إن من أبرز ملامح الحضارات في السياسة العالمية يتمثل في بُعد السياسة الدولية الثقافي في إطار منظور متطور للعلاقات الدولية والسوسيولوجيا والعلوم السياسية.. التي قد تتطلب خارطة ذهنية جديدة للسياسة العالمية وانعكاساتها على المستويات الإقليمية والدولية؛ الأمر الذي قد يتطلب طرائق تفكير مبتكرة وفقًا لرؤية سياسية معينة تجعل من وجهات النظر حول تلك الملامح متعددة الأبعاد بين السمات المزاجية ومجموعة من النظم الثقافية المتماسكة كنتاج تفاهمات ذاتية بينية وإعادة إنتاجها استطراديًا.

هذه هي اللغة السياسة/الإعلامية التي ينبغي أن تكون ضمن التفاعلات الاجتماعية كإجراء توافقي موجود سلفًا ضمن جملة العلاقات فيما بين البشر والطبيعة والسماء (الآلهة) والكون.

وبناء على هذه الرؤية نسلط الضوء على واحدة من أهم الصور الذهنية لمجموعات بشرية متصارعة خارج دائرة الذات، ولكن عبر ما يُمكن لنا تسميتها بفوضى الحواس لديناميات سيطرة ظاهرة وكامنة لمسارات – قد تبدو عبثية – أقرب ما تكون لرائعة صمويل باركلى بيكيت (في انتظار غودو)، وأشبه ما تكون بالحرب الباردة بين أمريكا: هشام سليم وروسيا: ماجدة الرومي في فيلم (عودة الابن الضال) وانعكاسات ذلك على بنية الأسرة، وفي صورة الذات لدى الفرد وفي الجنوسة؛ مما شكلت إطارًا لرؤية نقدية للواقع المعاصر في ضوء تحولات جذرية غيرت المشهد العالمي والعلاقات الدولية والمجتمعية والفردية.

إنها تمثل مشكلة العنف، وكيف نحد منه أو نحول دونه،واحدة من أصعب القضايا التي ظهرت بعد تلاشي المواجهة بين القوتين العظميين، ونعرف جميعًا (انعكاسيًا) أننا الآن في نظام عالمي جديد.

فلم يُعد بمقدورنا التعامل مع الأخبار التي تنسجها وسائل الفضائي. فذلك كما يبدو ناجم عن تأثير الإعلام الموجة الذي يبحث عن ضالته في ذاكرة الوعي العربي.

لقد أصبحت دوائر التأثير في حالة تماهي مع أيقونة التأثر الإدراك المعرفي حول جدوى التعاطي مع تلك الأفكار.. البرامج الإخبارية، برامج التوك شو، برامج التحليل الإخباري والمعلوماتي.. القنوات الفضائية التي ترصد الأحداث (مباشرة) على الهواء عبر المحللين السياسيين من إعلاميين وأكاديميين الذين قد خطفوا الأضواء، وذهبوا بالناس بعيدًا عن أي أماكن أخرى من التي قد اعتادوا عليها في إثراء الحياة العامة والسياسية بنقاشاتهم ونكاتهم السياسية، مراكز البحث والفكر والترجمة توسع من دائرة اهتماماتها، وتعرض كل ما هو جديد، وترصد آفاق مستقبلية، لكن قلة من يدركون هذه الحقيقة؛ لأنه لم يُعد هناك من يقرأ أو يهتم بذلك، النخبة السياسية مشغولة باهتمامات وأولويات أخرى.

وعلى الرغم من ذلك مازالت النخب الاقتصادية الممولة والراعية لذلك الحراك الإعلامي والفضائي والفكري والإلكتروني بالشراكة مع النخبة السياسية، هي التي تصنع/تضع الخارطة البرامجية والإعلامية بحسب المستجدات، لعلها تتجاوز حالة الرتابة في بيروقراطية الوعي العربي.

لم يكن يدر بخلد أحد أن نجد تلك التغطيات الحية لكثير من الندوات والمؤتمرات الدولية والجولات التفاوضية أو اللقاءات الدبلوماسية في مختلف دول العالم بمعزل عن سياسة حق الاختيار.

إننا في مرحلة أصبح الناس لا يدركون الحقيقة من الخيال.. هل لأنهم من كثرة الأخبار العاجلة والتصريحات الإعلامية قد أدركوا أن ثمة أمرًا لا يعنيهم.

وهذا لا يعني قلة ثقتهم بالأدوات والوسائل الإعلامية، بل نتيجة ازدواجية التأويل والتفسير لماهية تلك الفعاليات في ظل معطى ثابت يتمثل في المردود الإيجابي الذي يُمكن أن يحصده القائمين على ذلك الحراك الإعلامي والفضائي حتى جعلت البعض يشعر بالضجر والملل من رتابة ذلك الأداء، سواء كانوا إعلاميين أو محليين سياسيين أو مشاهدين. وكأن الجميع في ملهاة أو متاهة للوعي الذي يصعب تشكيلة دون أن يكون هناك جامع (فكري) ينظر في تلك الإشكالية، ويعيد صياغة رؤيتنا حيال ما نرغب في مشاهدته أو الإصغاء إليه.

وعلى ضوء ما سبق، يمكن أن نشير إلى أهمية التغير الاجتماعي، ودور الثقة النشطة، في معالجة تلك الإشكالية (إن وجدت)، والتي تتطلب إيضاح الجوانب (النظرية – التحليلية) لأبعاد تلك المشكلة من منظور أن النظام الاجتماعي المتحرر من التقليد نظام يصبح المجتمع/السكان فيه أكثر نشاطًا وانعكاسية، وإن كان لا بد أن نفهم معنى انعكاسيًا على النحو الصحيح. إذ حينما يفقد الماضي سيطرته، أو يصبح سببًا واحدًا من بين أسباب أخرى لعمل ما يعمله المرء، فإن العادات الموجودة سابقًا لن تكون سوى مرشد محدود لأفعالنا. ويصبح المستقبل في هذه الحالة مهيأً للعديد من السيناريوهات وموضوع اهتمام ملزم لنا. وهنا وفي سياق فقدان اليقين المصنوع تكون المسألة الجوهرية هي مسألة توليد ثقة نشطة، ثقة في الآخرين أو في المؤسسات (بما في ذلك المؤسسات السياسية) التي يتعين إنشاؤها على نحو فعال، وبناء على التفاوض.

وتعني الثقة النشطة في ارتباط بمجتمع يضم بشرًا ذوي واجتهاد، مفهومًا عن السياسية التوليدية التجديدية المنتجة، وهي سياسة وثيقة الصلة جدًا باهتمامات سياسة الحياة، واستخدم المفهوم هنا قصد كشف التباين بينه والأفكار التقليدية الجامدة لدى اليسار واليمين. وتعني السياسة التوليدية عددًا من الملابسات:

ترسيخ الظروف التي يمكن فيها إنجاز النتائج المنشودة، ولندع الآن ما هو مرغوب ومن الراغب كشيء أشبه بالصندوق الأسود. ويتحقق هذا دون أن تكون القمة مصدر تحديد الرغبات أو إنجاز النتائج.

خلق الأماكن التي يمكن أن نبني وندعم فيها الثقة النشطة، سواء داخل مؤسسات الحكومة أو في إدارات مرتبطة بها.

منح الاستقلال الذاتي لم يتأثرون ببرامج أو سياسات محددة، والعمل، في الواقع، على تطوير مثل ها الاستقلال الذاتي داخل سياقات كثيرة.

توليد مصادر تدعم وتعزز الاستقلال الذاتي بما في ذلك الثروة المادية. والقضية الجوهرية هنا الموارد التي توطد وترقى بالإنتاجية للأفكار بالمعنى الواسع.

العمل على مركزية السلطة السياسية؛ إذ إن اللامركزية هي شرط الفعالية السياسية ضمانًا لتدفق المعلومات من القاعدة إلى القمة، والاعتراف بالاستقلال الذاتي. بيد أن حالة الشد والجذب بين اللامركزية والمركز السياسي لا تنطبق عليها لعبة الحاصل – صفر. وجدير بالذكر أن اللامركزية يمكن أن تعزز أحيانًا سلطة المركز، سواء بسبب البدائل السياسية أو لأنها تخلق شرعية زائدة.

وبناء على الوصف السابق، لن تكون السياسة التوليدية قاصرة على المجال السياسي الرسمي، بل ستشمل مجالات تثار فيها قضايا سياسية، وتتعين الاستجابة لها. وترتبط الثقة النشطة ارتباطًا وثيقًا بمفهوم السياسة التوليدية. ونظرًا إلى أن هذه الثقة لم تعد تعتمد على انحيازات مسلم بها سابقًا، فإنها أكثر احتمالًا وارتباطًا بسياقها عن الأشكال السابقة من علاقات الثقة. إنها لا تعني بالضرورة المساواة، ولكنها لا تنسجم مع حالة الانصياع النابعة من الأشكال التقليدية لمكانة الإنسان. وتستلزم الثقة النشطة مزيدًا من وضوح العلاقات الاجتماعية، ولكنها تعمل كذلك على زيادة مثل هذه الرؤية الواضحة.

وجدير بالملاحظة أنه في ظل التحديث الانعكاسي، يعيش عدد كبير من الناس داخل الفضاء العقلاني ذاته. وتشكل القضايا السياسية موضوعًا من أحادي النمط في تنوع من الارتباطات الانعكاسية (أو حالات فك الارتباط) بالعالم الأوسع. ويؤكد بعض المفكرين أن قضايا سياسة رسم السياسات أضحت شديدة التعقد بحيث لا يستطيع أن يملك ناصيتها سوى قلة من ماضي الزمان أن كانت المعلومات بشأن الأحداث والمشكلات الراهنة موضوعا للجدل العام، وعلى نحو ممتد زمانيًا أكثر مما هو حادث في الوقت الحالي.

وإن طبيعة الثقة النشطة القائمة على الاحتمال والتفاوض لا تغني أن تأييد الأحزاب السياسية الرسمية سوف يصبح متقلبًا، على الرغم من أن هذا قد يكون الحال في بعض السياقات، ولكن تحتل الصدارة قضايا الإذعان العامة؛ إذ حيثما تصبح السياسة القومية واحدة من بين نقاط أخرى كثيرة هي المرجع لحياة الفرد، فسوف يكون بإمكان كثيرين أن لا يعيروا آذانًا صاغية لما يجري في المجال السياسي التقليدي. ومع هذا فإن فض المؤالفة وصرف النظر بعيدًا قد يكون مصاحبًا ليقظة مميزة إزاء قضايا يراها المرء أمرًا مهمًا. وقد تأتي ظواهر الأحداث أحيانًا على النقيض؛ إذ قد يبدي كثيرون قدرًا من الاهتمام بالكيفية التي يحكمون بها أكثر مما كانت عليه الحال في فترة التحديث البسيط.

للتأمل

من أقوال الأديب الكبير الدكتور يوسف زيدان:

لن أنصحك بشيء فلا شيء أثقل على النفس الحرة من تلقي النصائح.

الحمار لا يمكن بحال أن يكون غبيًا، هو صبور بطبعه. وقد يبدو الصبر غباء أحيانًا، وجبنًا أحيانًا أخرى.

حين تتماس دوائر الدين والسياسة، تدور معهما عجلة العنف.

الناسُ يعتَّزون دومًا بما يجدون أنفسهم فيه، ويفتخرون بما لا يختارون.

أرى الحياة دون أن أعرف ما هي، حاولت أن أعيش دون أن أعرف ما أفعله أو أحاول أن أفعله.. صمويل باركلى بيكيت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات