بعض من النساء المثقفات يزعقن ضد تعدد الزوجات، ويرمين الرجال بالذنب، ويحملنهم ما لا طاقة لهم به، ويصبح الرجل – فقط – متهمًا بل مدانًا، بيد أن الرجل حقيقة لما تزوج مرة أخرى؛ تزوج بامرأة من نفس جنس الساخطات الزاعقات، ولم يتزوج «رجلًا» بطبيعة الحال، ومؤكد أن الرجل لم يتزوجها رغمًا عنها، بل بإرادتها، فأنا أرى هنا احتياجنا للنزاهة والمساواة في توزيع اللوم والتهم، وكما يكال للرجل قدحٌ من التهم يكال للمرأة أيضًا منها قدح حتى نصيب الموضوعية في مقتل، ونبتعد عن التحيز لنجد الحلول النزيهة.

إن كان تعدد الزوجات جريمة، فهل الزوجة الجديدة مشاركة فيها؟

الزواج باثنتين أو أكثر ليس جريمة، بل إنه حق شرعه الله في حالة وجود «العدل» بين الزوجات، والدين ليس مسؤولًا عن سوء استعمال نصوصه، ومن يخالفه يعاقبه الله أو يغفر له؛ لذا إن كان هناك نقد أو لوم فهو للبشر وليس للنصوص. ومن وجهة نظر أخرى هو جريمة ترتكب في حق المرأة؛ هكذا يصوره بعض النساء والرجال المتغلغلة بدواخلهم تعاليم الحضارة الغربية: التي تحرم الزواج بأكثر من زوجة، بيد أنها تحلل الزنا مع أي عدد من النساء. ويتهم هؤلاء المتأثرون، وبعض المؤمنين الحقيقيين بالقضية نتيجة الشكاوى والمشكلات العويصة المنبثقة عن الأسر متعددة الزوجات، الرجل بأنه مذنب، ولا يلتفتون بجدية إلى موافقة الزوجة الثانية على الارتباط برجل متزوج! وقد كان من الأولى بالزوجة الثانية – بما أنها امرأة – أن تدافع عن بنات جنسها، وعن قضية تعدد الزوجات، ولنطرح بضعة أسئلة كان قمينًا بها أن تطرحها على نفسها قبل الموافقة على الزواج، مثلًا:

1- لماذا لم تفكر الزوجة الثانية في أنها عندما تكبر في السن سيتزوج عليها هي الأخرى كما تزوج على سابقتها؟

2- لماذا لا ترفض هذه الزيجة حماية للزوجة الأولى التي هي بطبيعة الحال امرأة مثلها؟

3- لماذا تقبل بأن تصبح رقم اثنين في حياة رجل؟

وتطول قائمة لماذا، لتبين لنا أن المشكلة لا تتمحور حول الرجل فقط بل حول المرأة أيضًا، فالمرأة شريكة في الجريمة إن احتسبها البعض جريمة.

هل هذه الأفعال أنانية من المرأة؟

الزوجة الأولى امرأة، والزوجة الثانية امرأة أيضًا؛ هذه بديهيات، عندما يظلم الرجل المتزوج باثنتين إحداهما ويميل للأخرى، فلابد هنا أن نتساءل عن الأسباب، وأن نطرح النماذج، ونستنبط النتائج. أنا هنا لا أداهن الرجل، فأنا مقر في حالة وقوع الظلم على إحداهن بأنه مشترك فيه، منتهية، لذا سأقول إن المفتاح بيد المرأة لا الرجل، تسألني كيف؟ حسنًا؛ من النادر أن تصادف نموذج أسرة متعددة الزوجات سعيدة، السعداء ليسوا موضوعنا، التعساء هم من سنلقي نظرة عليهم، ولنتساءل عن سر من أسرار التعاسة، وأنا أتناوله عن خلفية معايشة له وليس من باب رص الكلمات والمهاجمة، ولا أعمم بالطبع فهو مجرد نموذج فقط من نماذج كثيرة.

رجوح كفة زوجة عن الأخرى عند الزوج، سواء كان بسبب جمالها أو حيلها في اجتذابه وكسبه إلى صفها باعتبار أنها معركة ولابد أن تخرج منها منتصرة، ولأجل الفوز لابد لها أن تضحي بالزوجة الأخرى، هنا فقط تصبح المعركة بين امرأتين – هذا لا ينفي ضلوع الرجل في المعركة بل إنه سبب المعركة وباستطاعته أن يعدل – وبالطبع فإن واحدة منهن ستنتصر بمنطق أنها معركة مصالح! إذًا في هذا النموذج الذي أكاد أجزم بأنه منتشر في كثير من الأسر متعددة الزوجات في مجتمعنا؛ هل أستطيع أن ألصق بالمرأة صفة الأنانية لأنها فضلت مصلحتها الفردية؟ بكل بساطة في هذه الحالة هي أنانية، أجل، وتتحمل عبئًا كبيرًا من تبعيات المشكلة، وتتقاسم التهم واللوم مع الرجل، لأنه كان بمقدورها تفادي اختلال ميزان العدل، الذي ينتج عن اختلاله مزيد من المشكلات الأسرية العويصة، حيث كان بإمكانها نصح الزوج من أجل معاملتهن بالقسط، والتعاون مع ضرتها ونبذ العداوة، والتحلي بروح التسامح والإيمان والإيثار عن النفس، ولكن للأسف لم يحدث هذا، وتم إلقاء اللوم أولًا وأخيرًا على الرجل، وهذا لا ينفي وجود نماذج أخرى يكون فيها الرجل هو الملام. إذًا لابد من تغيير ثقافة «الأنا» في النساء أولًا، ومن ثم نصحهن وإقناعهن بالقضية، وإن تمت هذه الخطوات بنجاح، فبالطبع لن أجد رجلًا متزوجًا من امرأتين أبدًا، لأنهن وقتئذ سيكون لديهن وعي بمصلحتهن جميعًا.

أخيرًا، لابد لكل من ينادي بمثل هذه القضايا أن يدرسها من كل النواحي، ويكون ذا نظرة مستقبلية نافذة، ويدرس النماذج على أرض الواقع، ويتساءل ألف مرة قبل قص ولصق كل ما ينادي به الغرب؛ هل سيعود بالإفادة على مجتمعنا أم لا؟ هل ستتقبل أسرنا هذه التجديدات أم لا؟ هل هي مخالفة لديننا وطبائعنا أم لا؟ وماذا سينتج إن طبقت في مجتمعاتنا؟ وما هي سلبياتها وإيجابياتها؟

ولا شك بأنه لن يتقدم مجتمع كل شغله الشاغل إلقاء التهم جزافًا على بعضه البعض، والتنصل من المسؤوليات، وافتقاده لروح مواجهة الذات ونقدها، لن يتقدم مجتمع ليست له هوية يتكئ عليها، لن يتقدم مجتمع يرى في «القص واللصق» تقدمًا ورقيًا. ليس كل ما ينتجه الغرب يصلح لنا، إن بعض دول الغرب فرضت على المسلمات – قسرًا – خلع الحجاب في بعض الأماكن بحجة أنها دول علمانية وليست دولًا دينية، والجميل أنك تجد المسلمات هناك يتحدين الحكومات والقوانين ويرتدينه ويتظاهرن من أجل حقهن في لبسه، هذه هي حرية الغرب؛ تعرَّ تصبح حرًا. أما في بلادنا العربية فتجد بعضًا من المسلمات المثقفات يقلن: إن الحجاب تخلف ويعيق عن التقدم! رغم أني لا أرى ثمة تقدمًا وتحررًا في أي مجال سوى العري والإسفاف، والسينما والفنون والآداب في بلادنا خير دليل. وبالنهاية لا يسعني إلا أن أقول: إن الببغاوات التي انتشرت في بلادنا هي وحدها التي تعيق عن التقدم الحقيقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد