أرهقني هذا الرجل، وأضناني وأتعبتني مجرد محاولة فهمه، وسلمتُ أنه واحد من الذين يستعصون على المنطق، فلا يقبل بما يفعلونه فكر، ولا يحيط بأعذاره قلب.

وعمومًا بعض الناس يخلقهم الله لنتمثل بديع صنعه سبحانه، سواء بالتمام الزائد، أو بالنقص المفرط، أما ما فعله صاحبنا فواحد من أعاجيب ومتاهات وألغاز عصر كم يتمنى رقاق القلب، ومرهفو الحس أن لو لم يعيشوا فيه.

(1)

عقب مجزرة رابعة العدوية ومجازر أخرى مشابهة، والألم الذي استشرى حينها في النفس حتى ليأخذ بمجامع القلب والروح قبل العقل. نبهني صديق رائع لضرورة توثيق هذه الفترة في رواية، فصمتُّ أول مرة، فأعاد الرجل القول حتى أنه زاد:

أعرف ألم مجرد تذكر ما حدث عليك، وما عانيته بعدها، لكنه تاريخ يا صديقي، وليس أدبًا فحسب، وأنت ستزداد نبلًا بعد هذه الرواية، وستحفظ للأجيال قيمة كبرى تتلاشى من عقلك مع الوقت.

من هنا كانت رواية كنا هنا معًا»، قصيرة مركزة، في 104 صفحة ليس إلا، أودعتُها مكنون صدري وتفاصيل مرارة لا تنزاح من القلب أو تندح لأسفل، وأوصيتُ بها عددًا من الأصدقاء قليل إن حدث لي مكروه، وعند اضطراري للخروج من مصر حفاظًا على روح زوجتي، وهي بطلة الرواية بالمناسبة، أو مَنْ أوحت لي بشخصية البطلة، وكان الأطباء العدول المخلصون يؤكدون أنها في خطر، وأن علاجهم لا قيمة له أمام الرصاصة الحربية التي أصابت قدمها، عند الخروج أصررتُ على الاحتفاظ بالرواية.

(2)

أحرص على الترقيم هنا تخفيفًا عن الروح في معاناة تذكر ما حدث من الانقلابيين ومن بعض الذين يحسبون أنفسهم على الثوار، وإن تماس الأمر مع النشر والتبشير بغد أفضل، بخاصة إن تعلق الأمر بناشر يدعي الإخلاص وبمال أخذه دون وجه حق، إذ أخذ تقريبًا تكاليف طبع (كنا هنا معًا) ألف نسخةـ وتكشفتْ الأيام عن أنه لم يطبع الرواية، ولم يكلف نفسه عناء إخباري بأنه لم يفعل، بل دفعني للإعلان عنها في قرابة عشرين موقعًا، والافتخار برواية عن رابعة في سيرتي الذاتية، فيما الرجل لم يطبع منها حرفًا متعمدًا، فلما ضيقت الخناق حوله في الأيام الماضية أوعز لصديق أن يقول إنه رأى النسخ، لكن بتاريخ نشر وإيداع مختلفين – لنفس الطبعة الأولى – عن النسخة الإلكترونية التي أمدني بها منذ قرابة عامين، لكن كيف أودع الرجل نسخًا مما لم يطلبه، فهذا ما أفصله في السطور القادمة بكل أسف.

لم يراع صاحب دار نشر في الأقاليم المعنية بالرواية دماء آلاف الشباب، أراد مثلي التكريس لتأصيل كيفية إهدارها، والمسؤولين عنها من جميع الأطراف، كل بما يستحق، ولا كون صاحب الكلمات لم يسبق له دفع مليم في كتاب باسمه، وشرفني عدد من دور النشر العربية بنشر أعمالي داخل وخارج مصر، وإنما انتهز الناشر قسوة غيابي عن مصر، ووجودي في قارة ثالثة بعيدًا عن مسقط رأسي وفعل ما لم يخطر ببال، ولم يرد على عقل، وباسم الدين.

(3)

ذهبت الرواية إليه فعرضها على مختص، وفق ما باح به مؤخرًا أشاد بها، ولم يزعم أنه طبع قبل أن يأخذ المال كاملًا، ورفض الناشر متابعة مَنْ تفضل بتسليمه المال في مصر وأراد لي متابعته بنفسي، وأوصى شابًا بدمج تصميم واثنين لأراهما، وطبع أربع نسخ فأهداها إلى دار الكتب القومية في مصر، وعدا ذلك لم يشاهد أحد الرواية منشورة ورقيًا، وكانت الأخبار تصلني، فأكذب أذني، وأحدثه في مكانه بين القاهرة والإسكندرية، فيقول لي إنه رد على وسيلة تواصل اجتماعي غير التي يحدثني عليها، وكنتُ أعرف أن الكلام مخالف للحقيقة، لكنني أوثر الصمت لأجل شهداء وضحايا رابعة، على أمل أنه طبع، ويُماطل في حقوقي.

وبالغ الرجل في التنكر لي على مدار قرابة عامين، وبالغت في تحمله؛ حتى كان السبت الماضي.

(4)

رحم الله الشيخ الشعراوي إذ كان يقول: إذا كنت كذوبًا فكن ذكورًا!

لم يحضر ناشر الرواية المفترض معرض إسطنبول للكتاب العام الماضي، لكنه حضره هذا العام، ومع المساء كنت أمام مقره، تبحث عيناي عن روايتي فلا أجدها، ولما سألت الشاب عنها أنكر وجودها معه، فقلتُ له اطلب لي صاحب الدار على الهاتف، إذ إن الرجل غير هاتفه وتنكر لوسائل التواصل مؤخرًا، فقال الشاب: هاتفه ليس معي!

وبعد كثير من التحمل والسؤال عن صحة الناشر بعد خروجه من فترة اعتقال، ولما لم يستوعب الشاب القدرة على التحمل انفجرتُ فيه: أنتم لم تطبعوا الرواية إذًا؟!

(5)

مساء السبت قبل الماضي أكد الوسيط والصديق أن صاحبها لم يطبع الرواية من الأساس، وإنما أخذ المال وكفى، وتركت للناشر فرصة أيام ليعدل موقفه معيدًا المال، وبعد لأي توصلتُ إليه عبر (الميل) الذي استلم عليه الرواية، فعرض المال، وإعادته، ثم تراجع، ولم يصمت إلا لما ذكرته بكلمات الأستاذ الفاضل مستشاره في نشر الرواية، وأنه لم ينشرها.

أمهلتُ الرجل ثانية لرد المال الذي أخذه بقيمة وقته فلم يستجب لإمهال.. ولم يتقبل نصحًا بحل الأمر، وأفاد الأصدقاء ممن خالطوه جيدًا أن هذا ديدنه وطبعه دائمًا.. وتدخل الصديق مغيرًا كلامه ومصورًا لعدة نسخ مطبوعة فيما يبدو على عجل، ومطالبًا بضعف ما دفعتُ لآخذ نصف النسخ، أي يأخذ الناشر مالًا جديدًا نظير طباعة ما لم يطبع من قبل، إلا نسخًا قليلة، وإلا فلآخذ مالي، ومن هنا كان الحل الأخير هو الأسلم؛ فماطل الناشر، ثم انسحب عن مجرد الرد علي، وكذلك الوسيط.

والحقيقة أن الموقف يعجز عنه اللسان والكلمات، أفاد الرجل بالنشر منذ عامين، وأرسل نسخة إلكترونية من الرواية، وكاد الأمر ينتهي، لولا فضيحة عدم الإتيان بالرواية في معرض إسطنبول، حيث سوقها الرئيس.

ويبدو أن الحقيقة تائهة وضائعة وراء الخونة الانقلابيين، والأغبياء سياسيًا، وأتباعهم من المزروين في طنطا، كما في القاهرة، وفي الثقافة والعلوم.

ومع الاحترام لغالبية الصادقين من الناشرين الشرفاء، إلا أن الرجل تصرف بما لم يسبق لمنطق أو عقل أن تخيله مجرد تخيل.

ويا أيتها الحرية.. ويا أيها الدين.. كم من المآسي ترتكب باسميكما!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثقافة
عرض التعليقات
تحميل المزيد