لنقطع الطريق على من في قلوبهم مرض، ولربما سيستثمرون كلامنا هذا ليسمو بهم الأمر إلى رمينا باتهام غليظ، مفاده أننا نقوم بدعاية مغرضة للبرنامج، ولنخبر الجميع أن الغرض من كتابة هذه السطور هو تعرية الرؤى النابعة من ذات شخصية، وأنا خالصة، لا حضور لآراء الأغيار فيها، وإن كانت تصاحبنا في طريق الحب المطلق والإعجاب غير المشروط بهذه التجربة الموسومة بالإبداع والجدة، اللذين طالما افتقدناهما في إعلامنا العربي، حتى ذبلت أزهار التريث. كما دعونا نضيف أيدينا إلى حملات التصفيق الحارة وطويلة الأمد، للتنويه الذي نعرب عنه -معلنًا كان أو مضمرًا- بذلك البعد الإنسانوي Humaniste، الكامن في صلب «الصدمة»، والمطبوع بملذات متباينة من كل شيء، يصب في منظومة الفعل الإنساني في كليته.

فعشية أن كان المشهد الإعلامي العربي الرمضاني، غارقًا في زمرة الجماد عن جدارة واستحقاق، ما دفع نفرًا من الأمة إلى البحث عن الدفء المفقود للنجاة من موت وشيك. فتحت الأبواب على مصراعيها إزاء تجربة كان خروجها أمام الفرد العربي شبيهًا بخروج سجين منتظر إلى عوالم الحرية. والحديث هنا يتمحور حول برنامج «الصدمة» الذي اقتبست فكرته من البرنامج الأمريكي الشهير «ماذا كنت ستفعل؟»، وتمت تعبئتها بما يتناسب ومجتمعات شمال أفريقيا والشرق الأوسط لضمان الجدة.

برنامج «الصدمة» كاميرا خفية هادفة، تتغيا مطاردة ردود أفعال الناس حول القضايا المستفزة التي يصطدمون بها داخل أوصال البيئة المجتمعية: عقوق الوالدين، تعنيف النساء، إهانة العمال، إهانة المرضى أو المعاقين… ولقد انطلق البرنامج منذ سنتين، وهو الآن يكتسح دروب السنة الثالثة، على غرار الموسمين الأول والثاني ويعرض الموسم الثالث خلال شهر رمضان الجاري. صورت حلقاته في ثلة من البلدان العربية، ولا سيما مصر، ولبنان، والعراق، والسعودية، والأردن، والإمارات، وتونس، وتقدم البرنامج بطلب للظفر برخصة التصوير في المغرب العميق، إلا أن أحد وزراء حكومة أصحاب اللحى المشذبة: وزير الاتصال أقام ضربًا من العراقيل، مما حال دون أن تحط هذه التجربة رحالها في المغرب.

إن تسليط الضوء على كل ما هو اجتماعي ومجتمعي في الآن ذاته، لا يعدو أن يكون محاولة جريئة، تعيد مساءلة الهوية العربية، في ظل الخطر الداهم المتمثل في عولمة الثقافة الغربية، غداة الارتطام بالحقيقة، القادمة كموجة خرافية، وصعود نجم التنكر للقيم المحلية إلى عنان السماء، وكذا طرح احتمالات لا متناهية تحت المجهر. «إنها محاكمة للذات من خلال إعادة النظر في مفهوم القيم»، عن طريق اجترار القضايا الشائكة بالبلاد العربية جمعاء، ونقلها من المحلي إلى الكوني.

موسيقى تصويرية ذات نعومة رفيعة، مصحوبة بكلمات تعليقية حنانة رنانة ومكتنزة بشحنات إنسانية قوية: «هي دي الرحمة، الإنسانية أفعال مش أقوال، هي دي الصدمة بجد…»، عبارات تتسرب وتتدفق إلى دهاليز الروح المظلمة حتى النخاع، لتبهر السمع النائم، وتحدث رجة عنيفة وقشعريرة جميلة في غياهب الذات المشاهدة، الصامتة إلى حين أن يحين وقت الكلام، تتملكها أحاسيس غريبة، ينتابها شوق غامض، وود لو تستطيع أن تطير إلى الفضاء وتحتويه.

سيمفونية التكاوين المشهدية المدهشة، والزوايا المتباينة، واللقطات المتنوعة والموضبة بعمق جميل، تكبلك وتطوقك باستيلاء محكم، لا يسعك أن تسترق نظرة خارج مربع المرناة «التلفاز»، تجعلك تتوقف لهنيهة شاردًا فاغر الفاه للتأمل في الأداء الاحترافي العالي، لأولئك الذين يتقمصون أدوارا مستفزة، في مهمة لا تخلو من خطورة طوفان الغضب المجتمعي، الذي سيعرب عنه كل أفراد الأمة الذين تجمعهم عرى مجتمعية ووطنية رصينة، تحرك باستمرار أغوار العشق الغائر، وعذوبة الشعور بالانتماء، وتنم عن مباهج مشبوبة بوهج الحياة.

وعليه، نحن لسنا في حاجة إلى كاميرا خفية جوفاء ومبتذلة، تنتصب على الرعب والتخويف لمشاهير وأعلام، وذلك الطلاء السطحي، بقدر ما نحن في أمس الحاجة إلى كاميرا خفية تتمكن من نقل الأسس اللامرئية إلى المرئي، أي تكون أقدر على نقل مشاعر الناس وآمالهم وتطلعاتهم، ورؤيتهم «الدفينة» للقيم السائدة.

لا أخفيكم علمًا، أنني كلما شاهدت إحدى حلقات برنامج «الصدمة»، أدركت مليًّا، أنه ورقة فريدة لن تحترق، إنه بصمة عز وجذوة كرامة ما زالت شعلتها وضاءة تنير دروب الأمل، لتطوي صفحة واقع الحال الذي يضعنا إزاء أمرين أحلاهما مر، بكل صدق إنه برنامج خرج ليصبغ بلون الكاميرا الخفية في حلتها الهادفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد