كأي عاشق للأدب والسينما والفن، دائمًا ما أعود بين حين وآخر لقراءة رواية خربشت على أوتار قلبي، ولمشاهدة فيلم سينمائي خطف روحي، وللاطلاع على تفاصيل لوحة أشفت بصيرتي، قد يجد البعض هذا الفعل غريبًا ومملًا، لكنهم لا يعلمون بأن الأعمال الفنية كالحضارات الإنسانية البائدة، المليئة بالأسرار والكنوز والرسائل، والتي كلما عاد إليها العلماء اكتشفوا سرًّا جديدًا، وكنزًا جديدًا، وجزءًا من رسالة كبرى تركت لإنسان المستقبل، وهكذا الأعمال الفنية، التي صنعها مبدعوها بقليل من وعيهم، وبكثير من لا وعيهم، والنظرة الأولى لها أقل من الثانية، والثانية أقل من الثالثة، وكلما شاهدت أكثر، استمتعت واكتشفت أكثر.
عدت البارحة لمشاهدة فيلم «الخلاص من شاوشانك»  الصادر عام 1994 لمخرجه فرانك درابونت، والمقتبس من المجموعة القصصية «فصول متنوعة»، وتحديدًا قصة «ريتا هيوارث والخلاص من شاوشانك» للكاتب الأمريكي الكبير ستيفن كينغ، والذي صنف رسميًّا كأفضل فيلم في التاريخ بحسب النقاد والجماهير، واعتبره بجانب فيلم «فوريست غامب» الصادر معه في نفس العام، بمثابة فردوس السينما الأمريكية.
يحكي الفيلم قصة «آندي دوفرين»، وهو مصرفي يتهم ظلمًا بقتل زوجته الخائنة وعشيقها، ليحكم عليه القضاء بالسجن المؤبد، ثم تبدأ رحلته في سجن شاوشانك، وهناك يتعرف على صديقه السجين «ريد»، المعروف بقدرته على تهريب الأشياء من وإلى السجن مقابل المال، فيطلب منه فور لقائه أول مرة مطرقة صغيرة، ليثير هذا الطلب استغراب وقلق «ريد»، لكنه ينفذ الأمر، ويحصل على عمولته.
تنطلق صداقتهما إلى الأمام وتتطور مع السنين، كان «آندي» إنسانًا حالمًا بالتغيير، ومحافظًا على اشتعال شمعة الأمل في روحه، بينما صديقه «ريد» على عكس ذلك تمامًا، رجل مسن وتقليدي ومعتاد على جدران السجن، ويرى أن روح «آندي» المتأججة والحالمة والآملة بالخلاص خطر على عقله وصحته، وقد تؤدي به إلى الجنون أو الانتحار، أو القتل على أيدي شرطة السجن لو حاول الهرب، فكان دائمًا بمثابة الأب الذي يحاول كبح جماح ابنه خوفًا عليه، لكن «آندي» استمر في اللحاق بحلمه، وقال لأصدقائه في إحدى المرات ما معناه: «أن باستطاعتهم سجن جسدك، لكن في داخلك شيء لا يمكنهم الوصول إليه، ولا يمكنهم حبسه ومنعه من التحليق، إنها الروح».
تمر الأيام، وتفرج السلطات عن سجين عجوز يدعى «بروكس»، بعد أن قضى أكثر من 50 عامًا في السجن، لكنه ألف العبودية، ولم يكن معتادًا على حياة الحرية والمسؤولية عن الذات فانتحر، وأصبح بمثابة مثال حي لدى «ريد» ليقنع «آندي» بوجهة نظره من جانب، وليؤكد صحة قناعاته من جانب آخر، لكن «آندي» استمر بالمقاومة، وقام بتحسين بيئة السجن، وأنشأ مكتبة ضخمة بدعم من سلطة الولاية، ومدرسة لإكمال تعليم السجناء، وبحكم خبرته المصرفية، قام بمساعدة الشرطة، وآمر السجن بالتلاعب في ملفاتهم ليخلصهم من دفع الضرائب، إلى أن جاء يوم اكتشف فيه عن طريق سجين جديد هوية قاتل زوجته وعشيقها، فأخبر آمر السجن بالأمر ليطلب إعادة محاكمته وتخليصه من الظلم الذي عاناه، لكن الآمر أبى غير ذلك، وقام بمعاونة أحد الحراس بقتل السجين الجديد، كي يبقي على «آندي» الذي يضمن له تنظيف ملفه المالي وسرقاته وفساده، ليقرر «آندي» حينها أن ينفذ ما حلم به وعمل عليه طويلًا، وهو الهرب والخلاص الأبدي من شاوشانك، كان ذلك عن طريق حفر فتحة في أحد جدران زنزاته، وتغطيتها بصورة كبيرة للممثلة «ريتا هيوارث»، واستمر يعمل عليها طوال 19 عامًا بمطرقته الصغيرة، وبحكم حبه للجيولوجيا -علم الصخور-، اكتشف منذ اليوم الأول أن جدران السجن سهلة الحفر والتفتيت، ولم يتطلب الأمر منه سوى الضغط المستمر والصبر، في وقت لم يكن فيه للكاميرات، وطرق المراقبة الحديثة أي وجود، كان ذلك في الفترة من عام 1947، وحتى هروبه عام 1966.
هرب «آندي» إلى الحرية، حاملًا معه كل ما يثبت هويته الجديدة المزورة، وكل أموال آمر السجن التي كانت عبارة عن رشاوى وسرقات، تعويضًا عن فترة سجنه وظلمه، واتجه إلى قرية ساحلية في المكسيك ليبدأ حياة جديدة، بلا ماضٍ وذكريات، وأرسل إلى الصحف كل ما يثبت جرائم القتل والسرقات التي كانت تتم في سجن شاوشانك، لتعتقل الشرطة رئيس الحرس، وينتحر آمر السجن برصاصة قبل أن يقتحموا مكتبه، في ثورة شاملة أسقطت إدارة السجن بأكملها، وحررت بقية السجناء من الظلم.
كان «آندي» قد أخبر «ريد» قبل هروبه بيوم واحد، أن يتجه لإحدى المزارع، ويحصل على صندوق مدفون تحت شجرة مميزة، وحين خرج «ريد» بعد «آندي» بفترة، شعر بما شعر به العجوز «بروكس»، الخوف والقلق من الحياة والحرية والمسؤولية عن الذات، بعد أن عاش عبدًا مأمورًا في السجن قرابة 40 عامًا، لكنه قرر أن يفي بوعده «لآندي»، ويذهب ليجد الصندوق، كانت رحلته للمكان أشبه بمصل الشفاء، فالمساحات الخضراء التي مر بها، والزهور التي استنشق عبيرها، وأصوات زقزقة العصافير التي أطرب لها، كلها أيقظت شيئًا من الإنسان في داخله، وعندما وجد الصندوق، قرأ رسالة «آندي»، والتي أكد له فيها على أن الأمل شيء عظيم، وأنه ينتظره ليبدأ مشروعه التجاري معه، وبجانب الرسالة ظرف صغير يحوي المال اللازم للرحلة.
قرر «ريد» أن ينشغل بالحياة عوضًا عن أن ينشغل بالموت، فحمل متاعه المتواضع وذهب إلى الحدود، عبرها، ومشى على الشاطئ، رأى المحيط وجمال زرقته، وطيور النورس التي تحلق من فوقه، تتغنى بأصوات أضفت على المكان روح السلام، بان له «آندي» من بعيد، كان يعمل على إصلاح قارب عتيق، اقترب منه، وتعانقا بعد غياب طويل.
«آندي» هو حقيقتنا، فطرتنا التي فطرنا الله عليها، بينما «ريد» هو صنيعة المجتمع المسجون بلا قضبان، والنظام السياسي المستبد الذي كبل الإنسان في داخلنا، وأخافنا من أنفسنا ومن الحياة، وجعلنا نؤمن بقلة قدراتنا، ونقسو على أنفسنا، لنتمسك بجلباب الطاغية خوفًا من كل شيء، ثم نقوم بصناعة مجالسنا السرية، ونحرص فيها على إفراغ طاقاتنا، بممارسة الحرية بالغيبة والنميمة، والحديث في الأشياء والتفاهات، والاستعراض على بعضنا البعض، والشراهة في الطعام، والمرح واللهو وممارسة الفساد كتفريغ عن الكبت، وتتحول لغتنا إلى نفاق نتوارى خلفه، ولا نعبر عن الحقيقة، لتضمر ملكاتنا ومواهبنا، وتتشوه شخصياتنا، وتهبط همتنا، ويتشربنا الكسل، حتى نموت ونحن على قيد الحياة، وندفن جماعيًّا في مقابر الأحياء.
إلى كل شاب وشابة في عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج: يجب أن تشاهد هذا الفيلم، وأن تسمح له بخطف روحك وتحريرها، لترى العالم الحقيقي، وتفهم سر خلقك، وتستجيب لفطرتك، وتساهم بتحرير مجتمعك، وتضع له الشموع على الأرصفة، حتى لا يستوحش طريق الحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد