كيف استطاع نبي الله يوسف الخروج بالبلاد من الأزمة الاقتصادية؟

ملامح أول موازنة تخطيطية عرفها التاريخ

لم يعهد من تاريخ مصر القديمة أن ملوكها استوزروا أجانب في سلطانهم، فمن يكون هذا الملك الذي استوزر يوسف العبراني لإدارة شئون اقتصادية للبلاد!

كانت هذه إحدى الشبهات التي ساقها «نولدكه» الذي يُلقّب بشيخ المستشرقين الألمان (1863– 1930).

والحقيقة أنه أراد التشكيك فأورد الحقيقة بغير قصد! إذ تشير بالفعل الكثير من الوثائق التاريخية والدلائل إلى أن ثمة أقوام أجانب من جالية الشعوب الهندية الأوربية تغلبوا على الشعب المصري، وحكموا البلاد قهرًا في حوالي سنة 1800 ق. م، وهو العهد الذي يمثل الأسرتين الخامسة عشر، والسادسة عشر، ثم السابعة العشر في الشمال حتى عام 1570 ق. م، ليقوم بعد ذلك أحمس الأول في وجههم ويطردهم ويؤسس الدولة الحديثة «الأسرات من الثامنة عشر إلى آخر العشرين»، وكان ذلك أول خروج العبرانيين.

جاء في تفسير الوسيط للطنطاوي: «قال بعض العلماء: والتعريف في (الملك) للعهد أي ملك مصر، وسماه القرآن هنا ملكًا ولم يسمه فرعون لأن هذا الملك لم يكن من الفراعنة ملوك مصر المصريين، وإنما كان ملكًا لمصر أيام حكمها من (الهكسوس) وهم العمالقة الذين ملكوا مصر 1900 ق. م، فالتعبير عنه بالملك هنا دون التعبير بفرعون – مع أنه عبّر عن ملك مصر في زمن موسى بفرعون – لمن دقائق إعجاز القرآن الكريم».

غير أن الطبري والقرطبي ذكرا في تفسيرهما أن الحاكم حينها هو الملك الأكبر الريان بن الوليد.

رؤيا الملك

تبدأ القصة برؤيا يراها حاكم مصر في منامه تثير علامات استفهام لديه، وتحرك فيه الدوافع لاستكشاف مدلولاتها، يقول الإمام البغوي في تفسيره: «لما دنا فرج يوسف رأى ملك مصر الأكبر رؤيا عجيبة هالته، وذلك أنه رأى سبع بقرات سمان، خرجت من البحر، ثم خرج عقبهن سبع بقرات عجاف في غاية الهزال، فابتلعت العجاف السمان فدخلن في بطونهن، ولم يُر منهن شيء، ولم يتبين على العجاف منهن شيء، ثم رأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبعًا أخرى يابسات قد استحصدت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليهن ولم يبق من خضرتها شيء، فجمع السحرة والكهنة والحازة والمعبرين وقصّ عليهم رؤياه».

وقد أورد القرطبي في تفسيره أن جبريل – عليه السلام- نزل فسلّم على يوسف وبشره بالفرج، وقال إن الله مخرجك من سجنك، وممكن لك في الأرض، يذل لك ملوكها، ويطيعك جبابرتها، ومعطِيك الكلمة العليا على إخوتك، وذلك بسبب رؤيا رآها الملك وهي كيت وكيت، وتأويلها كذا وكذا، فما لبث في السجن أكثر مما رأى الملك الرؤيا حتى خرج! فجعل الله الرؤيا أولًا ليوسف بلاء وشدة، وجعلها آخرًا بشرى ورحمة.

جمع الملك ملأه، وحاشيته، وكهنة معبد آمون «المؤسسة الدينية الرسمية في ذلك الوقت» والمفسرين، ومعبري الرؤى وقصّ عليهم رؤياه، فعجزوا عن تفسيرها، ووصفوها بأضغاث الأحلام، كان مِمَّن شهدوا هذا المجلس ساقي الملك «ذكر الطبري أن اسمه (نبو)» الذي كان قد رافق يوسف في السجن بتهمة الشروع في قتل الملك قبل أن يبرأ ويفرج عنه، وذكر ما كان من يوسف، وكيف أنه على دراية كبيرة بتعبير الرؤى وتفسيرها، وطلب الإذن في أن يُرسل إلى يوسف ويأتيهم بتفسير تلك الرؤيا، فأُذن له، فذهب فقص عليه رؤيا الملك، فما كان من يوسف إلاّ أنه شرع في تفسيرها مباشرة، وحملها (نبو) إلى الملك الذي انبهر بها وأمر بإحضار هذا الفتى العبقري الذي روى ظمأه في هذا الشأن.

ذكر البغوي في تفسيره: قال وهب: وكان الملك يتكلم بسبعين لسانًا، فكلما تكلم بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان، وزاد عليه بلسان العربية والعبرانية، اللذين لا يعرفهما الملك، فأعجب الملك ما رأى منه مع حداثة سنه، وكان يوسف يومئذ ابن 30 سنة، فأجلسه و«قال إنك اليوم لدينا مكين أمين» وقال له إني أحب أن أسمع رؤياي منك شفاهًا.

فقال يوسف: نعم أيها الملك، لقد رأيتَ سبع بقرات سمان، شهب، غر، حسان، كشف لك عنهن النيل، فطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافهن لبنًا، فبينما أنت تنظر إليهن ويعجبك حسنهن إذ نضب النيل، فغار ماؤه وبدا يبسه، فخرج من حمأته سبع بقرات عجاف، شعث، غبر، متقلصات البطون، ليس لهن ضروع ولا أخلاف، ولهن أنياب وأضراس، وأكف كأكف الكلاب، وخراطيم كخراطيم السباع، فافترسن السمان افتراس السبع، فأكلن لحومهن، ومزقن جلودهن، وحطمن عظامهن، وتمششن مخهن، فبينما أنت تنظر وتتعجب إذ سبع سنابل خضر، وسبع أخر سود في منبت واحد، عروقهن في الثرى والماء، بينما أنت تقول في نفسك أنى هذا؟! خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد، وأصولهن في الماء إذ هبت ريح فذرت الأوراق من اليابسات السود على الخضر المثمرات، فاشتعلت فيهن النار، فاحترقن فصرن سودًا.

فهذا ما رأيتَ ثم انتبهتَ من نومك مذعورًا فقال الملك: والله ما شأن هذه الرؤيا – وإن كانت عجيبة – بأعجب مما سمعت منك، فما ترى في رؤياي أيها الصديق؟

فقال يوسف عليه السلام: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعًا كثيرًا في هذه السنين السبع المخصبة، وتجعل الطعام في الخزائن بقصبه وسنبله ليكون القصب والسنبل علفًا للدواب، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخُمس، فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، ويأتيك الخلق من النواحي للميرة؛ فيجتمع عندك من الكنوز ما لا يجتمع لأحد قبلك، ثم أشار عليه بأن يجعله «على خزائن الأرض» لتنفيذ الخطة؛ فكان له ذلك.

الركائز الأساسية التي قامت عليها خطة نبي الله يوسف

  • الإنتاج: «قال تزرعون سبع سنين دأبًا»

تلك هي أولى مراحل الخطة، وفيها يجري العمل بالطاقة القصوى؛ إذ تُزرع جميع الأراضي المتاحة بكل أنواع الزروع التي اعتادوا زراعتها، ويشترك في هذه المرحلة كل أطياف المجتمع، فهذه فئة المزارعين، وأخرى تشرف عليهم وتراقب جودة التشغيل، وغيرها تمتهن بنقل الغلات إلى الصوامع المركزية التي يبنيها طبقة البنّائين والعاملين بمجال التشييد وفق معايير معينة، لضمان التهوية وتلافي أضرار الأمطار وغيرها، وضعها يوسف – عليه السلام- وأشرف على تنفيذها بنفسه لتناسب حفظ المحاصيل لفترات طويلة، لتتسلم بعد ذلك فئة غيرها عملية التخزين، بالتزامن مع التدوين الذي يقوم به فئة من الكتّاب، إذ يسجلون حركة الغلات ويديرون المخزون في سجلات مخصصة لذلك، وغيرها من العمليات التشغيلية المختلفة، ويعكس ذلك أن هذه الحقبة بقيادة نبي الله يوسف قد شهدت معالجة لإحدى الظواهر الاجتماعية التاريخية السلبية، وهي البطالة، وفتحت أفقًا جديدة للعمل والإنتاج، بيد أن البلاد لم تشهد حراكًا مُورس بشكل منظومي فريد كهذا من قبل!

  • الادخار

ابتكر يوسف – عليه السلام- طريقته العبقرية غير المسبوقة في الادخار، والتي يمكن أن تكون حجر الأساس في اشتقاق دوال الادخار الحديثة «Saving function»، فعمد إلى إيجاد علاقة خطية بين الدخل المتاح «YD» «فما حصدتم»، والادخار «S» «فذروه في سنبله»، و الإنفاق الاستهلاكي «C» «إلا قليلًا مما تأكلون»، ثم في المرحلة الثانية من الخطة يزيد على المعادلة متغيرًا آخر وهو الاستثمار «investment» «إلا قليلًا مما تحصنون» «K»، أي إن الادخار هو الجزء المكمل للإنفاق الاستهلاكي من الدخل المتاح، والعلاقة بينهما وبين الدخل المتاح علاقة طردية وعلاقة عكسية على التوالي، لذلك عمد إلى:

  1. تعظيم قيمة الادخار «فذروه» أي كله باستثناء القليل للاستهلاك؛ لوجود علاقة طردية.
  2. خفض معدلات الإنفاق الاستهلاكي «إلا قليلًا مما تأكلون»؛ لوجود علاقة عكسية ليتحقق من خلالهما تعظيم الدخل الكلي بافتراض ثبات باقي العوامل.
  • تحقيق الأمن الغذائي

على الرغم من أن مشكلة الغذاء مشكلة اقتصادية في المقام الأول؛ لأنها تعبر عن شكل من أشكال العلاقة بين العرض والطلب، أو بين الانتاج والاستهلاك، فإن لها أبعادًا متعددة، منها البعد الأمني، تنبه يوسف – عليه السلام- إلى هذه الحقيقة، واستقرأ العلاقة الوثيقة بين الأمن والغذاء بوصفه واحدًا من الحاجات الأساسية لبقاء الإنسان.

إن تأويل يوسف – عليه السلام- يحمل في طياته معاني أزلية بالنسبة للأمم، فحياة الأمم لا تسير على وتيرة واحدة، بل تتأرجح ما بين القحط والجدب، وفترات الخصب والنماء، والزراعة بوصفها القاسم المشترك والعمود الفقري لبناء اقتصاد قوي وآمن في كل الأزمنة، فكانت هي الخيار الأمثل له، على الرغم من وجود العديد من الأنشطة الاقتصادية الأخرى في المجتمع حينها، وذلك لتفادي مخاطر الجوع والفقر وما يجره من أوبئة وكوارث تودي بحياة الشعوب، وجاء ذلك أيضًا بتحديد سنوات الخصب «سبعَ سنينَ»، وسنوات الجدب «سبعٌ شداد»، على وجه الدقة لإعداد ما يكفي لهذه المدة، وتحقيق الأمن الغذائي خلالها، وتقليل حدوث أي انحرافات إلى حدها الأدنى.

حكى زيد بن أسلم عن أبيه: أن يوسف – عليه السلام- كان يضع طعام الاثنين فيقرّبه إلى رجل واحد فيأكل بعضه، حتى إذا كان يوم قرّبه له فأكله كله، فقال يوسف: هذا أول يوم من السبع الشداد.

  • «ألا ترون أني أوفي الكيل» عدالة التوزيع والتكافل المجتمعي

بعد انقضاء سنوات الخصب والنماء، والإنتاج والادخار، حلت سنوات الجدب والقحط، وحان وقت جني ثمار الخطة التي عكف على تنفيذها نبي الله يوسف ومن تخيرهم لمعاونته طيلة سبع سنوات متصلة، وبدأ بفتح الصوامع وتوزيع الحصص على الناس بعدالة وتكافؤ، وكان كل فرد من العائلة يأخذ نصيبه من الطعام، وكانت هنالك قسائم مدون بها أسماء المطالبين بحصص الطعام وما قد ادخروه طيلة فترات الخصب، وكان العرض مقابل الطلب، وكان للرعاية الاجتماعية نصيب من التوزيع، تستهدف العائلات الفقيرة ومتدنية الدخل، تكفل لهم الحصول على ما يسد احتياجاتهم من الطعام.

  • البُعد الإقليمي

لم تعصف سنوات الجدب تلك بالقطر المصري وحده، بل امتدت لتشمل شعوبًا أخرى تزامنًا مع مصر، ذاقوا الأمرّين، وعصفت بهم سني القحط والجفاف، وأرسلوا مبعوثيهم يضربون في الأرض، ويقطعون أميالًا بحثًا عمّا ينقذهم من أوضاع باتت تسوء من يومٍ لآخر، وسط أنباء بدأت تتردد على الألسنة، وتجد آذانًا لها مصغية، أن وزير خزائن بلاد مصر يمتلك الحل، وأنه استطاع أن يعُدّ لهذه الفاجعة عُدتها، ويقي أهله ويلاتها، وأنه كريم لا يرد سائلًا، ذو طابع متودد، فذاع أمره في الآفاق والأقاليم للينه، وقربه، ورحمته، ورأفته، وعدله؛ فتوافدت عليه وفود عدة.

قال الفخر الرازي – رحمه الله- «اعلم أنه لما عمَّ القحط في البلاد، وصل أيضًا إلى البلدة التي كان يسكنها يعقوب- عليه السلام- «أرض كنعان» فقال لبنيه: إن بمصر صالحًا يمير الناس – أي يعطيهم الطعام وما هم في حاجة إليه في معاشهم- فاذهبوا إليه بدراهمكم وخذوا منه الطعام، فخرجوا إليه».

وكان يوسف – عليه السلام- يكيل بنفسه للناس ويجهز لهم أمتعتهم، وكان هذا أيضًا نظير أموال يدفعونها لخزانة مصر، أو بضاعة من إنتاج أقاليمهم تجري المقايضة بها، وكان يعطي لكل فرد حمل بعير واحد من الغلة والحبوب؛ ليتمكن من التوزيع لأكبر عدد ممكن.

  • هيكلة البنية التحتية

ورد في بحث نشرته مجلة كلية العلوم الإسلامية بعنوان «أبعاد اقتصادية في قصة النبي يوسف – عليه السلام- في ضوء القرآن الكريم» (1434هـ) – المجلد السابع:

«ومما تؤكده الدراسات الجيوهيدرولوجية من حدوث جفاف النيل، من واقع دراسات صخور الفيوم، استمر مدة 12 عامًا، انقطع فيها الماء من النيل أكثر من نصف هذه المدة تمامًا، أي لم يكن هنالك نقطة ماء في النيل، وهذا ما يؤكده التاريخ المصري عندما يذكر حدوث الجفاف في هذه الحقبة، وعندما وُلّي النبي يوسف – عليه السلام- خزائن مصر، قام بوحي من إيمانه بإنجاز مشروعه العظيم، بشق قناة النيل إلى منخفض الفيوم عبر فم «الهوارة» – اللاهون- وذلك لتخزين مياه النيل في ذلك المنخفض العظيم، كما أعاد شق بحر يوسف ليروي المنطقة الوسطى في زمن الجفاف».

بعد انتهاء سني القحط والجدب ونجحت خطة نبي الله يوسف في الخروج منها بشكل آمن، أظل البلاد بعدها الخصب والنماء مرة أخرى، وهطلت الأمطار، واستعادت البلاد سيرتها الأولى، وهو ما فسّره يوسف – عليه السلام- بقوله «ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس»، وهذا أيضًا كان من كرمه – عليه السلام- فلم ترد هذه المعلومة في رؤيا الملك، لكنه آل على نفسه ألاّ يدخر جهدًا ولا خبرًا في القيام بمهمته الشاقة.

لقد طلب يوسف – عليه السلام- أن يكون على خزائن الأرض، وكان على ثقة بتوافر مقومات النهوض بهذه المهمة فيه، والقيام بها بشكل عبقري فريد، لم يسبق ممارسته من قبل على أسس علمية دقيقة، ومهارات قيادية نادرة في إدارة الأزمات، وفوق كل هذا تأييد من الله عز وجل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد