عام 1970، وقد اندلعت أعمال شغب أثناء المباراة؛ مما حدا بالجيش السلفادوري إلى شن هجوم عسكري على هندوراس، فقد كانت هناك مشاكل سياسية بين البلدين فيما يتعلق بالهجرة من السلفادور إلى هندوراس، واستمرت هذه الحرب لمدة مائة ساعة، ولقد تدخلت منظمات دولية للفصل في هذا الصراع.

ولدينا مثال آخر أكثر سهولة: إنك عندما تقود سيارتك بسرعة زائدة ستجد أن العقوبة الموقعة عليك قانونًا خاضعة للنظام السياسي بالدولة في المقام الأول، بل إن سفرك على الطريق، أو حتى التحاقك بمدرسة أو جامعة، فستجد أن نفس الأمر ينطبق عليه من وجود قوانين ونظم ولوائح تخضع لها وفقًا لنظام الدولة السياسي، فسفرك على الطريق يخضع لقوانين معينة تلتزم فيه احترام إشارة المرور، وعدم السير بسرعة مخالفة للقانون، وكذا نجد أن الدولة هي التي تقوم ببناء المدارس والجامعات، وأنها تخضع الملتحقين بها وفقًا لنظامها القانوني، والذي يندرج في النهاية تحت سياستها العامة. وقس على هذا أي شيء في حياتنا.

إذن عندما نجد ذلك الفراغ السياسي في بلد مثل مصرنا، فيجب على الجميع التكاتف لحل هذا الوضع المنذر بعواقب وخيمة، وهنا نجد لدينا اتجاهين.

الاتجاه الأول: يرى أن هناك نوعًا من التضييق على أي صوت معارض، وكذلك القبض على أي متظاهر يدلي برأيه بطريقة سلمية، وأن هناك شبابًا مسجونين بسبب محاولتهم إيصال صوتهم، أو حتى الإدلاء برأي مخالف.

والاتجاه الثاني: يرى أن حالة البلاد لا تسمح بهذا بعد ما عشناه بعد ثورتين في وقتين متقاربين، من مظاهرات فئوية، وغير فئوية، وحوادث إرهاب، وأنه لابد من استعمال الحزم، وأن البلد تعطي حرية الرأي، ولكن هناك فئة مندسة وعميلة للخارج، وفئة أخرى داخلية تريد دمار البلد وهلاكه.

وفي رأيي الشخصي أن كلتا وجهتي النظر قد تحمل جانبًا كبيرًا من الحقيقة، ولكن السؤال الذى يطرح نفسه، وماذا بعد؟! إن استمرار الأمور على هذا النحو من الاتهامات المتبادلة لا يفيد وطننا بشيء، بل يضرنا أبلغ الضرر، ومن العجيب والغريب في الآن ذاته أنه كان في مصر في العهد الملكي حراك سياسي، وأحزاب متواجدة على الساحة، وهي في كل الأحوال أفضل من وضعنا الحالي بكثير.

إن أهمية وجود الجانب السياسي في حياتنا بشكل قوي، هو أن هناك شيئًا حقيقيًا يتحقق على أرض الواقع، سواء اختلفنا أو اتفقنا من إنشاء طرق جديدة، ومحاولة تحقيق إصلاح في شتى المجالات، وكلها مكتسبات في صالح هذا الوطن.

إذن ما هو الحل؟! يكمن الحل في أنه يجب على الدولة الانتباه إلى التفريق بين أصوات المعارضة التي تبغي صالح هذا الوطن، والأصوات الهدامة التي تبغي خراب هذا الوطن، كما يجب على الدولة أن تنتبه إلى حقيقة هامة للغاية، وهي مهما كان حجم الإنجازات القائمة وعظمتها، لابد أن يصاحبها الجانب السياسي، وفي هذا أناشد السيد رئيس الجمهورية أن يهتم في فترة رئاسته الثانية بالمشروع الأعظم في رأيي، وهو زرع بذرة السياسة في مجتمعنا، وخصوصًا بين الشباب، حفاظًا على هذه الإنجازات، وحماية للوطن في المستقبل.

وفى النهاية يظل السؤال قائمًا، فبعد فترة رئاسة ثانية للرئيس الحالي ترى هل سنجد مرشحين سياسيين حقيقيين يستطيعون أن يكملوا مسيرة هذا الوطن نحو الأفضل؟ أم أننا سنظل ندور في دائرة مفرغة تحت ظل حاكم أوحد؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك