يسعى المخرج الكوري الجنوبي «بارك شان ووك» في أفلامه إلى توريط المُشاهد في مفارقات قصوى «أردتُ أن أضع المُشاهد في معضلة أخلاقية، كثيرة هي الأفلام حيث يواجه أبطالها معضلة أخلاقية، إنما الأصعب إيجاد فيلم يواجه المُشاهد من خلاله تلك المعضلة»، هكذا تحدث مخرج فيلم «تعاطف مع سيد الانتقام» 2002. كان الفيلم ردًا على ظاهرة خطف الأطفال، ونجح في تقديم صورة مغايرة لشخصية المجرم كشاب بائس يحاول علاج أخته الوحيدة من السرطان. يقوم الاثنان باختطاف ابنة أحد الأثرياء طمعًا في الفدية، الطفلة التي تعاني إهمال والديها تحب الخاطفين الطيبين الذين يهتمون بها ويصطحبونها للتنزه، لكنها تغافلهم وتنزل لتسبح في النهر، تغرق، ويغرق معها الأمل في الحصول على الفدية، الأمل في العلاج، الأمل في نهاية مُرضية. وحدها الجريمة تطفو على السطح. يجعلك الفيلم تقف عاجزًا عن إطلاق أية أحكام تجاه أبطاله، وقد تورطت معهم، لا يمكنك أيضًا أن تتعاطف مع شخصية على حساب الأخرى، بعد أن لمست عذاب الجميع، كأنك أنت المحقق والمجرم والضحية والجريمة كذلك. يمكنك أن تكذب عينيك ببساطة، عندما يدور الصراع على الشاشة، ولكن الأمر مختلف عندما يدور الصراع داخل قلبك. عندما تضبط قلبك أثناء المشاهدة، وهو يتضرع لنجاة المجرم. ذلك الأثر المربك الذي حرص عليه «بارك شان ووك» في مجمل أعماله، هذا العام يعود صاحب ثلاثية الانتقام للسينما بفيلم (الخادمة) المستوحى من رواية FINGERSMITH للكاتبة الإنجليزية «سارا ووترز».

وراء كل حضارة عظيمة دسائس أعظم

قدمت الرواية لأول مرة عام 2005 في حلقات تليفزيونية من جزئين تحمل نفس العنوان، من إنتاج الـ BBC، وإخراج «آسلينج والس» ولاقت نجاحًا، كانت الحلقات أكثر التزامًا بالرواية من الفيلم، كانت أكثر مأساوية وأقل سحرًا. في المعالجة السينمائية تنتقل أحداث الرواية من المجتمع الإنجليزي إلى المجتمع الكوري أثناء فترة الاحتلال الياباني، تلك الفترة من تاريخ كوريا التي لم تلتفت إليها السينما كثيرًا، وتحديدًا بداية الثلاثينيات. الاستبدال بالنظام الطبقي في العصر الفيكتوري ثقافة الاحتلال أكسب الصراع أبعادًا جديدة. في أوروبا أو في آسيا سواء، فالاحتيال ميراث عالمي. الولع بالثقافة اليابانية والإنجليزية والمزج بينهما يظهر بوضوح، خاصة في المكان «المنزل» الذي تقع فيه الأحداث «أسلوب البناء الياباني لا يتقارن مع فخامة التصميم الإنجليزي» على حد تعبير الخادمة.

كيوبيد عاشقًا

يحكي الفيلم قصة (هيديكو) الفتاة الأرستقراطية اليتيمة التي تقع ضحية استغلال زوج خالتها العم (كوزوكي) وهو مترجم كوري يعمل في الحكومة، ورث الجنسية اليابانية عن زوجته التي منحته اسم عائلتها قبل أن تشنق نفسها. يمتلك ثروة هائلة من الكتب، ويبحث عن رسام يصنع له نسخًا مزيفة من الكتب لبيعها في المزادات، ذلك المحتال «فوجيوارا» الذي ينتحل شخصية «كونت» وهمي جاء ليعلم «هيديكو» دروس الرسم. خطة «فوجيوارا» تعتمد على الزواج من هيديكو وتحريرها من وصاية كوزوكي، الحصول على ثروتها وإلقائها في مصحة عقلية استنادًا لتاريخ عائلتها المقرون بالجنون والانتحار. لذلك يستعين فوجيوارا بالفتاة الفقيرة «سووكي» يزرعها في المنزل؛ لتكون خادمة هيديكو وتحاول إقناعها بالزواج منه. وبالطبع لا يتخيل فوجيوارا أن تقع الخادمة في حب سيدتها منذ أول لقاء «كان عليه أن يخبرني أنها حسناء» وقوع الخادمة في حب هيديكو يجعل إمكانية خداعها أصعب، ويتضخم الشعور بالذنب. ثم تنقلب الحكاية رأسًا على عقب عندما تكتشف الخادمة أنها وقعت ضحية مؤامرة أكبر. حيث تهرب هيديكو مع فوجيوارا، ويتخلصان منها بوضعها في المصحة العقلية تحت اسم (هيديكو) التي تحصل بذلك على حريتها أخيرًا – بالمناسبة اسم سووكي يستخدم بمعنى «الفأر» وهو ما يوحي بطبيعة دورها العابر في التجربة، وربما لذلك أيضا بدت حجرتها الملحقة بجناح هيديكو ضيقة كالجحر – انقلاب السحر على الساحر تيمة جذابة، وقد قدم المخرج الفرنسي هنري جورج كلوزو حبكة مشابهة في فيلم (الشياطين) عام 1955. ولكن طموحات بارك «شان ووك» لا تقف عند حد، لذا فإن انقلابات أخرى تنتظرنا.

العري في كامل ثيابه

اعتمد السرد على تعدد وجهات النظر، بين رواية سووكي التي خدعت سيدتها، ورواية هيديكو التي خدعت خادمتها، بينما يشهد الفصل الأخير من الفيلم انقلابًا أروع ينتهي بسقوط فوجيوارا ضحية مؤامرة أخيرة، دبرتها هيديكو وسووكي اللتان يكلل الحب علاقتهما بنهاية سعيدة. لحسن الحظ فقد تجاوز الفيلم عن الجانب الميلودرامي للرواية الأصلية – في الرواية يتضح أن السيدة وخادمتها قد تم استبدالهما في المهد – إنما حاول الفيلم التركيز على مشاعر الشخصيات وتحولاتها، مرورًا بمساحات كبيرة من الجنس ذات طابع متناقض، تتباين بين مشاهد هيديكو مع خادمتها، ومشاهد جلسات القراءة. تلك الوظيفة التي فرضها عليها العم كوزوكي، تلاوة الروايات الجنسية المترجمة على مسامع الرجال القادمين لشراء الكتب. عيون الرجال تلتهم هيديكو، صوتها المسكون بخيالات فاحشة يجعلهم يتعرقون في كامل ثيابهم ووقارهم البارد. على العكس من مشاهد الجنس التي جمعتها بالخادمة والتي يغلب عليها طابع دافيء وحميم.

ملامح (تاي ري كيم) البريئة أكسبتها تعاطف المشاهد منذ أول ظهور، وهدوء (مين هي كيم) وحضورها المراوغ جاء موفقا مع تحولات شخصية (هيديكو). بينما قدم (جونغ وو ها) الشر بأداء أنيق لا يخلو من لمسة مرح. فتنة الزخارف البصرية وأجواء المنزل الغريب المسكون بشياطين كلوزو، وأشباح هيتشكوك، لا عجب أن يشير أحد التقارير الفنية لتأثر الفيلم بروح ريبيكا فيما أشار تقريرا آخر إلى تأثره بفيلم ماندرلاي. يقول زوج الخالة على هامش النهاية «يستوعب الناس القصص بطرق مختلفة، وهذا شغفي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد