انفجرت في الأيام الماضية مظاهرات مطالبة برحيل الرئيس عبدالفتاح السيسي في العديد من قرى ومراكز محافظات عدة منها القاهرة والإسكندرية والجيزة والمنيا والفيوم وأسيوط والأقصر والسويس؛ وتركزت معظم المظاهرات في القرى واستمرت لعدة أيام وقد أطلق عليها رواد مواقع التواصل الاجتماعي «ثورة الجلاليب». تعيد هذه التظاهرات أحداث 20 سبتمبر من العام الماضي والتي دعا إليها المقاول المصري محمد علي.

تعامل النظام مع هذه المظاهرات لم يختلف كثيرًا عن تعامله مع مظاهرات العام الماضي، حيث قام بحشد أعداد من الناس لدعمه، وفض مظاهرات القرى بالخرطوش والرصاص الحي، وتوسع الأجهزة الأمنية في القبض العشوائي على المواطنين فقد رصدت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ما يقارب من 600 مواطن تم عرضهم كمتهمين على ذمة القضية 880 لسنة 2020 وتوقعت الشبكة زيادة الأعداد بقوة، واتهام أطفال بتمويل جماعة إرهابية مثل الطفلان حسين عبدالرؤوف وعمره 15 عامًا وأحمد صابر البالغ من العمر 13 عامًا، وتوجيه النيابة الاتهام بنشر أخبار كاذبة على صفحات التواصل الاجتماعي لأشخاص أميين. ويحاول البعض تفسير هذه المظاهرات بأنها استجابة لدعوات المقاول محمد علي ويتجاهل الأسباب الحقيقية التي دفعت الناس للخروج. والسؤال الذي يجب أن يطرح هو لماذا خرج الفلاحون بالقرى هذه المرة رغم ندرتها أو انعدامها –تقريبا- في يناير 2011؟!

فالفلاح يعاني لعقود من التهميش وتدني مستوى المعيشة من مسكن وعدم توافر مياه الشرب والصرف الصحى والكهرباء والغاز الطبيعي بالكثير من قرى مصر، وهو لا يتقاضى مرتبًا شهريًا وليس له دخل سوى الدخل الموسمي – في موسم الحصاد – وهو في الوقت نفسه مطالب بتسديد فواتير شهرية مثل فواتير الكهرباء والمياه ومع تطبيق قوانين الإصلاح الاقتصادي زادت حالة الفقر في القرى حتى بلغ عدد القرى التي تعيش في فقر مدقع حوالي 2496 قرية، و506 قرية تعيش تحت خط الفقر من إجمالي 4065 على مستوى الجمهورية، ويسكن فى أفقر 1000 قرية نحو 10 ملايين و300 ألف نسمة، منهم 51.8% فقراء حسب إحصائية البنك المركزي للإحصاء، وبلغ معدل الأمية في الريف 32.2.% بالاضافة إلى 82% من الفلاحين غير مشتركين في نظام التأمين الصحي. ومع ارتفاع أسعار السماد و المستلزمات الزراعية وانخفاض إنتاجية الأرض يلجأ الفلاح للاقتراض من البنك الزراعي حتى بلغ عدد الفلاحين المتعثرين والعاجزين عن سداد القروض التي حصلوا عليها من البنك الزراعي في 2014، بنحو 470 ألف مزارع، بينهم 140 ألفًا مهددون بالسجن؛ لأن البنك استصدر أحكامًا قضائية ضدهم.

ويلجأ الفلاح في سبيل التخلص من عبء الأرض إلى تبويرها في انتظار أن تدخل كردون حتى يرتفع ثمنها ومع عدم توفير مساكن والنمو السكاني المتزايد تزداد وتيرة البناء على الأراضي الزراعية -وكان ذلك تحت أنظار نظام المعزول حسني مبارك في مقابل حولات العاملين بالخليج – والعمل باليومية كعامل بناء أو بمصانع الطوب. وزاد من سوء الأوضاع صدور قانون التصالح والذي هو كالقشة التي قصمت ظهر البعير، حيث سادت حالة من الغضب في الشارع المصري -صاحبة إصدار القانون خصوصًا مع ارتفاع وتيرة هدم المنازل- حيث وجد الناس آخر حصن يحميهم من برد الشارع ويحفظ أولادهم من التشرد يهدم مما دفعهم لترجمة حالة الغضب تلك في شكل مظاهرات سبتمبر 2020، والتي افتقدت لغياب التنظيم والقيادة الثورية نتيجة تجريف الحياة السياسية في مصر.

استطاعت هذه المظاهرات كسر حاجز الخوف المسيطر على الشارع المصري وهيبة النظام القمعي ودحضت القول السائد بأن المصريين لن يخرجوا بمظاهرات ثانية وأنه شعب لا يستحق الحرية ويجب أن يُحكم بالكرباج، كما أنها كانت من صنع الطبقة التي لطالما عُرفت بعزوفها عن السياسة، ووصفها بأنها استجابة لمطالب محمد علي هو وصف طبقي يتجاهل حقوق الفلاحين وأوضاعهم المتردية ويغض الطرف عن الأسباب الحقيقية المحركة لهذه المظاهرات، التي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد