لكل إنسان أيام، تأخذه، تلهيه، تنسيه؛ حتي يغرق هو فيها غافلًا كم يمضى من الزمن. لكن عندما تكون صوفيًّا فإن القلب لا يمكن أن يسهو عن اليوم. اليوم الذي يمضي يعني كم بقي على الميعاد. متى ينادى على الفرحة والشوق ولقاء حبيب الأحباب. وإمام النور. ويد الهدهدة على النفوس. متى ينتشي الإنسان حتى لا يبقى له إلا الدموع. فكيف عندما تكون فلاحًا صوفيًّا!

رواية أيام الإنسان السبعة هي أيام صوفية الفلاحين. عبد العزيز، والحاج كريم والإخوان، والطريقة. فالحضرة: حيث الإخوان يجتمعون لإقامة الذكر. والخبيز: حيث النسوان يعددن السلال لأحباب الحبيب في طنطا. والسفر: حيث الكل متجمل للقاء. والخدمة: حيث يدخلون طنطا. والليلة الكبيرة: حيث الكل في العرس. والوداع: حيث الكل قافل إلى شقائه. سبعة أيام، سبعة أيام أحيتها قلوب لا يرتوي ظمأها. نار أوقدها حب الله ورسوله، وسلالته أولياؤه الصالحين من بعده.

قلوب كبرتها وقدة الشمس. تحمل فأسًا، تعزق أرضًا، ترقب عودًا، تقلع زرعًا، تسحب بهمًا، تأمر صرمًا. حتى ينتهي النهار. قلوب اسوّدت لولا حب الله. لكن،«مسم، آدي حال الدنيا» كما تقول الحاجة شوق الطيبة. نعم ينتهي الحب، ويموت القلب، كأن لم يكن محبًا ومحبوبًا. ولكن «إي اللي جرا في الدنيا.. الله! شيء عجيب». كما يقول أحمد بدوي صاحب الصوت الشجي الذي أبكى الإخوان كثيرًا ببردة البوصيري.

رحلة القلب:

أولًا: معنى القلب: «غاية الحياة ما بعد الحياة». لهذا ينبض، لأجل الله والحياة الآخرة. تلك هي دار الراحة والبقاء والدوام ولقاء الأحباب.

ثانيًا: آثار القلب: الهدوء والوداعة في حضرة المساء بعد غضب النهار المتقد. والتأمل في عجائب هذا النهار. التجمُّل الجسدي كل حضرة ويوم السفر لأولياء الله. عدم الخوف من المستقبل، الرضا. فأحمد بدوي مات له ولدان بالكوليرا، ومحمد كامل خط الشيب رأسه ولم يخلف ولدًا، وعلي خليل يعاني، والعراقي أطرش، والشركسي ورث الجنون. استصغار الهموم. فكل همومهم حين تطرح في جلسة المساء تذهب إلى ذكر الأولياء الصالحين وقوتهم وصلابتهم في مواجهة الحياة. تعظيم الأولياء. تحمل مشاق السفر إلى أولياء الله. فلا بد من المكاره. تحمل الأذى النفسي الذي يقع عليهم «كفلاحين مالهمش قيمة». فالمعنى الذي يعيشون لأجله أشرف من أي قيمة. هم يسيرون يتهاوى أمامهم أي مانع، تقف الدنيا لهم فاغرة.

ثالثًا: أفعال الجوارح: الجلوس في الحضرة لقراءة المصابيح، مناقب الصالحين، ودلائل الخيرات، وبردة البوصيري، والفاتحة للأربعة الأقطاب والأربعة الأنجاب والأربعة خلفات النبي، ولمن سبق إليه الموت من الإخوان، ثم الختم بالفاتحة للنبي. الوهب في سبيل الله. كل ما في الدور لأجل الله وأوليائه. كل ما في الضروع وكل ما في بطون البهائم. فاليد التي تبذل لا تنضب أبدًا. التبرك بأولياء الله. السفر إلى أولياء الله. سيدي سليم العراقي، وعروس الأولياء السيدة نفيسة، والسفر الأكبر إلى السيد البدوي.

رابعًا: موت القلب: يموت القلب عندما تجد الدنيا نقبًا في قلبك. إما لضعف منك أو لغبتها. ويا الله! حين تدخل. لا تبقي ولا تذر. تريك الدنيا كأنما هي شيطان. وليس لك إلا أن تطيعه. ترى الأشياء بعين مختلفة. كما يقول عبد العزيز عن أبيه: الآن لا شيء من هذا يجدي، المطلوب أدوية غالية ونظام تغذية وزيارات طبيب متتالية. لا شيء يجدي، وصفات الحاجة شوق أو طب العراقي. الحاج كريم هدّه التعب حتى صار كالطفل يريد أن يصل إلى الشيء بعجزه. ولم يبق أحد من الإخوان. فأحمد بدوي الطيب ضعيف. والعايق أُخِذ بصره. وعلي خليل قضى عليه الموت. والعراقي يطير بعجلته ذاهبًا لعمله ويطير عائدًا. والشركسي ذابل ينتظر الموت أمره. وأما محمد كامل صاحب الصوت العميق، قائد المرتلين في الحضرة: هذا الوجه ليس من صنع الفانوس في صالة دوار الحاج كريم، بل من صنع شمس الحقل القائظة في وقدة الظهيرة. وأما الجلسات التي صارت مكان الحضرة: هؤلاء رجال غير رجال أبيه، صارمون يضحكون بقوة، يجلسون في العصاري لكن ليس حول حديث طيب ودود بل حول المذياع. مليئون بالمرارة ومتعجلون وصارمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد