الكثير يتحدث عن شكل الدولة وكيفية بنائها والنمط الذي يجب أن تكون عليه، لكن القليل الذي يتحدث عن ركائزها وتفعيل آلياتها وفعالية مؤسساتها في معالجة القضايا المؤسساتية للدولة والشعب وهنا تظر بشكل فعال جدلية أي الخيارات نضع هل نركز على شكل الدول في البداية ونؤسس للدولة أم نقوم بوضع الآليات الكفيلة لتنشيط هذه المؤسسات وفق مقاربة دولة الحق والقانون.

هذه الجدلية حسمتها العديد من الدول التي انتهجت الديمقراطية الحديثة في إطار الموجة الثالثة للديمقراطية والتي جاءت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أين بدأت في منطقة أوروبا الشرقية، وكانت الجزائر إحدى الدول التي ذهبت إلى هذا النهج، لكن لأسباب عديدة توقف المسار الديمقراطي في الجزائر، ودخلنا لمرحلة ما بعد الإرهاب بطبيعة الحال الإشكالية التي واجهت الجزائر هو غياب المؤسسات التي كانت نتيجة حتمية لتوقيف المسار الانتخابي واستقالة رئيس الجمهورية؛ مما أعطى لنا مخرجات تمثلت أساسًا في فراغ مؤسساتي جعل الجزائر في معزل عن العالم وسبب أضرار كبيرة للبلاد والعباد، وهنا سعت الأطراف الفاعلة في تلك المرحلة إلى تخطي هذه المرحلة إلى بناء المؤسسات، والتي جاءت مع تعديل الدستور سنة 1996، وانتخاب رئيس الجمهورية، وبعدها الانتخابات التشريعية والمحلية، والتي أنتجت لنا برلمان مزورًا وفق منطق سد الفراغ وبناء المؤسسات وهذه السياسة أنتجت مؤسسات فارغة من حيث الفعالية لأن من تم اختيارهم عبر الصندوق كان وفق عملية تزورية لم تراع متطلبات المرحلة وتحديات المستقبل، وكان هم من في السلطة أن يتم إنتاج مؤسسات صورية عبر آلية انتخابية، وهذا ما أعطى لنا مؤسسات مشوهة تركيبًا، وبالتالي عجزت عن أداء وظيفتها، والتي نطلق عليها اسم العجز الديمقراطي، حيث رغم وجود برلمان كسلطة تشريعية والقضاء كسلطة قضائية إلا أن الدول لا تتحرك إلا بقرار رئاسي أو مرسوم تنفيذي، وهنا تم تغييب آليات هذه السلطات، وعلى رأسها الرقابة والمحاسبة ووصلنا لما وصلنا إليه الآن.

والآن عاد الجدل من جديد من خلال شعار دولة مدنية وليست عسكرية هذا الشعار تجاوز معطيات المرحلة لأن الإشكالية الأساسية المطروحة تتمثل في بناء الدولة أساسًا قبل الحديث عن طبيعتها لأن طرح مصطلح ضخم في الوقت الراهن يعبر عن تخبط الأطراف تجاه شكل الدولة، والتي يجب أن تقوم على المرتكزات الحديثة لأية دولة ديمقراطية، ألا وهو مبدأ فصل السلطات واختيار النظام السياسي المناسب للحالة الجزائرية، وتفعيل آليات الرقابة والمحاسبة وإعطاء مساحات أكبر للسلطة التشريعية للمبادرة والتشريع واستقلالية السلطة القضائية بشكل أساسي.

ومن جهة أخرى لا بد من وضع أسس لدول الحق والقانون عبر التنشئة السياسية أولًا، وتفعيل المجتمع المدني من خلال زرع الوعي ونشره وتقديم البدائل الفاعلة لتجسيد المعادلة القائمة على المواطنة وفق مبدأ الحق والواجب لدى المواطن والعمل والضمير لدى الموظف أيًا كان مستواه.

وهذا لا يكون من خلال رفع شعار قبل أن تتم عملية حسم نقطتين أساسيتين، ألا وهما حسم مسألة انتخاب الرئيس، والذي سيمكن من فتح باب الحوار والمبادرة في أريحية من الوقت والجدية في الطرح لأننا أمام متغير الزمن الذي ليس في صالح البلاد الآن، ومن جهة أخرى طرح القوى الفاعلة من نخب خاصة تصورات أكاديمية وعملية لشكل الدولة من خلال عملية زرع قلب نظام سياسي يكون قويًا ويتماشى مع تحديات المرحلة ومستقبلها ويستجيب للتحولات السريعة، وبالتالي نضمن فعالية في العمل الديمقراطي والأداء السياسي ونرسخ للقيم الأساسية للديمقراطية بعيدًا عن الطرح الجدلي الذي يرفع في الشعارات؛ مما يعزز الفرقة والتشرذم في وقت تحتاج فيه البلاد الالتفاف حول المشروع الوطني، وبالتالي نتجاوز مرحلة العجز الديمقراطي الذي قد نقع فيه مستقبلًا إذا ما تسرعنا في إصدار قرارات غير حكيمة ولا تراعي مطالب الشعب الجزائري في الوقت الراهن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s