لا يكاد خطيب جمعة لا يستفتح بالقول الذي يحفظه الصغير فينا والكبير: «واعلموا أنَّ شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، اقتباسًا من الحديث الشريف المعروف، وكلنا ويحفظ حديث: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، ولكن تعدَّدت الأفهام والنص واحدُ!

ما البدعة؟

البدعة في اللغة هي الشيء يكون أولًا لا على مثال قبله، ومنه قول الله تعالى: «قل ما كنت بدعًا من الرسل»؛ أي ما كنتُ أولهم، وعلى هذا فكل جديد محدث هو في اللغة مبتدع، وكثيرًا ما يخلط بين المراد اللغوي الصرف والمراد في سياق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فيعمّمون الخاص ويحرمون كل ما هو جديد.

حين قدمت إلى ماليزيا، قبل ثلاثة أعوام، أدهشني التزام الماليزيين بأذكار ختم الصلاة بشكل جماعي جهري وكأنه جزء لا يتجزَّأ من الصلاة، ولكن دهشتي كانت أكبر حين علمت أن هذه العادة كانت منتشرة في بلادنا ولكنها «انقرضت» بزعم أنها بدعة، ويا لخجلك إذ ترى العرب من المسلمين هم، وحدهم، الذين يتسللون لواذًا من المسجد بعد الصلاة مباشرة تشيعهم إلى باب المسجد نظرات الماليزيين المتعجبة!

ولا على سبيل النكتة، أعرف رجلًا يرفض الجلوس على الأرائك لأن سنة رسول الله هي الجلوس على الأرض! ولا يسمح لقريبته بارتداء البنطال لأنه تشبهٌ بالرجال، وآخر لا يركب السيارة في مدينة مثل دبي لأن رسول الله كان يركب الناقة والفرس ولم يجرّب السيارة ولو لمرة واحدة! وامرأة تحرِّم على نفسها التلفاز لأن فيه التصاوير، والبذور المحمصة لأنها تلهي عن ذكر الله، أجل، قد يضحك القارئ لمثل هذه النكات، ولكن أمثال هؤلاء يعيشون بيننا، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وما منا من أحد إلا قد رأى أو سمع أو عرف واحدًا من هؤلاء، وإن كان بدرجاتٍ متفاوتة.

بين الإبداع والابتداع

في العصور الوسطى كان الكهنوت الكنسي هو العدو الأول للعلماء والمبدعين، وكان السبب الأول في تردّي أوروبا في دركات الجاهلية وتأخرها عن ركب الحضارة، لقد قضت الكنيسة على الدين حين زرعت في قلوب الناس تلك الصورة القبيحة له وهو يعارض العقل والإبداع، ونحن كمسلمين لسنا بدعًا من الناس، تجري علينا قوانين الله، فالله لا يحابي أحدًا، «وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم»، وإن ما تصل إليه الحضارة اليوم من منجزات ترتقي بالإنسان لهي من نعم الله، ولا يجحد نعمة الله ويكفر بها إلا القوم الخاسرون! وحري بنا أمام هذه المنجزات الراقية أن نحيلها إلى حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من سنَّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها»، لا إلى البدع والمحرمات، لأن الإتيان بجديد أو إعادة تقديم القديم بصورة جديدة أو غريبة هو من الإبداع الجميل الذي يحض عليه الإسلام أيّما حض.

أخرج البخاري عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: «نعم البدعة هذه«، إنَّ كبار الصحابة قد أحدثوا بعد رسول الله ما ليس في زمانه، فأبو بكر جمع القرآن في مصحف واحد، وعمر جمع الناس على صلاة التراويح، وعثمان أحرق المخالف من المصاحف، فهل كانوا جميعًا مبتدعين؟ وقد يتعذَّر بعضهم بحديث رسول الله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» بأن ما فعله الخلفاء الراشدون هو جزء من الدين وما زاد عليها هو البدعة! والحق أنَّ الحديث، إن صح، يُفهم على أن ما فعله الخلفاء هو أن يعلمونا منهجية التفكير هذه والإبداع في كون الله وتيسير عبادته على خلقه، وهذه هي سنته وسنة خلفائه صلى الله عليه وسلم.

 أين علماؤنا من هذه الأفكار!

حاشا أن تعدم أمتنا فهم علمائها الكبار، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري «شرح صحيح البخاري» في باب الأذان يوم الجمعة: «وكل ما لم يكن في زمنه، صلى الله عليه وسلم، يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنـًا، ومنها ما يكون بخلاف ذلك«، ويقول ابن تيمية عن الاحتفال بالمولد النبوي: «فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم ـ»، أما التغيير في أصول الدين واعتقادات الناس ومعارضة العقل أو الخلق فهو الابتداع الذي وصف به القرآن الكريم الرهبانية النصرانية: «ورهبانية ابتدعوها»

من أين جاءنا هذا الفهم إذن!

إذا بحثت عن سبب كل مصيبة ألمت بأمتنا «تردي التعليم والصحة والأخلاق والذائقة الجمعية والفساد العام والتخلف الحضاري» فما عليك إلا أن تيمّم وجهك صوب الطواغيت، إنهم اللعنة الأولى وسبب الأسباب كلها، والاستبدادان السياسي والديني «مقارنة لا تنفك، متى وجد أحدهما في أمة جرَّ الآخر إليه، أو متى زال زال رفيقه، ومتى صلح «أي ضعف» أحدهما صلح الآخر» »الكواكبي«، لذا فلا بدَّ من مصاهرة ما، بل توأمة، بين رجال الدين والسياسيين؛ بحيث يشغل الفقهاء الناس عن قضايا الحريات والنهضة والإصلاح السياسي والاجتماعي بقضايا الفقه وفروعه والتشديد عليهم «على طريقة بني إسرائيل مع البقرة الصفراء؛ يشدّدون فيشدِّد الله عليهم» ويتحوَّل الناس من ميدان الفهم وإعمال العقل إلى ميدان الحفظ والتلقين والإمعات، ومن التعامل المباشر مع كتاب الله إلى التعامل مع واسطة بينهم وبين الله، تلك الواسطة التي لم يرد الله لنبيه أن يكونها، فضلًا عن أن يكونها وعّاظ السلاطين، فقال تعالى: «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب»، دون أن يقول «فقل لهم إني قريب» كما في معظم، وربما سائر، الآيات التي تستفتح بسؤال الناس «ويسألونك/ وإذا سألك»، وما أصدق تعبير علي شريعتي عن هذه الحال؛ إذ يقول: «عندما يشب حريق في بيتك ويدعوك أحد للصلاة والتضرع إلى الله ينبغي عليك أن تعلم أنها دعوة خائن، لأن الاهتمام بغير إطفاء الحريق والانصراف عنه إلى عمل آخر هو الاستحمار وإن كان عملاً مقدسًا».

إن هذا الفكر يسيِّر الإنسان، وما أراده الله إلا مخيَّرًا، ويسلب منه أغلى ما يملك، إرادته وعقله وإبداعه، وكما يقول الدكتور أحمد خيري العمري في بوصلته القرآنية: «لو كان لهذا الفكر وجود حقيقي في العقود الأولى لحارب إذن كل الضرورات والإنجازات التي أبدعها الصحابة والتابعون من أجل نشر القرآن والحفاظ عليه؛ ابتداء من تدوين القرآن وجمعه إلى التنقيط مرورًا بتقسيم القرآن إلى أجزاء وأحزاب، والأهم من ذلك، الفهم الإيجابي للقرآن الذي صنع تلك المعجزة، معجزة النهضة من العدم والانبعاث من الصحراء»، ويضيف: «تخيلوا أدلتهم ومسلسلة «المحدثة، البدعة، الضلالة، النار» التي تم اجتزاؤها من سياقها الخاص بالشعائر لتعمم على ما لا يمكن التعميم عليه، وتخيلوا أية كارثة كانت ستقع لو كان لهذا الفكر سلطة فعلية في العهد الأول.، ولكن الكارثة لم تقع في البداية، وقعت بالتدريج في عصور لاحقة»، فيا لحزننا ويا لأسفنا، «وأسفاه على هذا الدين الحر، الحكيم السهل السمح… الدين الذي رفع الإصر والأغلال وأباد الميزة والاستبداد، الدين الذي ظلمه الجاهلون فهجروا حكمة القرآن ودفنوها في قبر الهوان، الدين الذي فقد الأنصار الأبرار، والحكماء الأخيار، فسطا عليه المستبدون والمترشحون للاستبداد، واتخذوه وسيلة لتفريق الكلمة وتقسيم الأمة شيعًا، وجعلوه آلة لأهوائهم السياسية، فضيعوا مزاياه، وحيروا أهله بالتفريع والتوسيع، والتشديد والتشويش، وإدخال ما ليس منه فيه». «الكواكبي»

علينا أن نعترف إذن أن هذه الإشكالية ومثيلاتها هي إشكاليات فكرية لا فقهية، تنبني على الفهم العام لروح الإسلام ووسطيته وغاياته الإنسانية وأولوياته الواقعية، وأن البدعة الجوهرية والضلالة الحقيقية هي هذا الداء الذي أصاب روح الدين ومقاصده، هذا الفكر المتطرف وهذه الطريقة في التفكير التي مسخت الإنسان وحشًا، وأنتجت لنا «داعش» في القرن الحادي والعشرين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإبداع
عرض التعليقات
تحميل المزيد