قرأت كتاب «الاعتصام» للإمام الشاطبي رحمه الله، منذ أزيد من عقدين، ومما علق بذاكرتي قول الشاطبي إن أول بدعة ابتدعها المسلمون في المدينة المنورة بعد وفاة النبي- صلى الله عليه وسلم – هي المنخل (الغربال)، فلم يكن الناس على زمن النبي- صلى الله عليه وسلم – وقبله يستعملون المنخل حسب الإمام الشاطبي، وهذا النوع من البدع يسميه الشاطبي البدع العادية في مقابل البدع في العبادات. والمنهي عنه شرعًا هو بدع العبادات، لأنها تحرف الدين وتزعزع تعاليمه، أما بدع العادات فهي من المسكوت عنه شرعًا عند الفقهاء لارتباطها بالمعاش، وقضايا المعاش تشملها قاعدة أنتم أعلم بشؤون دنياكم التي قررها النبي – صلى الله عليه وسلم – في حادثة تأبير النخل المعروفة.

أعجبني التفات الإمام الشاطبي إلى قضية المنخل وتصنيفه للمخترعات الجديدة ضمن صنف «البدع» لأن البدعة هي الشيء الجديد غير المألوف، ومن خصائص الشيء الجديد المبتدع أنه ينتج آثارًا جديدة غير مألوفة هي أيضًا، ولهذا تنبهت عبقرية الإمام الشاطبي مرةً أخرى للحديث عن الآثار المترتبة على الأفعال عبر الزمن في كتابه «الموافقات» حين تحدث عن فكرة «مآلات الأفعال»، فقد يسكت الشرع عن البدع العادية ما دامت لم تظهر آثارها لكن حين تظهر آثارها يعود إلى رصدها وتتبعها ليحكم عليها، ومن هنا قد تصبح البدعة العادية بدعةً دينية إذا ثبت ضررها على المقاصد الخمسة للشريعة التي بيَّنها الشاطبي في كتابه، وكذلك العز بن عبد السلام والغزالي رحمهم الله أجمعين، وأقرب مثال يمكن ذكره هنا هو التدخين، فالتدخين من البدع العادية المتعلقة بالاستهلاك، ولم يكن العلم في بداية الأمر قد كشف عن الأضرار الجسيمة التي يلحقها التدخين بالصحة، لذا وجد من الفقهاء من أباح التدخين ولم ير به بأسًا، لكن مع تؤكد ضرره عبر الزمن، يكاد ينعقد الإجماع اليوم على تحريم التدخين.

نعود الآن إلى قصة المنخل، لأني أصبحت على يقينٍ تامٍّ بأن التقدم التقني بقدر ما يسهل حياة الناس من جهة بقدر ما يخلف آثارًا غير منظورة تعود بالضرر لاحقًا، وحينها ينقسم الناس إلى فريقين؛ فريق ينتفع من هذا التقدم التقني بما يدره عليه من دخل بغض النظر عما يلحقه هذا التقدم من ضرر بالصحة والعقل والبيئة والنفس وهم الأقلية، وفريق آخر هم أغلبية الخلق، يتلقى الضرر دون أن يعي مصدره حتى إذا وعي به يكون الزمن قد فات أو تكون تكلفة التغيير باهظة أو خارج السيطرة، مثل التغير المناخي والتلوث الذي يكاد يصبح خارج سيطرة البشر اليوم.

ماذا فعل المنخل بخبزنا؟

تتفق أغلب الدراسات على أن الجزء النافع من الحبوب يقع في قشرتها، وعند طحن الحبوب يقوم المنخل بعزل القشرة ويسميها نخالة (نسبة إلى المنخل) ويبقي على اللب الأبيض الذي يحبه مجتمع (ما بعد المنخل) مع العلم أن اللب يتكون في الغالب من النشاء والسكر  وبعض البروتين فقط في حين تحوي النخالة على 18 معدنا وعنصرًا أساسيًّا لغذاء الجسم، تتحول النخالة إلى أعلاف للأنعام وتنتج الأنعام لحومًا وحليبًا، يتحول اللحم إلى غذاء للأغنياء لأن اللحوم من الأغذية مرتفعة الثمن فيسترجع الغني معادن الحبوب ويستمتع الفقير بخبز أبيض وصحة عليلة بعد أن أصبح يعاف الخبز المخلوط بنخالته مثلما يعاف التحرر والحكم الراشد، ويحب سكنى العمارات والشقق الضيقة بقدر ما يكره الريف، والأمر ذاته بالنسبة للحليب، فاعتياد الناس خصوصًا الأطفال على ذوق الحليب منزوع الزبدة والمجفف يحرمهم من أكبر مصدر للفيتامينات الذائبة في الدهون وهي:

فيتامين أ (Vitamin A)

فيتامين د (Vitamin D)

فيتامين هـ (Vitamin E)

فيتامين ك (Vitamin K)

ولأن كل الدسم قد سحب مع زبدة الحليب لتذهب إلى مائدة الغني ممزوجة مع المربى؛ فهذا يعني أن الفيتامينات أيضًا قد غادرت كوب الحليب على مائدة الفقير الفرحان بالحليب المدعم منزوع الدسم المصنع في مصانع الغرب الرحيم المبتدع.

لا شك أن الإمام الشاطبي لا يعجبه هذا الأمر فقد آلت البدع الصناعية العادية إلى أن أصبحت تمس حياة الناس وصحتهم أي أنها أصبحت تمس بمقاصد الشريعة، وفي هذه اللحظة قرر فريق من العلماء أن يطمئنوا الإمام الشاطبي في قبره ويقولوا له اطمئن يا إمام سنكمل مشروعك المعرفي وسنؤسس لـ«إسلامية المعرفة» ومن هؤلاء العلماء إسماعيل راجي الفاروقي الذي أسس المعهد العالمي للفكر الإسلامي في عقر دار الرأسمالية والبراجماتية المعرفية وهي الولايات المتحدة الأمريكية بهدف تأسيس معرفة واعية بتحيزات العلوم الغربية ومشبعة بروح الفقه الحضاري الإسلامي لتقف ضد الإمبريالية المعرفية التي دمرت عقولنا وألحقت ضررًا بالغًا بالشخصية الإسلامية، لكن حراس المعرفة الغربية تفطنوا للخطر الكامن وراء هذا المشروع فقرروا اغتيال الفاروقي، وفعلًا استشهد برفقة زوجته لمياء الفاروقي ليلة 18 رمضان 1406 هـ الموافق 27 مايو (أيار) عام 1986م بالولايات المتحدة الأمريكية طعنًا بالسكاكين.

ومن هنا نفهم لماذا لا يبخل الغرب علينا بالجامعات التي تدرس برامجه العلمانية وبالأغذية التي تسمم الأبدان وتزهق الأرواح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد